Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
12 septembre 2012 3 12 /09 /septembre /2012 13:01
طارق العبد
في وسط دمشق حيث تقع حديقة الجلاء ثمة العشرات ممن يفترشون العشب أو يقيمون خيماً بدائية، ويلعب الأطفال حول الأشجار، فيما يجلس الأهالي يتحدثون حول أحوالهم.
مشهد يتكرر في حديقة السبكي وسط أسواق الشام، وكذلك في عدة حدائق في أحياء المزة والقصاع وركن الدين، بل على جزر العشب التي تستضيفها بعض الأرصفة.
لكن هؤلاء ليسوا مستمتعين بالخريف الدمشقي، ولا هم في الحدائق للتسلية وقضاء الوقت في أحضان الطبيعة. إنهم نازحون من محافظات تتذوق طعم الدم يومياً، فاحتضنتهم الشام، في شوارعها وحدائقها ومدارسها، هرباً من الموت الذي يحصد العشرات يوميا.
أصبح في سوريا أكثر من مليوني نازح، غادروا مدنهم وقراهم إلى مناطق أخرى قد تكون أكثر أمنا، فافترشوا الأرض والحدائق والشوارع والتحفوا السماء، وأصبحت المدرسة بالنسبة لمئات الآلاف من الأطفال بيتهم الأول، لا لطلب العلم بل لطلب الأمان وقضاء ليلة لا يسمعون فيها أصوات القذائف المتبادلة.
هو إذاً مشهد فرض نفسه على دمشق المثقلة أصلا بهموم أبنائها، ومن نزح إليها في الشتاء من أبناء الريف وحمص وحماه، لتشهد اليوم موجة النزوح التالية لقادمين من حلب ودير الزور وداريا ومناطق عدة في ريف دمشق، بل ومن أحياء دمشقية استهدفتها الاشتباكات المتواصلة، فتركها أهلها إلى مناطق أخرى في قلب العاصمة، فيما فضل غيرهم من أبناء المحافظات الأخرى اللجوء إلى بلدان أخرى، رغم إغلاق الأتراك حدودهم في الشمال وانسحاب ذلك على العراق (منفذ البوكمال مغلق)، فيما تبدو أوضاع اللاجئين في الأردن ولبنان مأساوية، هذا إن تمكنوا من الوصول بالأساس. هكذا تحول السوريون من مقيمين في بلداتهم إلى نازحين ولاجئين، محاولين تأمين حياتهم الجديدة بما يحفظ كرامتهم.
الدخول إلى أي من المدارس التي يقيم فيها النازحون ليس صعباً بالمطلق، وهم يتوزعون على عشرات المدارس في دمشق وبعض المناطق في الريف التي بقيت بعيدة نوعاً ما عن العمليات العسكرية للجيش النظامي أو المسلحين.
لكن إقامتهم هنا لن تدوم طويلاً، والسبب بالتأكيد لا يتعلق بهدوء المعارك في مناطقهم، فقد حان موعد بدء العام الدراسي الجديد، ما يعني ضرورة إخلاء المدارس من النازحين لاستقبال التلاميذ. ويأتي هذا رغم مناشدات الأهالي المتكررة لوزارة التربية بتأجيل بداية السنة الدراسية، وهو ما لا يبدو انه يلقى آذاناً صاغية، مع إصرار وزير التربية على استقبال المدارس لطلابها في الموعد المحدد، وهو ما فرض حالة قلق شديدة ترتسم على وجوه الآباء والأمهات.
أما الأطفال فمشغولون بعالم آخر، عالم يتوزع بين اللعب والرسم وأنشطة عديدة، تطبعت جميعاً بطابع الحرب التي تعيشها البلاد، فيما لا يتوقف نشطاء في مجال الإغاثة عن العمل المتواصل على تأمين احتياجات النازحين الغذائية والطبية، وتنظيم أنشطة يسعون من خلالها لإبعاد الأطفال عن أجواء المعارك التي ترسخ في أذهانهم.
سامر شاب ثلاثيني، يتحدر من منطقة كفربطنا في ريف دمشق، تعرض منزله إلى قصف متبادل بين الجيش النظامي و«الجيش الحر» فقرر التوجه إلى دمشق مع زوجته وأولاده الثلاثة، لينتهي به المطاف في مدرسة في احد أحياء العاصمة، في غرفة يتقاسمها مع عائلة أخرى نازحة، فيما خصصت غرفة أخرى كمطبخ يقوم عشرات النشطاء يومياً بتأمين المواد الغذائية اليومية للأهالي بالتعاون مع جمعيات خيرية.
ويقول العامل البسيط إنه لم يجد خياراً آخر سوى الاستقرار هنا، فمعظم أقاربه هم في مناطق صعبة من الناحية الأمنية، أما أسعار البيوت في العاصمة فهي ذات أرقام فلكية، هذا إن وجدناها بالأصل.
ويضيف سامر، بغضب، «لا اعرف أين سنذهب بعد أيام. لقد ابلغونا بضرورة مغادرة المدارس قريبا، ولم يخبرنا احد أين سنذهب وأين سيكون ملجأنا المقبل»، فيما يعتبر جاره أن الخيار الأقرب والأسوأ أيضاً هو العودة إلى الحدائق حيث كنت أقيم مع أسرتي، قبل إن ينجح احد الناشطين في تأمين مقر لهم في المدرسة، و«لكن ها نحن اليوم مضطرون للعودة إلى الحدائق من جديد».
أما محمود، وهو عامل من منطقة سبينة في ريف دمشق، فيقيم في مدرسة في حي برزة مع أكثر من 20 رجلا آخرين، فيما تجلس النساء في غرفة أخرى. فبحسب قوله «في البداية كانت الأعداد قليلة خصوصاً مع عودة الكثيرين إلى منازلهم، لكن الأسابيع الأخيرة شهدت زيادة كبرى دفعت إدارة المدرسة إلى فصل العائلات ليقيم الرجال لوحدهم والنساء في غرفة أخرى، رغم وجود حالات صعبة تستدعي رعاية من الأسرة نفسها.
ويكشف الرجل الأربعيني عن عائلات استأجرت بيوتاً لفترة، ثم لجأت إلى المدارس بعد أن قام أصحاب الشقق برفع أسعارها، أو بسبب نفاد ما لديهم، فكثر وفق قول (مختار المدرسة) كما يصفه رفاقه خرجوا فقط بثيابهم، ومنهم من لم يتمكن من حمل معظم أوراقه الثبوتية.
ويشكو عبد الله، وهو سائق سيارة أجرة، من ميل الأطفال الشديد للعنف بسبب انطباع حوادث القتل اليومية في أذهانهم، ورغم الجهد الذي يبذله ناشطون في مجال الدعم النفسي، إلا انه يبقى جهداً مؤقتاً، بحسب تعبيره.
في المقابل، يبدي وليد، الناشط في مجال الإغاثة، تخوفاً من المرحلة المقبلة، مع اقتراب فصل الشتاء من دون أي ملامح أو بارقة أمل لانتهاء الصراع، ما يعني تزايد أعداد القادمين إلى دمشق، من دون وجود مكان يستطيع استيعاب كثر لن يكونوا قادرين على استئجار بيوت في قلب العاصمة، في ظل الارتفاع الهستيري للأسعار من جهة وانتقال الصراع المسلح إلى بعض الأحياء الدمشقية، كالتضامن ومخيم اليرموك والزاهرة من جهة أخرى. ويترافق هذا مع أزمة الكهرباء والوقود الخانقة التي تضرب مختلف شرائح المجتمع السوري، ما يجعل السلطة أمام تحدي تأمين التدفئة والحياة الكريمة لمئات الآلاف، وهذا بالطبع لا يشمل دمشق وحدها.
بدوره، يعتبر المسؤول عن احد المدارس في أطراف الشام انه لا يمكن إطلاق العام الدراسي بهذه الحال، في ظل التوتر اليومي الذي تشهده العاصمة ولجوء عصابات مسلحة إلى الخطف وطلب فدية مالية كبرى، ما يجعل الأهالي في حالة من الحذر قد تمنعهم من إرسال أبنائهم إلى المدارس، فيما يتعذر على المدرسين والطلاب الحضور في مناطق أخرى، كحلب وحمص ودرعا، حيث مازالت العمليات العسكرية مستمرة.
وينقل المسؤول عن نازحين أتوا من مناطق ساخنة قولهم إن بعض المدارس تحولت إلى ثكنات لـ«الجيش الحر»، خصوصاً في القرى التي يسيطر عليها، وتمركز جنود من الجيش السوري النظامي في مدارس أخرى تؤمن لهم تغطية المنطقة عسكرياً، مضيفا إن هذا يعني أن الأولوية هي للسلاح، والمدارس لن تكون جاهزة لاستقبال التلاميذ سوى في مناطق قليلة، لكن كل هذا لم يلق أذانا صاغية لدى وزارة التربية التي مازالت مصممة على افتتاح المدارس في موعدها، حيث أشارت الوزارة إلى تعاونها مع جهات عدة لتأمين المدارس وإيجاد بدائل لإيواء النازحين، من دون أن توضح التفاصيل حول الأمكنة المقترحة للإيواء.
 
النازحون إلى دمشق: أين سنذهب مع اقتراب افتتاح المدارس؟

طفلة سورية نزحت مع اهلها الى مدرسة قرب حلب تشرب الماء من الخزان امس الاول (ا ب)
 

Partager cet article

Repost 0
Published by syria
commenter cet article

commentaires