Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
13 septembre 2012 4 13 /09 /septembre /2012 16:04

 القبيلة والدين والنفط في السعودية

 

جعفر الشايب

 

 12/9/2012


تتوفر للمملكة العربية السعودية عوامل عديدة تجعلها قادرة على إدارة أزماتها والتحديات التي تواجهها بهدوء ونفس طويل، كسمات تميّز آلية اشتغال الدولة في هذا المكان. لهذه الغاية، يتم توظيف الموارد المالية الهائلة والاستقرار السياسي النسبي في منطقة متوترة ومكانة الأسرة الحاكمة ودور المؤسسة الدينية وضعف المعارضة السياسية. وعلى أية حال، تفرض هذا المنهج مكونات البلاد الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والمتميزة بالتشكيلة القبلية الواسعة والتعددية المذهبية والموروث الثقافي والمناطقي المتنوع ونمو الطبقة الوسطى. وقد تمكنت الأسرة الحاكمة، بفضل الموازنة بين مختلف هذه الخصائص، من تجاوز العديد من التحديات التي واجهتها ومن احتواء أزمات خطيرة كان يمكنها تهديد أمنها واستقرارها.
ولأن توفر المعلومات قليل ومحصور في الدوائر الداخلية لصنّاع القرار، تقوم العديد من الدراسات على التخمين والتوقع والمتابعة من خارج تلك الدوائر. وهي قد لا تكون مطابقة لحقيقة ما يجري. وبالرغم من هذا الغموض، فمن المعلوم أن السعودية تعيش تحديات داخلية وخارجية عديدة، تشتد خطورتها مع غياب وسائل التعبير عنها، وانعدام صيغ المشاركة الشعبية في مناقشتها، وسيادة أنماط فكرية محافظة تساهم في اعاقة الطروحات الحداثية والمدنية.

الاقتصاد الريعي
لعبت الموارد المالية الهائلة الناتجة عن استخراج وتصدير كميات كبيرة من النفط للأسواق الدولية، دوراً محوريا في سياسات المملكة وبرامجها الداخلية والخارجية، وبمواجهة العديد من التحديات التي مرت بها. ويظهر جلياً تأثير انخفاض أسعار النفط عالمياً، أو وجود أزمة نفطية، حين يحدث ذلك، على تلك القدرات.
ولعل أكبر أزمة اقتصادية مرت بها السعودية كانت في منتصف الثمانينيات، حيث انخفض إنتاج النفط إلى نحو 2 مليون برميل في اليوم العام 1985. ومع تنامي العجز في الميزانية، اضطرت الحكومة آنذاك لسحب أصولها الأجنبية. وتقدر بعض المصادر بأن الاحتياطات المالية للدول العربية النفطية تناقصت من 45,6 مليار دولار في العام 1985 إلى 32,4 مليار دولار العام 1989. وتسببت هذه الضغوط المالية في خفض دعم المشاريع التنموية، وبروز مشاكل البطالة بين صفوف المواطنين.
اعتمدت الدولة الاقتصاد الريعي الذي يقوم بتوفير المتطلبات الحياتية الأساسية للمواطنين، كفرص التعليم المجاني في الداخل، والابتعاث للخارج، وتوفير الخدمات الصحية، ومنح الأراضي والقروض الإسكانية بدون فوائد، وخفض مختلف أشكال الضرائب. وقد بلغت نسبة الإنفاق على الدفاع والأمن العام نسبة 31 في المئة من ميزانية الدولة للعام 2011، في مقابل 27 في المئة لتنمية الموارد البشرية، و16 في المئة على الإدارة العامة والمرافق، و9 في المئة على الصحة والتنمية الاجتماعية. كما أن ضخ ميزانيات كبيرة في مشاريع حكومية متنوعة يفتح المجال عادة أمام فرص عمل واسعة لمختلف مؤسسات القطاع الخاص.
ويتم في الغالب استخدام المال في معالجة الأزمات السياسية. هكذا تُزاد رواتب موظفي الدولة، وتُستحدث وظائف جديدة في مؤسساتها لاحتواء أزمة البطالة، ويُمنح العاطلون عن العمل مكافآت مالية. فمثلاً، ومع انطلاقة أحداث "الربيع العربي" في المنطقة، أعلنت الحكومة عن حزمة إجراءات اقتصادية ضخمة قدرت بحوالي 109 مليارات دولار، خُصصت لقضايا الإسكان والخدمات العامة وتوفير فرص وظيفية في أجهزة الدولة.
من الواضح أن السيولة المالية، في حال توفرها، تستخدم في محاولة استمالة المواطنين وتحييد مواقفهم من قضايا التغيير والمطالبة بالإصلاح، وإشعارهم بأن الدولة هي الضامن والموفِّر لمصادر أرزاقهم، وترسيخ هذا النوع من الثقافة التي يعبر عنها باحث أميركي بأنها وسيلة لشراء سكوت المواطنين وولائهم للدولة.

المؤسسة الدينية
تعتبر المؤسسة الدينية في السعودية العمود الفقري لمشروعية النظام السياسي، التي اعتمدت منذ قيام الدولة السعودية الأولى، على التحالف بين بنية قبلية والمؤسسة/المشروع الديني ممثلاً وقتها بالشيخ محمد بن عبد الوهاب. وعلى الرغم من "تمدين" الدولة السعودية الذي جعل هذا التحالف متراخياً، إلا أن تأثير المؤسسة الدينية لا يزال بالغ الأهمية في إدارة وسياسة شؤون المجتمع.
وبعيداً عن تفاصيل الأحداث التي شكلت تحديات حقيقية أمام النظام السياسي في المملكة، ثمة مجموعة من القضايا المفصلية في مسيرة نظام الحكم بشكل عام، منذ تشكل نواة المملكة بضمّ المناطق الرئيسية فيها العام 1926. فعلى الصعيد الديني، حدثت مواجهات مع الاتجاهات المتشددة، من بينها معركة "السبلة" مع جماعة الإخوان العام 1929، ومسيرات معارضة التعليم والتلفزيون في منتصف الستينيات، والتمرّد الذي قاده جهيمان العتيبي ومجموعته باحتلالهم الحرم المكي العام 1979، ومعارضة تواجد القوات الغربية على الأراضي السعودية العام 1991، والمواجهات المسلحة المتواصلة منذ أحداث ايلول/سبتمبر 2001 والى الآن.
وعلى الرغم من حدوث هذه المواجهات التصادمية، وغيرها، مع أطراف من المؤسسة الدينية، في مراحل متعددة من تاريخ الدولة السعودية، إلا أن النظام أبدى قدرة على الانفكاك من الاتجاهات المتطرفة، والإبقاء على مجمل مكونات المؤسسة الدينية التي تدور في فلك استراتيجيته، وتنتهج نهجا تقليديا محافظا. تمكنت السلطة السياسية في السعودية أيضا من توفير غطاء من الشرعية الدينية للكثير من القرارات والمواقف السياسية الداخلية والخارجية، وسعت إلى توظيف العامل الايديولوجي في نشر برامجها، داخلياً كما، وبصورة فعالة، في علاقاتها في المحيط الإسلامي.
وحيث إن مرجعية المؤسسة الدينية بكامل أجهزتها هي الملك، فثمة إجراءات تتم بين الفينة والأخرى بهدف إعادة هيكلة وإصلاح هذه المؤسسة بما يخدم سياسة السلطة أو الحكومة في حينها، كتعيين المفتي العام، وأعضاء هيئة كبار العلماء، ورؤساء هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأعضاء مجلس القضاء الأعلى، إضافة إلى وزراء العدل والشؤون الإسلامية والحج وغيرهم. ويقدر عدد أعضاء "هيئة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر" وهي الذراع البوليسية للمؤسسة الدينية، بحوالي 4000 شخص. وفي حالات الخلاف العلني لبعض قيادات المؤسسة الدينية، يتم فصلهم عن وظائفهم بأمر ملكي كما حدث لعدد من أعضاء هيئة كبار العلماء في مرات عديدة.

الأسرة الحاكمة
يقدر عدد أفراد العائلة المالكة في السعودية بما يقارب 13,000 شخص، وهم من أولاد وأحفاد مؤسس الدولة الملك عبد العزيز آل سعود، والأسر القريبة منه بالمصاهرة. ويتولى أبرز أبناء الملك عبد العزيز وأحفاده من الذكور مواقع قيادية في مختلف مؤسسات الدولة، وخاصة في الوزارات والإدارات السيادية كالخارجية والداخلية والدفاع والأمن وغيرها.
لم يمر الوضع داخل الاسرة الحاكمة أيضاً من دون أزمات كبيرة. فبعد وفاة مؤسس المملكة، الملك عبد العزيز آل سعود العام 1953، حدث نزاع بين أبنيه، الملك سعود الذي عين ملكا بعده، وأخيه الملك فيصل، استمر بين عامي 1958 و1962، وانتهى بتولي الملك فيصل الحكم بعد ان تنحى الملك سعود ومات خارج المملكة. كما اغتيل الملك فيصل العام 1975 من قبل أحد أفراد الأسرة الحاكمة، وهو فيصل بن مساعد آل سعود.
ومع زيادة عدد أفراد الأسرة الحاكمة، وتنامي طموح بعض أفرادها لتسلم مواقع قيادية، تمّ تخصيص مناصب أمراء المناطق ونوابهم لتكون لأفراد من الأسرة الحاكمة، بينما كانت في السابق متاحة لأفراد من قبائل ومناطق مختلفة. كما تم استحداث مناصب جديدة في الدولة، كنواب الوزراء ومستشارين في الديوان الملكي وبعض الوزارات، إضافة إلى مناصب فخرية في الجمعيات والمؤسسات الرسمية والأهلية والجوائز العلمية والأدبية وغيرها. وقد تركزت بذلك السلطة داخل الاسرة الحاكمة، بينما كانت في السابق، ولو في أطرافها، تشمل أبناء قبائل أخرى.
وهنالك تراتبية ملزمة بين أفراد الأسرة الحاكمة تسبب تعقيداً في إجراءات التعيين للمناصب الرسمية أحياناً، كما أن ذلك يؤدي إلى احتكار مناصب رئيسية ومهمة لعقود طويلة، متسبباًبجمود في أدائها. ومن التحديات التي تواجهها الدولة في هذه الحالة، التمتع بصلاحيات واسعة وغير مقننة للعديد ممن يحتلون هذه المواقع، مما يحول دون عملية المحاسبة والرقابة الإدارية والمالية.
ولتجنب الوقوع في أزمة فراغ سياسي في القيادة، أصدر الملك عبد الله بن عبد العزيز العام 2006، نظاماً لتأسيس "هيئة البيعة". وهذه مكونة من جميع أبناء الملك عبد العزيز الذكور أو من ينوب عنهم، وعددهم 36 ابناً، ومهمتها تنظيم عملية ترشيح خليفة الملك أو ولي العهد، وتنظيم شؤون الحكم في حال عجز الملك. ولكن الهيئة لم تمارس أي دور حقيقي لها منذ إنشائها حتى الآن، مع أنها تعتبر مرحلة متقدمة في تنظيم التوازن بين مكوّنات الأسرة الحاكمة في مجال إدارة شؤون المملكة.

إدارة التنوّع والمعارضة
التنوع القبلي والمناطقي والمذهبي في السعودية ثري للغاية، وقد سعى مؤسس الدولة إلى الإقرار به، وأعطاه شرعية مقابل الولاء للدولة المركزية. إلا أنه في مراحل متقدمة من تاريخ السعودية، بدت اتجاهات متشددة ترى في هذا التنوع خطراً على سلطتها ونفوذها. وبرز ذلك بشكل خاص في أوساط الاتجاهات الدينية والمناطقية المتشددة، في "نجد". وقد أثّر هذا الاستحواذ على سياسات الدولة وعلى تعاطيها مع مختلف المكونات الثقافية والاجتماعية والدينية الاخرى، التي بلغت حدَّ نمو حالة من التمييز ضدها، في حقوقها المدنية العامة، وفي ممارساتها الثقافية، كحقها في إحياء التراث والتقاليد الشعبية، أو أنشطتها الدينية المختلفة.
تنامي حالة التنافر تسببت بعودة التشبث بالروابط التقليدية، كالقبيلة والمذهب والمنطقة. وبرزت هذه كمظلات حماية وكتحصين تجاه "الآخر". وتراجعت مكانة الدولة وموقعها كرافعة وحاضنة وطنية لكل المكوّنات. وأصبحت المواطَنة شعاراً ليس له تطبيق على أرض الواقع. ونتج عن ذلك شعورٌ بالتمييز سيما مع انعدام التنمية المتوازنة بين المناطق، واحتكار مراكز القرار لدى فئات معينة، وغياب المشاركة الشعبية. وحاولت الحكومة الإجابة على تنامي الظاهرة، فأقرت مناهج التربية الوطنية في المدارس، وقامت بالاحتفال رسمياً باليوم الوطني، وسعت لمعالجة القصور في تنمية المناطق النائية، وكثرت زيارات كبار المسؤولين لها...
أما في مجال المعارضة، فإن انعدام وسائل التعبير السياسية من خلال تشكيل الأحزاب والجمعيات، أو إطلاق حرية الإعلام، أدى الى انحسار مجالات المشاركة الشعبية في القرار والشأن العامين. كما أن التعاطي الأمني المتشدّد مع الحركات الوطنية والإصلاحية دفع بها الى العمل السري أو التحوّل إلى معارضة سياسية في الخارج. فلم تخلُ مرحلة من المراحل، طوال العقود الماضية، من وجود معارضة سياسية في الخارج تقوم بأنشطة إعلامية وحقوقية ضمن دعوتها للإصلاح السياسي، كإجراء انتخابات عامة، وتشكيل مجالس تشريعية منتخبة، ومحاسبة الحكومة، وتحديد صلاحيات أفراد الأسرة الحاكمة، وإطلاق الحريات العامة.

خاتمة
بسبب الخصائص التي تمّت الإشارة إليها: الثروة المالية الهائلة، التحالف مع المؤسسة الدينية، تماسك الأسرة، ضعف المعارضة، فإن النظام لا يزال يمتلك القدرة والدينامية على المناورة. ولكن، بطبيعة الحال، وبرغم ذلك، فان هناك تحديات عديدة قد تنتج بسبب عوامل طارئة، داخلية أو خارجية، وتؤدي إلى خلخلة هذا التوازن الدقيق والحساس في إدارة الشأن السياسي.

 


الإيرادات: مسار تصاعدي
سلكت الإيرادات في الموازنة العامة السعودية مساراً تصاعُدياً واضحاً. فبحسب وزارة المالية في المملكة، كانت العام في 2000، 42 مليار دولار، وقفزت العام 2011 إلى 144 ملياراً. وقد شهدت بعض السنوات جموداً في الإيرادات، مثلما حصل في 2004، حين استقرّت عند 53 ملياراً، بينما كانت في 2001 أكثر من 57 ملياراً. والقفزة الكبرى في الواردات تحقّقت بين عامَي 2005 و2006، فارتفعت من 74 ملياراً إلى 104 مليارات دفعة واحدة.

 

 

* كاتب وناشط حقوقي، راعي منتدى الثلاثاء الثقافي، وعضو المجلس البلدي بمحافظة القطيف

Partager cet article

Repost 0
Published by syria
commenter cet article

commentaires