Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
25 novembre 2012 7 25 /11 /novembre /2012 10:32
 
 

 

 

مقدّمة

 

 تتناول هذه الورقة المظاهر العنفيّة في  الثورة السوريّة. وتركز في قسمها الأكبر على  مظاهر العنف الاجتماعي، وبذلك تميّز الورقة نسبيًّا العنف الاجتماعي عن العنف السياسيّ الحاصل. غير أنه في أحوال الأزمات وحالة عدم الاستقرار يتداخل العنف الاجتماعي مع العنف السياسي إذ تستند بعض أشكال العنف السياسي في مظاهرها إلى ديناميات العنف الاجتماعي ومنها وجود انقسامات اجتماعية أو عصبيات اجتماعيّة من أنواع مختلفة تحركه. كما أن هناك الكثير من مظاهر العنف الاجتماعي الذي تغطى بأهداف سياسيّة. وتعتبر هذه الورقة  العنف الاجتماعي والعنف السياسي ظاهرتين متمايزتين لكنهما تتداخلان إبان التحولات الاجتماعية الكبرى مثل الثورات التي تهز كيان المجتمع.

 

كما وتميز هذه الورقة بين ما يمكن اعتباره عنف الثورة السوريّة المسلح والعنف الاجتماعي والسياسي القائم خارج الثورة والذي تداخل مع عنف الثورة وولد انطباعًا بوجود تجاوزات خطيرة في الثورة السوريّة.

 

لا تستبعد هذه الورقة وجود تجاوزات، ولكن تداخل العنف القائم على هوامشها يضخمه ويصعّب على المراقب تمييز الفرق. فمثلاً كان العنف السياسيّ الجهاديّ قائمًا قبل الثورة ولم يكن فاعلاً في أشهرها الأولى. وبالتالي يجب تمييزه عن العنف المسلح كمسار دفعت إليه الثورة بأوساطها المدنيّة الرئيسيّة.

 

استحوذت مظاهر العنف في الثورة السوريّة، والتي تزايدت بشكلٍ مطّرد منذ بداية عام 2012، على اهتمامٍ سياسيّ وإعلاميّ واسع، كونها أضحت أحد المؤشّرات الدالّة على ديناميّات اجتماعيّة قديمة تعبر عن نفسها بعد انكشاف غطاء الدولة، أو على أخرى جديدة تحصل خلال الثورة السوريّة أو ترافقها، ولم يعد بالإمكان تجاهلها أو غضّ الطّرف عنها. وقد اختلطت المواقف وطريقة التوظيف السياسيّ للمظاهر العنفيّة الجارية ما بين النّظام السياسيّ القائم والمعارضة، إذ دأبت آلة الضخّ الإعلاميّ الرسميّة والخاصّة ضمن أساليب الدّعاية السياسيّة على الربط ما بين الثورة الشعبيّة (بشقّيها الاحتجاجي المدنيّ والكفاحيّ والمسلّح) وبين تلك المظاهر العنفية بخلفياتها المتنوّعة الجنائيّة، والجهاديّة، والطائفيّة أيضًا. في حين كان خطاب المعارضة السياسيّ والإعلاميّ  يتهم السلطة بتدبير هذا العنف ضمن نسق ديماغوجيّ واستيراد لنظرية المؤامرة إلى صفوف المعارضة بشكل يسمح لها بالتهرّب من مواجهة هذه المظاهر باعتبارها تحدّيًا مجتمعيًّا آنيًّا ومستقبليًّا تتطلّب معالجته قيادة سياسيّة تعي المخاطر الرّاهنة وترسم إستراتيجيّة ديمقراطيّة واضحة لتجاوزها. وقد عزز عنف الدولة الوحشي وغير المسبوق من قدرة القوى الثورية على اتهام  الدولة بتدبير بعض الأحداث العنيفة حتى حين لم تكن مسؤولة عن العنف.

 

 يتعرض الشعب السوري منذ بداية الثورة إلى سياسة قمع أمني شامل تجلت في إطلاق النار على المتظاهرين بشكل منهجي ومثابر، وبالتعذيب، ثم بقصف المدن والأحياء المأهولة والتدمير والتهجير. ولا يجوز لأي تحليل لمظاهر العنف في  الثورة أن يغفل الحقيقة الأساس، وهي عنف النظام ضد المجتمع والإنسان، وهو عنف شامل وغير محدود بقوانين أو قيم أو روادع. لقد تحّول  الصراع في سورية إلى صراع مسلح نتيجة لإصرار النظام على خيار القمع المسلح طيلة أكثر من عام ونصف، وان انتشار  الظواهر العنفية على هامش الصراعات المسلحة هو ليس بالأمر الشاذ، لا سيما حين يتسلح الشعب ذاته، بما في ذلك قطاعاته الاجتماعية المهمشة أيضا. الأمر الذي يفرض تفحّص السّياقات التي أنتجتها وحفّزت تسارعها، خاصّة وأنّ تعميمات علميّة تمّ إطلاقها لتفسير صيرورة هذه المظاهر العنفيّة واندفاعها. ومن أبرز تلك التعميمات تصنيف الثورة السوريّة ضمن إطار الثورات الريفيّة الراديكاليّة، إذ يستند البعض في مقاربتهم إلى توصيف إريك هوبزباوم في كتابه "عصر الثورة" عن ثورات الفلّاحين، والتي برأيه تكون واسعة وعديمة الشّكل، تحصل فجأة ولكنّها لا تقاوم. إذ تتحوّل "فورة" أو "هبّة" الفلّاحين النّاجمة عن تململهم على خلفيّة سببٍ مثير إلى تشنّجٍ لا سبيل إلى ردّه ينتقل بعدها إلى انتفاضة في البلدات، والمدن، والأقاليم تنأى عنها الطّبقة الوسطى كونها تحمل موجة من الذّعر الاجتماعيّ التي تنتشر بصورةٍ غامضة وسريعة في أرجاء البلاد كافّة([1]).

 

لقد شهدت الأقطار العربية ثورات من هذا النوع بدأت كثورات ريفية وانحسرت في الريف في نهايتها وينطبق عليها هذا التوصيف ومنها ثورة الريف لعبد الكريم الخطابيّ، وثورة الشمال السوريّ 1919-1923، والثورة الفلسطينيّة 1936-1936 ولاسيما في نهايتها.

 

إن التوصيف السابق يشوبه الكثير من القصور في فهم الثورات الشعبية العربيّة الحاليّة. فربما يشكل الفقر محركًا للاحتجاج، وقد يعلن عن نفسه كقوة غاضبة تنفجر، ولكن ليس بالضرورة أن ينتج ثورات ترفع شعارات سياسيّة. فغالبًّا ما يكون الاحتجاج الناجم عنه غير منظم وغير مسيسٍ بالضرورة وينتج انتفاضات مطلبية على غرار " انتفاضة الخبز" في مصر عام 1977، وانتفاضة الخبز في تونس 1984، أو انتفاضة المحلة الكبرى في مصر 2008، وكذلك الحوض المنجمي في تونس والتي يستطيع النظام السياسيّ قمعها وتنحسب من دون أن تترك أثرًا سوى في توصيات لجان التحقيق. ويصح في حالات أخرى أن تكتسب انتفاضات الفقراء صفة الاستمرارية التراكمية وتشكل مدخلات ضاغطة على النظام السياسي فقط في حالة وجود فئات واعيّة سياسيًّا بين الطبقات الفقيرة تستطيع توظيف طاقة الاحتجاج الاجتماعي لتعبئة الفقراء على مستوى الهويّة أو على مستوى الوعي الطبقي بهدف تنظيم عمل سياسيّ مثابر[2]. ما عدا ذلك فإن الفقر وغياب التنمية قد يلعب دورًا سلبيا كونه يهمش فئات سكانية واسعة عن الشأن العام وعن التأثير السياسي، ويدفعها إلى الخمول والفراغ الثقافيّ وسهولة التبعيّة للنظام القائم نتيجة الانشغال بتلبية الحاجات القائمة[3].

 

تأسيسًا على ذلك فإن توصيف الثورة السوريّة ضمن الثورات الريفيّة، أو انتفاضة الفلاحين وأحزمة الفقر في مجتمعاتهم المحليّة غير دقيق. إذ لم يكن الفقر والتهميش دافعها الأساسي ولا كان الريف منطلقها بل ساهم التهميش الاقتصادي الاجتماعي في دفع الجماهير للمشاركة في ثورة سياسيّة منذ بدايتها. فالثورة السوريّة توطنت في أطراف مهمشة ومفقرة مقابل مركز قويّ اقتصاديًّا وسياسيًّا ( العاصمة). لكن من فجّرها وأطّرها وأكسبها طابعًا سياسيًّا هي عواصم المحافظات ( مراكز الأطراف) حيث يوجد طبقة وسطى، وفئات مثقفة ذات وعيّ سياسي راغبة في إنتاج التغيير تشبعت بإشعاع ثورتيّ تونس ومصر، فتولت قيادة الحركة الاحتجاجية وتنظيمها قبل أن يلتحق بها الريف السوري والهوامش الطرفيّة للمراكز المدينية التي تشكل أحزمة الفقر. لقد كان جمهورها الأساسيّ من الفئات المتضررة اقتصاديًّا من سياسات النظام النيوليبرالية في مرحلة حكم الرئيس الحالي ولكنها لم تكن ثورة ريفيّة ولا اقتصرت على الريف. ولم تعيق الفوارق الطبقية والاجتماعيّة تحولها إلى ثورة وطنية عارمة باعتبار أن القضايا المتعلقة بالاستبداد هي ذاتها. وبذلك يكون مسار الثورة السوريّة في بدايتها يشابه الثورة التونسية، وتكون تجربة مدينة درعا التي فجّرت الثورة السورية والتي تعتبر المركز الإداري والاقتصادي لسهل حوران تشابه تجربة سيدي بوزيد في تونس مع اختلاف بسيط يتعلق بهامش العمل النقابي والحزبي، ووجود نشطاء حزبيين وسياسيين كان لهم تجارب سابقًا في اتحادات ونقابات وأحزب سرية ونصف علنيّة بشكل أكبر من مدينة درعّا[4].

 

وعليه، يمكن القول أن الثورة السورية هي ثورة شعبية وطنية قادتها عواصم المحافظات، درعا، حمص، حماة، ادلب، دير الزور، اللاذقية، وأحياء رئيسية في مدينة دمشق، ومدن ريف دمشق، التي يضلل اسمها فهي ليست ريفًا بل مدنًا مهمشة مثل عواصم المحافظات. من ثم انتقلت المبادرة الى الريف حين تحولت الثورة الى حمل السلاح بفعل إصرار النظام ومثابرته على الحل الأمني وعلى إطلاق النار على المظاهرات السلميّة، لكن المدن بقيت حتى بعد الانتقال إلى الكفاح المسلح مشاركة بقوة، وقد قادته  في حالات عينية هي حمص ودير الزور ودوما.

 

 وانطلاقًا من "مدنيّة الثورة" ووجود شريحة شابة عصرية تفاعلت مع الثورات العربيّة ولاسيما الثورة المصرية والتونسية يمكننا تفسير الظاهرة السلمية في الثوة السوريّة التي تميّزها عن الثورات الريفية تلك التي لا تعتبر ثورات احتجاج في شكل تظاهرات وتجمعات مدنية بل غالبًا ما تكون ثورات راديكالية ليس لأنها تحمل الطابع العنفي الذي  يعكس واقع البنى الاجتماعية التقليدية التي تنشأ ضمنه بل لكونها تفتقد إمكانية التأثير على المجال السياسيّ العام من دون ذلك. وإضافة الى ذلك فلا شك أن الثورة السورية قد انتشرت في الأرياف بقوة بعد عواصم المحافظات والمدن والبلدات الصغيرة.

 

في الأشهر الأولى من الثورة استهدفت الحملات الأمنيّة الشّرائح الشبابيّة المثقفة بالاعتقال والقتل، لإبعادها عن الحركة الاحتجاجيّة السلمية ولقطع رأسها السياسي وتسهيل قمعها واحتوائها. وبعد تواصل القمع الأمني والعنف السلطوي ضد التظاهر السلمي والاحتجاج السياسي بدأت التفاعلات الاجتماعيّة تنتج مظاهر عنفيّة بعضها دفاعيّ لشباب في مواجهة نهج الإذلال والإهانة في سلوك القوى الأمنيّة قاد إلى حمل السّلاح وتشكيل كتائب مسلّحة ضمّت المتطوّعين الأهليّين والعسكريّين المنشقيّن، وأناطت بنفسها مهمّة حماية التّظاهرات السلميّة وردّ الاقتحامات العسكريّة.

 

ومع تنامي ظاهرة العسكرة غابت سلطة الدولة عن مساحاتٍ جغرافيّة كبيرة من البلاد، وأدّى ذلك إلى بروز  مظاهر عنفية اجتماعيّة أسهم ضعف المجتمع المدنيّ المواطني، وانحدار آليّات الضّبط الاجتماعيّ في إذكائه على شكل جرائمَ  وأفعال جنائيّة، وبعض الأعمال الطائفية . وقد وجدت  ظواهر عنفيّة  لجماعات جهاديّة يمتد تاريخها إلى ما قبل الثورة وانضمت  لمناصرتها من منطلق عدائها المتأصّل للنّظام والسابق على الثورة، وليس التزامًا بمطالب الثّورة وشعاراتها وأهدافها.

 

 لا  يهدف التّركيز على هذه المظاهر وفحصها، وتفهّم سياقاتها المجتمعيّة إلى تبريرها، وإنّما إلى فصلها عن مسار الثورة الاحتجاجيّ والمسلّح الدفاعيّ، وانتقادها والتنبّه إلى تداعياتها السلبيّة مجتمعيًّا ومخاطرها على الإطار الوطنيّ الجامع للثورة السوريّة. فالخطورة الحقيقيّة هي أن تجد هذه المظاهر الأرضيّة الثقافّية التي يرتكز عليها مسارها العنفيّ، وتغذّيه وتمدّه بكلّ المبرّرات التي يحتاج إليها لاستمرار وجوده. وبنطبق ذلك أيضًا على الجرائم الطائفيّة الكبرى، إذ لا بد من الوقوف عليها وتمحيص أسبابها ودوافعها كونها تكرّرت، مستفيدةً من الحاضنة الشعبيّة المغذّية ثقافيًّا للاتّجاهات التقسيميّة، والتي تعزّز مفهوم الهويّات الفرعيّة على حساب الهويّة الوطنيّة الجامعة.

 

أوّلًا: الأشكال الجنائيّة

 

لقد أسهمت حالة عدم الاستقرار الأمنيّ والمجتمعيّ النّاجمة عن اختلال النظام العامّ وضعف المجتمع المدنيّ في بروز الكثير من الجرائم الجنائيّة في سوريّة على هامش الثورة.  وهي حالة مفهومة في  مراحل الثورات، لا سيما تلك التي تستمر لفترات طويلة وتضعف خلالها سلطة القانون. وقد تجلّت هذه في عمليّات القتل على خلفيّة جنائيّة وشخصيّة بحتة من مدخل الثأر، أو حسم الخلافات في غياب سلطة القانون، والتي تمثّل تُربةً خصبةً لنشاط المجرمين الجنائيّين. إذ وجد هؤلاء في الثورة غطاءً يختبئون وراءه، لتبرير جرائمهم تحت مسمَّى "تأييد النّظام ودعمه"، أو العكس بحقّ الداعمين للثّورة والمؤيّدين لها.

 

وتوثّق المنظّمات المدافعة عن حقوق الإنسان في سوريّة([5])، والتي تعمل من دون ترخيصٍ رسميّ، عشرات الحوادث من هذا النوع دوريًّا، وتنسبها إلى مجهولين بعد معاينتها لمسؤوليّة الأطراف الصّريحة (النّظام، والمعارضة). إضافةً إلى ذلك تنامت ظاهرة الخطف مقابل الفدية النقديّة، حيث وجد فيها بعض المجرمين الجنائيّين موردًا للدّخل. فكان الأغنياء، والتجّار، ورجال الأعمال وعائلاتهم هم الشّريحة التي تستهدفها هذه الفئة، لمبادلتهم بمبالغَ نقديّة يهرع المستهدفون إلى دفعها مباشرةً لإنقاذ المختطَفين من القتل المُهدّد لهم في حال امتناعهم. و تركّزت هذه الظاهرة في المدن الكبرى بشكلٍ عامّ لاسيّما حلب ودمشق، كونها تضمّ غالبيّة الشّريحة البرجوازيّة في سوريّة، وقد وصلت فدية المختطفين إلى مبالغَ ضخمة([6]).

 

لقد تزامن وقوع هذه الجرائم مع مظاهر السّلب والنّهب "التشليح" التي انتشرت على الطرق الرّئيسة، حيث دأب مسلّحون مجهولون على إيقاف السيّارات واحتجازها بهدف الحصول على مبالغَ نقديّة من أصحابها بحجّة دعم الثورة أو الجيش الحرّ. وقد انتشرت أعمال السّطو هذه على طريق دمشق – حلب الدولي، وفي مناطق حمص، وريف حماة، وريف إدلب. الأمر الذي أوجد نفورًا لدى بعض الشّرائح المجتمعيّة من الثورة والمحتجّين، فاصطفّوا إلى جانب النظام وتجاهلوا القمع القائم بمبرّرات الخوف من الفوضى وغياب الأمن. وقد تزايدت معدلات حوادث الخطف مقابل الفديّة، والأفعال الجرائميّة الأخرى في حلب بعد احتدام الصراع ما بين الجيش النظامي وقوات المعارضة المسلحة التي سيطرت على أجزاء في المدينّة. الأمر الذي  دفع  العديد من الكتائب الشعبيّة المسلّحة المنضوية تحت يافطة الجيش السوري الحرّ إلى ملاحقة هؤلاء والعمل استئصالهم، فتقلّصت هذه الأفعال إلى حد ما وبقيت تظهر كحالاتٍ بين الحين والآخر.

 

ومن الجدير بالذكر أنه في حالات معدودة قامت مجموعات معارضة بحوادث الخطف مقابل الفديّة، واستهدفت تجار، ووجهاء عشائر من أجل تمويل عمليّة التسليح مبرِّرة هذا الفعل بوقوفهم إلى جانب النظام ودعمه. وقد حصل ذلك في مدينة مسكنة في ريف حلب[7]، وفي مناطق أخرى من سورية[8].

 

وفي حالات أخرى اختلطت الجرائم الجنائية بالعنف الطائفيّ الذي يمارس في المناطق المختلطة ولاسيما في حمص وريف حماه الغربي، وحيي تشرين، والقابون في دمشق[9]. إذ تكرّرت حالات الإفراج عن بعض المختطفين في المناطق السنية والعلويّة، وذلك بعد دفع مبالغ وفديّة ماليّة للجهات الخاطفة سواء كانت من كتائب المعارضة المسلحة أو مجموعات الشبيحة، أو من سكان المنطقة.

 

كما برزت ظاهرة أخرى في ذات السّياق لكنّها أخفّ وطأةً، ولها مسبّباتها الواقعيّة، والتي يمكن وصفها على سبيل استعارة المصطلح بـ "الصّعلكة". وهم فئة مسلّحة رافقت الثّورة، ونشطت أثناء حصار المدن والعمليّات العسكريّة من قبل القوّات النظاميّة. إذ عمد هؤلاء إلى "السرقة" من الأغنياء وتوزيعها على الفقراء الذين عانوا شظف العيش عندما تعطّلت أعمالهم، وافتقدوا مصدر رزقهم نتيجة الحصار الأمنيّ، وحظر التجوّل، والعمليّات العسكريّة. وانتشر سلوك آخر وهو إجبار الأغنياء تحت التّحذير والتّهديد على التبرّع بمبالغَ ماليّة أو هباتٍ عينيّة للمتضرّرين من العمليّات العسكريّة، وقد شاع هذا الفعل في حمص، وحماة، ودير الزور، وفي درعا إلى حدٍّ ما. وجدير بالذكر أنّ الفئات الميسورة تعرّضت لابتزاز الدولة أيضًا بدفعها لتمويل مليشيات "الشبيحة"، وتعرّضت لابتزاز قوى ثوريّة أو متستّرة بالثورة.

 

ثانيًا: الخطف المسيّس

 

يسمّى كذلك لتمييزه عن الخطف الجنائيّ وعمليّات الاختطاف على خلفيّات طائفيّة وفرعيّة بين مكونات المجتمع السوريّ، ولتمييزه عن العنف السياسيّ المنظم في الكفاح المسلح، على اعتبار أن دوافعه جنائيّة في بعض الأحيان، وطائفيّة في أحيان أخرى. أي أنه عنف غير منظم دينامياته مجتمعية لكنه غالبًا ما يتخذ له شعارًا سياسيًّا بعد حدوثه أو يغلف بأهدافٍ سياسيّة.

 

 ويحصل هذا النّوع من العنف ضدّ رعايا دولٍ أو أحزابٍ تؤيّد النّظام الحاكم وتدعمه اقتصاديًّا ولوجستيًّا، أو تتّخذ موقفًا سلبيًّا مناوئًا للثورة  يصل إلى حدّ مباركة النّظام على نهجه وقمعه الأمنيّ. ويسود المشهد السّوري موقف سلبيّ من إيران، وحزب الله وبعض القوى العراقيّة وهو ناجم عن تأييد هذه القوى للنّظام السياسي ومباركة أعماله ونهجه، ولو ترافق ذلك مع ضريبة شفوية بالحضّ على الإصلاح بموجب فهم السّلطة الحاكمة في سوريّة له لتجميل الموقف المنحاز تماما للنظام ضد الشعب السوري.

 

دفع هذا الموقف بعض الأشخاص والمجموعات للقيام بعمليّات خطفٍ لرعايا هذه الدول والقوى السياسيّة ومحازبيها. وقد اختلط الموقف السياسيّ بالدوافع الطائفيّة والوعي المقلوب الذي ساهمت فيه بعض القنوات الدعويّة السلفيّة. وبالطّبع لا يبرّر الموقف هذه الأفعال كونها تأتي خارج سياق سلوكيات الثوّار المفروضة، وتبتعد عن مضامين الثورة وأهدافها الجامعة، وتحيد بالصّراع والنّضال ضدّ الاستبداد إلى اتّجاهات غير عادلة ولا تتوافق مع مطالب الثورة العادلة، إضافة لكونها منفّرة ، وإقليميًّا ودوليًّا، إذ يرتبط السلوك الثوريّ بصورٍ ذات طابع جرائميّ تحرج المدافعين عنها. ومن أبرز أعمال الخطف المسيسّ ما يلي:

 

·        اختطاف سبعة فنيّين إيرانيّين يعملون في محطّة جندر الكهربائية في شهر كانون الأوّل/ ديسمبر 2011. وقد تبنّت جماعة أطلقت على نفسها "حركة مناهضة المدّ الشيعيّ في سوريا" عمليّة الاختطاف، وربطت هذه الجماعة مصير المختطفين الإيرانيّين بتوقّف إيران وحزب الله عن دعم النظام السوري ومساندته([10]).

 

·        اختطاف 11 حاجًّا من الحجّاج الإيرانيّين في سورية يوم 26 كانون الثاني/ يناير 2012([11])، على يد مجموعة مسلّحة تبيَّن لاحقًا أنّها تابعة للجيش الحرّ. حصلت بعد ذلك وساطة تركيّة أفضت إلى الإفراج عن الفنّيين، والحجّاج الإيرانيّين بتاريخ 7 شباط/ فبراير 2011([12]). الأمر الذي وضع الجيش الحرّ والكتائب المسلّحة في حرجٍ أمام الرّأي العامّ السوريّ بعد إشراف تركيا على الوساطة للإفراج عن الحجّاج الإيرانيّين، وعن مدى النّفوذ والتّغلغل التركي وتأثيره في قيادات الجيش الحرّ وكتائبه.

 

·        اختطاف 11 لبنانيًّا شيعيًّا في ريف حلب الشمالي أثناء عودتهم برًّا من زيارات العتبات الدينيّة في إيران عبر تركيا بتاريخ 22 أيار/ مايو 2012. وقد نفى الجيش الحرّ مسؤوليّته عن عمليّة الاختطاف، كما اتّهمت المعارضة النظام بهذه العمليّة مباشرة. وهو من نوع الاتّهامات الفوريّة المُعدّة سلفًا، والتي تؤثّر في صدقيّة من يدلي بها. إلا أنّ جماعةً أطلقت على نفسها اسم "ثوّار سوريا- ريف حلب" تبنّت عمليّة الاختطاف في 31 أيار/ مايو 2012، وأعلنت الاستمرار في احتجازهم بعد فشل وساطة تركيّة لإطلاق سراحهم. وطالبت المجموعة بداية بفدية مالية، وثم اشترطت لاحقًا  اعتذار الأمين العامّ لحزب الله حسن نصر الله عن مواقفه الدّاعمة للنّظام في سوريّة، وإطلاق سراح المقدّم المنشقّ حسين هرموش الذي اعتقلته السّلطات السوريّة بعمليّة استخباراتيّة في الأراضي التركيّة([13]). وقد أثار اختطاف الحجّاج اللبنانيّين انتقادات واسعة حتّى ضمن الوسط الشعبيّ والسياسيّ المؤيّد للثّورة.

 

·        اختطاف 48 إيرانيًّا في حافلة كانت متّجهة من منطقة السيّدة زينب إلى مطار دمشق الدولي بتاريخ 5 آب/ أغسطس 2012 على يد جماعة أطلقت على نفسها اسم كتيبة البراء التابعة للجيش السوريّ الحرّ، وادّعت هذه الجماعة انتماء المخطوفين للحرس الثّوري الإيراني الذين يقاتلون إلى جانب القوّات النظاميّة([14]) استنادًا إلى وثائقَ عسكريّة وجدت لدى أحد المخطوفين، وقد أكّدت الخارجيّة الإيرانيّة وجود "متقاعدين" من الحرس الثوريّ ضمن المخطوفين طالبةً وساطة تركيّة وقطريّة للإفراج عنهم. وقد تعقدت قضية الإفراج عن المخطوفين الإيرانيين بعد تصريح قائد الحرس الثوريّ الإيراني محمد علي جفعري 16 أيلول/ سبتمبر 2012 الذي أقر بوجود عناصر للحرس الثوري الإيراني في سوريّة يعملون " كمستشارين" لمساعدة النظام السوري للخروج من أزمته، حيث هدد عبد الناصر شمير بتغييب المعلومات عن المختطفين الإيرانيين ما لم يستجب النظام السوري بالإفراج عن المعتقلين السوريين[15]. وبغض النظر عن تصريح جعفريّ إلا أن الكتيبة لم تقدم دلائل مادية، وواضحة تدلل على تبعية المختطفين للحرس الثوريّ باستثناء وثيقة رسيمة لضابط سابق ومتقاعد من الحرس الثوري ضمنهم.

 

·        اختطاف مواطن لبنانيّ من الطائفة الشيعية يدعى حسان المقداد في دمشق13 أب/ أغسطس 2011 من قبل كتيبة ادعت أنها تابعة للجيش السوري الحر[16]، متذرعة بأنه من قيادات حزب الله الموجودة في دمشق لمساعدة النظام السوريّ. وقد نفت القيادة المشتركة للجيس السوريّ الحر في الداخل تبعية هذه الكتيبة لها[17]، ووجهت التهمة بشكل ضمنيّ للنظام السوريّ ضمن النسق الديموغوجي السابق. لقد فتحت هذه العمليّة الباب لأفعال مضادة مماثلة عندما قامت ميشيليات عشيرة آل المقداد في لبنان باختطاف 20 من العمال السوريين في لبنان، ووجهت لهم اتهامات بانتسابهم إلى الجيش الحر، وربطت بين الإفراج عنهم وتحرير المختطف حسان المقداد، وذلك قبيل تحرير بعضهم في عملية نفذها الجيش اللبناني في الضاحية الجنوبية.  

 

لم يقتصر هذا النمط على رعايا غير سوريّين، وإنّما شمل مواطنين سوريّين أيضًا يعملون في قطاعات الدولة الاقتصاديّة، كما حصل مع عمّال شركة "نفط الفرات" في دير الزور 25 أيار/ مايو 2012 حيث اختطفت مجموعة مسلّحة 39 منهم أثناء عودتهم إلى حمص([18]). وقد تمثّلت مطالب الخاطفين في الفدية بدايةً، ثمّ رفضوا مبدأ "الفدية" وقدّموا مطالبَ سياسيّة أبرزها الإفراج عن المعتقلين في المدينة، وانسحاب الجيش منها. وقد توسّطت الفعاليات الأهليّة ووجهاء العشائر من أجل الإفراج عنهم، كما دخلت بعثة المراقبين الدوليّين على خطّ الوساطة، وقد أسهمت وساطة الوجهاء في إطلاق سراح 26 منهم([19])، فيما احتفظت الجماعة حتّى الآن بـ 13 آخرين لأسباب يرجّح أنّها مذهبيّة على خلفيّة انتماء معظم المحتجزين المتبقّين إلى الطّائفة المرشديّة.

 

ثالثًا: العنف الحركيّ (الجهاديّ)

 

 يعد هذا العنف سابقًا للثورة السورية، لكنه لم يؤد الى ثورة شعبية في الماضي, ولا ميّز الثورة السورية. فمنذ بدايتها تميزت الثورة السورية كثورة شعبية مدنية وبمطالبها الديمقراطية عن هذا النوع من العنف المسلح الدينيّ واختلفت عنه تمامًا. وقد أُقحم عنوةً في صيرورتها، إذ يمكن معاينته مع بدء التفجيرات الانتحاريّة والمفخّخة في نهاية كانون الأوّل/ ديسمبر عام 2011، والتي تكرّرت بشكلٍ متقطّع منذ ذلك الحين.

 

لقد انطلقت الثورة السوريّة من أجل الكرامة والحريّة، وتبنّت منذ الأيّام الأولى لانطلاقتها شعارات وطنيّة جامعة، وحدّدت نظام الاستبداد خصمًا نتيجة ممارساته الديكتاتوريّة والإحكام على الحياة السياسيّة، وحصر الثروة القوميّة ضمن فئة قليلة من المجتمع السوري، وليس على خلفيّته الأيديولوجيّة أو سياساته الخارجيّة.

 

وشكلت هذه  المحدّدات السّابقة الدّافع الرئيس لاتّساع الحركة الاحتجاجيّة وانخراط فئات أوسع من الشّرائح المجتمعيّة في الثورة. وقد نشطت على هامش الحركة الاحتجاجيّة تيّارات دينيّة متشدّدة نشأت قبل الثورة لها مرتكزاتها الأيديولوجيّة وعقيدتها الفكريّة. وقد تقاطعت هذه التيّارات مع الثورة في عدائها للنّظام السياسيّ في سوريّة فقط، لكنّها اختلفت في الأهداف (إقامة الدولة الإسلاميّة) والمنهج. ودعت هذه التيّارات في وقت مبكر إلى حمل السّلاح في سورية، بذريعة أنّ "التظاهرات السلميّة ليست قادرة على إسقاط النظام". ومثّلت "جبهة النّصرة لأهل الشّام" الواجهة الإعلاميّة الأبرز للحركات الجهاديّة في سوريّة وفق نموذج القاعدة ([20])، إذ تبنّت معظم التفجيرات التي حصلت في دمشق، وحلب ودير الزور.

 

كما تبنّت جبهة النصرة في بيان لها بتاريخ 4 حزيران/ يونيو 2012 إعدام 13 عنصرًا من قوّات الأمن السّوري في دير الزور، وجاء في بيانها "مكّن الله أسود الشرقيّة في دير الزور الثلاثاء من رقاب شرذمة من كلاب الأجهزة الأمنيّة والشبيحة فاستجوبوهم وأخذوا من فمهم وبألسنتهم وصفًا لجرائمهم وتعدادًا لخزاياهم وكان الجزاء العادل فيهم القصاص"([21]). مثّلت هذه الحادثة أبشع صور العنف المضادّ، والذي حمل في طيّاته صورًا من التّنكيل والإذلال والبشاعة لا تختلف عن العنف الممنهج الممارس ضدّ المحتجّين. بعد ذلك نشأت العديد من الفصائل والكتائب الجهاديّة التي تتماثل من حيث الهدف والتوجه مع جماعة النصرة، وقد انضوى قسمٌ منها في  كتائب الجيش الحر وتشكيلاته مع احتفاظها بهيكلها ومسمياتها، ومرجعيتها السياسيّة والعقيدية، الأمر الذي  فتح الباب لحوادث انتقاميّة مماثلة قامت بها هذه الكتائب في سورية لا مدينة حلب مثل حادثة  إعدام شبيحة " آل بري" 1 أب/ أغسطس 2012، والتي عزّزت مخاوف السوريين – بغض النظر عن الجرائم المرتكبة من قبل هذه العشيرة- من فوضى السلاح والمجموعات التي تتحكم به، وطربقة استخدامه بشكل يتناقض مع سلوكيات مفترضة للثوار تقطع مع طرائق النظام وممارساته القمعيّة[22]. وقد تكرّر هذا النمط أيضًا في حادثة اقتحام ثكنة هنانو إذ تم إعدام 20 جنديًّا نظاميًّا بعد أسرهم 10 أيلول/ سبتمبر [23]2012.

 

لقد غدا العنف الحركي (الجهاديّ) وفق نموذج "جبهة النّصرة" أو المجموعات المتقاطعة معها فكريًّا أحد المخاطر التي تهدّد الثورة بحراكها السلميّ أو المسلّح، وخاصة العنف المعبَّر عنه بالسيارات المفخخة، والتفجيرات الانتحارية كون نتائجه المعنويّة رمزيّة بالنّسبة إلى الأهداف السطحيّة لمنتسبي هذه التيّارات، وتتجلّى بالقدرة على استهداف المقرّات الأمنيّة أو مرتكزات قوّته الرّئيسة، بيد أنّ نتائجه الماديّة كانت مقتل العشرات من المدنيّين لمجرد أنّهم وجدوا مصادفة في أماكن التّفجيرات. ما أدّى إلى انتشار حالة من الذّعر الاجتماعيّ والخوف النّفسي، والذي يلاحق المواطن في تفاصيل حياته اليوميّة في المواصلات العامّة أو التجمّعات البشريّة، وحتّى أثناء مراجعته الدّوائر الحكوميّة، ويذكّره بكابوس المشاهد العراقيّة التي أثّرت كثيرًا في المزاج السّياسي السّوري في حينه ودفعته لنشدان الاستقرار على الرغم من الفساد والاستبداد.

 

لا يغيّر التّشكيك المعقلن في وجود بعض المجموعات أو اصطناعها أو اختراقها من قبل النّظام حقيقة وجود التنظيمات الحركيّة (الجهاديّة) والتي يعمل بعضها وفق نمط القاعدة (التّفجيرات الانتحاريّة، والاغتيال)، ويعمل بعضها الآخر وفق نمط الكتائب المسلّحة الشعبيّة والأهليّة المنضوية تحت مسمّى الجيش الحرّ. لذلك فإنّ الوعي الثوريّ يحتّم النقد الذاتي والابتعاد عن إلصاق تهمة أي عنف جزافًا بالنّظام الحاكم. وضمن هذا السّياق نذكر أبرز الكتائب ذات الصبغة الجهاديّة في سوريّة، وهي:

 

1)     كتائب أحرار الشّام: وهي إحدى الفصائل العسكريّة التي نشأت إبان الثورة السوريّة، والتي رفعت راية الجهاد في سوريّة ضدّ نظام "الكفر والطّاغوت". وتتبع " أحرار الشام" بحسب بيانها المعلن "نهج أهل السنّة والجماعة من الرّعيل الأوّل وسلف الأمّة الصّالح"([24]). وأكّدت كتائب أحرار الشام في بيانات مكرّرة أنّها تقاتل إلى جانب الجيش الحرّ، ولكنّها لا تنتمي له، وأنّها كتائب مستقلّة لا تتبع لأيّ تنظيم آخر من التنظيمات العاملة داخل سورية وخارجها. وتتوزّع الكتائب على مختلف أنحاء سورية، لكن انتشارها الأوسع في محافظة إدلب حيث برزت كقوّة في مواجهة الجيش النظاميّ في عدّة مواقع، كجبل الزاوية وسراقب، وأريحا وكذلك بنش وغيرها من قرى إدلب. وتعتمد في عمليّاتها وتسليحها على الغنائم التي تكسبها من اقتحام الحواجز واستهداف الأرتال المارّة بمحافظة إدلب أو على الطريق حلب- دمشق الدولي. في حين يقول بعض نشطائها أنها تعتمد في تمويلها على التبرّعات الماليّة الشخصية من دول الخليج العربيّ، خاصّةً من متبرّعين  في الكويت([25]). وتشتمل " أحرار الشام" على عددٍ كبير من الكتائب والسّرايا من أنشطها كتيبة عباد الرحمن في أريحا، وكتيبة سارية الجبل في جبل الزاوية، وكتيبة صلاح الدّين في ريف حماة، وكتيبة الشيماء في معردبسة، وكتيبة التوحيد والإيمان في معرّة النعمان، وكتيبة جنود الحقّ وقوافل الشّهداء في خان شيخون، وكتيبة الفرقان في سراقب.

 

2)     لواء صقور الشّام: يرأسه أحمد الشيخ المكنّى بأبي عيسى وهو شيخ سلفيّ من جبل الزاوية. ويتشابه لواء صقور الشّام من ناحية البنية والاتّجاه الفكريّ مع كتائب أحرار الشّام، وينشط أيضًا في المناطق نفسها في محافظة إدلب وجبل الزاوية. وتشير التقديرات المبنيّة على شهادات أهالي هذه المناطق أنّ اللّواء ينقسم إلى 12 كتيبة ويبلغ تعداده =أكثر  3000 مقاتل جلّهم من مناطق الريف الإدلبي، وريف حماة الشماليّ ويضمّ أيضًا متطوّعين عربًا، وقد شارك اللواء في عدّة معاركَ ضدّ الجيش النظاميّ أبرزها معركة خان السبل في 10 تموز/ يوليو 2011 إذ تمّ استهداف رتل من الدبّابات قادم من معرّة النعمان، وتمكّن عناصر اللواء من إسقاط عدة مروحيّات للجيش النظامي في قرى معردبسة([26])  وأبو الضهور وسراقب في محافظة ادلب. ويتلقّى لواء صقور الشّام تمويله من جهاتٍ خليجيّة دعويّة وسياسيّة في الكويت، والسعوديّة، والبحرين([27]).

 

3)     تنظيمات جهاديّة أخرى: ونقصد بها المجموعات التي تنتمي فكريًّا وتنظيميًّا إلى القاعدة. وقد نشطت في لبنان والعراق قبيل اندلاع الثورة السوريّة، وانتقل بعض مقاتليها إلى سوريّة بعد انطلاق الثورة السوريّة، ومن أبرز هذه المجموعات (جند الشّام، وغرباء الشّام)، لكنّ تأثيرها وعددها محدود جدًّا، مقارنة بتنظيمات جهاديّة أخرى، وقد تمكّنت بعض المجموعات الجهاديّة من السّيطرة على معبر باب الهوى على الحدود السوريّة التركيّة قبل أن يستلمه الجيش الحر([28]).

 

لقد وفرت حدة الصراع المسلح في سوريّة مناخًا ملائمًا لنمو ظاهرة الحركات الجهاديّة في سورية فنشأت الكثير من الفرق والكتائب المسلحة التي لا يتّسع المجال لذكرها جميعًا. وضمت مقاتلين سوريين وعرب، وأسندت بدعم وتمويل خارجيّ تحت عناوين عقائدية تختلف بشكل جذريّ عن مضامين الحريّة والديمقراطيّة، والدول المدنية التعدديّة التي رفعها المحتجون السوريون منذ بدايّة ثورتهم، وقد توحد بعضها ومنهم تجمع أنصار الرسول في دمشق وريفها، وكتائب الفاروق في حمص، ولواء عمرو بن العاص، ولواء صقور الكرد في سورية، ومجلس ثوار دير الزور، ولواء صقور الشام الذي ذكرناه سابقًا في جبهة أطلقت على نفسها " جبهة تحرير سوريّة"[29] التي تعهدت بالقتال حتى إسقاط النظام السوري وأركانه معتبرة أن مرجعية هذه الجبهة هي " أحكام الشريعة الإسلاميّة"[30].

 

ومن الجدير بالذكر أن كتائب الفاروق التي انضمت إلى جبهة تحرير سوريّا تختلف عن الكتائب الجهاديّة السابقة في ظروف نشأتها وسياقات تبلورها، فقد تماهت ظروف نشأتها مع بروز الظاهرة المسلحة في الثورة السوريّة منتصف عام 2011، إذ لم يكن لها عنوان عقائدي أو أيديولوجي معين، بل عكست حالة التدين الشعبي في مدينة حمص التي يمكن تلمّسها من منتسبيها الذين هم بغالبيّتهم شباب سوريين انخرطوا في الحراك الاحتجاجي السلميّ وتحوّلوا إلى الكفاح المسلح نتيجة عنف النظام الممارس ضدهم، إضافة إلى ضباط وجنود منشقين عن الجيش السوريّ ومن أبرزهم قائدها العسكريّ الملازم عبد الرزاق طلاس وغيره من الضباط المنشقين.

 

لقد كانت كتائب الفاروق العنوان السياسيّ الوحيد للعسكرة في مدينة حمص الذي يحظى بحاضنة ودعم شعبيّ، خاصة في أحياء حمص القديمة ( الخالدية، والبياضة)، والأحياء الطرفيّة كحي بابا عمرو الذي كان مركزًا لقيادتها حتى نهاية شهر شباط/ فبراير 2012 بعد سيطرة الجيش النظامي عليه. وكنتيجة لشهرة الكتائب وتنامي قوتها بدأت مجموعات سلفيّة بالانضمام إليها فجلبت معها الدعم والتمويل من الجهات والقوى السلفية في الخليج العربي لاسيما السعوديّة، والكويت[31] . وكنتيجة لتأثير المال السياسي شهدت كتائب الفاروق تغيرًا فكريًّا جذريًّا إذ بدأت تنحو خط التنظيمات السلفية الجهاديّة، معلنة صراحًة أن مرجعيتها هي أحكام الشرعيّة الإسلاميّة فقط. وقد شكّلت لجان وهيئات سياسيّة تحت هذه المرجعية وأسست محاكم شرعيّة لإنتاج فتاويٍ تنظم عمل مقاتليها. وقد حاولت بعض قيادات الفصائل المسلحة المنضويّة تحت قيادة كتائب الفاروق ترجمة توجهاتها الفكريّة الجديدة عندما عمدت إلى تشكيل نواة لحكم إسلاميّ في منطقة القصير المختلطة طائفيًّا، ما أدى إلى اضطرابات أهلية نجم عنها دعوات عبر مأذن المساجد طالبت مسيحيي المدينة بالخروج منها، ما خلق موجة نزوح مسيحيّة من المدينة قبيل تدخل الأب باولو دالوليو الذي قام  لوساطة خففت التوتر الطائفيّ في المدينة[32]. لقد فرض النهج الجهاديّ على الكتائب أن تمايز نفسها عن بقيّة المجالس والكتائب المقاتلة في حمص لاسيما المجالس العسكريّة في المدينة وريفها، ولم تنجح جميع المحاولات التي رعتها شخصيات دينية ووجهاء في المدينة في توحيد هذه القوى أو التنسيق في عملها، خاصة بعد نشوء مواجهات بينها على خلفيّة إمدادات السلاح[33]، وفضلت الكتائب أن تنسق مع عناوين جهادية مثل " صقور الشام" و" أحفاد الرسول" التي تتموضع في مناطق جغرافية بعيدة عن مدينة حمص مركز كتائب الفاروق.

 

إذا يمكن القول بأن الثورة السوريّة  نزعت الشرعيّة الأخلاقيّة والسياسيّة عن النّظام وأركانه. ولا يؤثّر انتقاد نمط التّفجيرات والاغتيالات، والإعدامات الميدانية بناء على فتاوى شرعيّة التي تقوم بها بعض الحركات الجهاديّة، ومعاداتها جهارًا من قبل المحتجّين، والهيئات الثوريّة التنظيميّة والمعارضة السياسيّة، في رصيد الثورة الأخلاقيّ. لكن تجاهلها والتستّر عليها إعلاميًّا ساهم ولا يزال يساهم في زيادة الشّرخ الاجتماعيّ، واستمرار نفور قطاعات مجتمعيّة متضررة من النظام ويفترض بالثورة أن تبلور برنامجًا ديمقراطيًّا حقيقيًّا لضمان انخراطها. إنّ بروز هذا النوع من العنف غير المقبول في الثورة السوريّة من شأنه أن يبعثر أوراقها، ويشوّه صورتها أمام الرأي العامّ، ويضاعف أيضًا العراقيل التي تحول دون الوصول إلى التّغيير المنشود بعد أكثر من سنة ونصف مضت على اندلاع الثورة السورية، وهي ثورة شعبية مدنية واسعة المشاركة وتطالب  بالحرّية، والكرامة، والديمقراطيّة. والجدير بالذّكر أنّ العنف ذو الطابع الجهاديّ يخدم النّظام بالدّرجة الأولى. فالعزف على وتر المجموعات "الإرهابيّة المتطرّفة" التي تهدّد أمن سورية واستقرارها، والتي حكمت أدبيّاته الإعلاميّة وتصريحات أركانه كفزّاعة لاحتواء الثّورة وتبرير الممارسات الأمنيّة يمكن أن تجد في هذا النّمط الدلائل اللازمة من أجل تشويه صورة الثورة في سورية، والتّسويق إعلاميًّا أنّ أطرافًا خارجيّة تعمل على زعزعة الأمن والاستقرار تقف وراء هذه التحرّكات. كما استفاد النّظام من واقع التّفجيرات بشكلٍ عمليّ، إذ أعقب مرحلة التّفجيرات الانتحارية في دمشق وحلب إقرار قانون "مكافحة الإرهاب" في 2 تمّوز/ يوليو 2011([34])، والذي انطوى على تعريفات فضفاضة، وتفسيرات قانونيّة مبهمة مرفقة بعقوبات قاسية لا تميّز بين الفعل الإرهابي والعمل المعارض. وهو ما يمكن اعتباره غطاءً قانونيًّا لاستهداف نشطاء الثورة والتّضييق على داعميها ومؤيّديها بذريعة مكافحة الإرهاب.

 

رابعًا: الفعل وردّ الفعل الطوائفيّ (المجازر الكبرى)

 

يُعدّ المجتمع السوريّ مركّب الهويّة دينيًّا، وطائفيًّا، وإثنيًّا، ولا تزال الهويّات الفرعيّة ذات تأثير فاعلٍ في محدّدات الانتماء نتيجة هشاشة الهويّة الوطنيّة، وفشل الدولة الوطنيّة في إنضاج انتماء يُغلّب الهويّة الوطنيّة على الانتماءات الفرعيّة. وعلى الرّغم من تبنّي النظام الأيديولوجيّة القوميّة شعارًا، لكنّه عزّز الانتماءات الفرعيّة مجتمعيًّا، ليس انحيازًا أيديولوجيا لإحداها بل لتسهيل السّيطرة وإدارة الحكم، والنتيجة طائفية في الممارسة، لا سيما في المجال الأمني وهو عماد النظام الاساسي، والعنصر المهيمن في علاقته مع المجتمع. من هنا لا يمكن اعتبار النظام في سوريّة طائفيًّا لناحية بنيته الدستورية أو السياسية أو الأيديولوجية على الرغم من أنّ الوشائج الفرعيّة (القرابيّة الممتدّة، والعشائريّة، والمناطقيّة) قامت بدورٍ مهمّ في التّعيينات في سلك الدولة والمؤسّسات ولاسيّما في الجيش والأمن. إنّ التوصيف الأدقّ للنّظام السياسيّ في سورية هو: نظام نخبة (طغمة) ديكتاتوريّة متقاطعة الأهداف والمصالح ومن مختلف الطّوائف، تمتلك خبرة واسعة في إدارة التنوّع الهويّاتيّ بشكل يعزّز أدوات السّيطرة والتحكّم في المجتمع، ويستند إلى الولاء الشخصي والإقليمي (الذي تحول الى طائفي) في أجهزته الأمنية. وهذا التّوصيف يفسّر اصطفاف البرجوازيّة الدمشقيّة والحلبيّة إلى جانبه لعقود طويلة امتدت الى داخل الثورة باعتباره ضامنًا مجرّبًا لمصالحها الذاتيّة بثمن الولاء السياسي والخدمات المتبادلة في مجال الاستثمار والفساد

 

لقد واجه النّظام الإرهاصات الأولى للاحتجاجات بخطاب "الفتنة الطائفيّة" التي تستهدف العيش المشترك والمؤامرة التي ترعاها أطراف خارجيّة، على الرّغم من أنّ المطالب انحصرت بداية في شعارات الحريّة والكرامة. وقد راهن المحتجّون في الأشهر الأولى على نهجٍ إصلاحيّ يقوده النّظام تدريجيًّا قبيل رفع مطلب "إسقاط النّظام". واستنادًا إلى هذا الفهم لم يقدّم النظام لمعالجة الأزمة، حلولًا خارج الحلّ الأمنيّ القمعيّ، لينتقل إلى الحلّ العسكريّ بعد تجذّر الانتفاضة في درعا واتّساع رقعتها في مدن سوريّة أخرى.

 

حرص المحتجّون على الحراك السّلمي والشّعارات الوطنيّة، والابتعاد عن أيّ هتافات طائفيّة فرعيّة من شأنها أن تنزع البعد الجامع عن حراكهم. ولم يمنع ذلك من ظهور بعضها، ولكن بشكلٍ محدود في بعض أحياء حمص، ودرعا. وقد أسهم التّجييش الإعلاميّ الرسميّ لخطاب الفتنة الطائفيّة في إنتاج انقسام واستقطابٍ انحصرا في البعد السياسيّ بداية، بين مؤيّدٍ ومعارضٍ للسّلطة. ثمّ تحوّل طائفيًّا ليعكس بدرجات متفاوتة تركيبة المجتمع السّوري، والانقسام داخله.

 

 إنّ الانقسام في المجتمعات ذات الهويّات المتعدّدة وغير المكتملة المواطنة والهوية الوطنية هو ظاهرة "طبيعيّة" في الأزمات الوطنيّة الكبرى، وبالإمكان فهمه سوسيولوجيًّا، لكنّه لا يفسّر الصّراع المستمرّ في سوريّة ضدّ الاستبداد والديكتاتوريّة بغالبيّة مسبّباته.

 

 مع زيادة القمع الأمنيّ بدأ الاستقطاب الطّائفي يتجذّر بشكلٍ أكبرَ. وقد أسهم استخدام الشبيحة في زيادة هذا الاستقطاب عندما نهجوا مسلكًا حمل دلالات طائفيّة تتعدّى طابع القمع الأمنيّ، خاصّةً أثناء اقتحام الجامع العمري في درعا، في 23 آذار/ مارس 2011. كما تبنّت فئات وشخصيّات في المعارضة السوريّة خطابًا طائفيًّا تحريضيًّا منذ البداية، وظلّت هذه الظاهرة محدودة، ولكن المشكلة تكمن في أنّها لم تجد ردًّا حازًما ومباشرًا من قبل قوى المعارضة التي اكتفت بموقفٍ عامّ ضدّ الطائفيّة من دون إدانة مظاهرها العينيّة.

 

كما ساهم في ذلك أيضا موقفا إيران وحزب الله الذي يهاجم المظاهرات والمتظاهرين كجزء من مؤامرة أميركية صهيونية منذ البداية وقبل تطور العمل المسلح. فالمشكلة التي لم يجر التطرّق إليها كثيرًا هي أنّ دور الدّول لم يلجم هذه الظّاهرة بل صعّدها، إذ تحوّلت الثورة السوريّة إلى حلبة تفاعل سياسيّة بين دولٍ تستخدم الانتماء الطّائفي. فإيران التي وقفت شكليًّا على الأقلّ مع الثورات عارضت الثورة السوريّة فيما بدا للجمهور على أنّه موقف طائفيّ، مع أنه كان في الواقع يستخدم الطائفية للهيمنة وتوسيع النفوذ الإيراني في المشرق العربي. والمملكة العربيّة السعوديّة التي اتّخذت موقفًا واضحًا ضدّ كلّ الثورات، وقفت في مرحلة متأخرة مع الثورة السوريّة  لأسبابٍ لا تمتّ للديمقراطيّة بصلة، لتنطلق منها قنوات تلفزيونية تستخدم الطائفيّة جهارًا نهارًا في التّعبئة ضدّ النّظام السوريّ. وقد ظهرت على هذه القنوات شعارات طائفيّة تحريضيّة مبتذلة لا تمتّ لواقع الثورة السوريّة بصلة ولا علاقة لها بدوافع شباب دمشق أمام وزارة الداخلية والسفارة الليلبية ولا بدوافع أهالي درعا الذين خرجوا دفاعا عن أبنائهم، مثل "الدّم السنّيّ واحد"، " النّظام المجوسيّ"، " الشبّيحة النُصيريّين".. إلخ.

 

بدأ مصطلح "الشبيحة" يظهر في التّداول الإعلاميّ والسياسيّ المرافق للثّورة، وقد حمل مغالطات كبيرة نتيجة قلّة المعرفة والخبرة في المجتمع السوريّ. إذ يعود ظهور مصطلح "الشبيحة" إلى ثمانينيّات القرن الماضي وتسعينيّاته، وكان يطلق على "الحمايات الشخصيّة" لإخوة الرّئيس السّابق حافظ الأسد وأقاربه في محافظة اللاذقيّة. وقد ازداد عددهم ونفوذهم بشكلٍ كبير نتيجة سطوة العائلة لاسيّما في تلك المدينة، فامتهن بعضهم التّهريب، وأوجد عصابات تتولّى هذه العمليّات كي تؤمّن دخول البضائع المهرّبة إلى سوريّة سواء عن طريق لبنان أو عن طريق البحر المتوسّط. بعدها اتّسعت الدائرة عندما قلّد الضبّاط الكبار، والمسؤولون، ورجال الأعمال الذين ينتمون إلى الساحل السوريّ سلوك أقرباء الأسد. وأصبح لكلٍّ منهم "حماياته الشخصيّة"، ورجاله الذين امتهنوا التّهريب تحت غطاء سلطتهم كمدخل للاكتناز وجمع المال. وقد اصطدم هؤلاء مرّاتٍ عديدة مع الدولة، وقوّات الجيش. وكان أشهر المواجهات تلك التي حصلت في منطقة بيت ياشوط في الطريق الجبلي الواصل بين حماة واللاذقيّة، حيث سيطروا عليه وأنشأوا الحواجز وقاموا بأعمال التّشليح للسيّارات التي تعبره، فتدخّلت وحدات من الحرس الجمهوريّ وعمدت إلى مواجهتهم. وبعدها اقتصر حضورهم على مناطقَ معيّنة في ريف جبلة، والقرداحة مسقط رأس عائلة الأسد.

 

 ومع انطلاق الاحتجاجات تمّت الاستعانة بهم أثناء اقتحام مدينة درعا، وإخماد التّظاهرات في اللاذقيّة. وقد نهجوا سلوكًا قمعيًّا إذلاليًّا في اللاذقية وبانياس، ولعلّ حادثة قرية البيضا الشهيرة لا تزال حاضرةً بصورها المذلّة ضمن الوجدان الجمعي للثورة السوريّة. لقد تحوّل الشبيحة إلى فرق موت فاشية بكل معنى الكلمة لا تتورع عن ارتكاب فظائع وأعمال سادية.

 

رأى المحتجّون في استحضار الشبيحة سلوكًا طائفيًّا، على خلفيّة انتمائهم إلى الطائفة العلويّة فبدأت اتّهامات ومواقف تظهر وتجمل سلوكهم بموقف الطّائفة جمعاء. وهذا غير صحيحٍ تاريخيًّا ومُجافٍ للواقع، وذلك لعدّة أسباب أبرزها وجود الكثير من المناضلين الديمقراطيّين من أبناء الطائفة العلويّة الذين دفعوا سنوات من حياتهم في سجون الاستبداد نتيجة مواقفهم السياسيّة ومطالبهم الديمقراطيّة. كما أنّ "الشبّيحة" مصطلح واسع جدًّا حصره الإعلام العربي، وبعض القنوات الدعائيّة بالانتماء إلى طائفة بعينها، مع أنّ المشاركين في القمع لا يقتصرون على الفئة المذكورة سابقًا، بل هو جهاز تشرف عليه أجهزة الأمن يضمّ رجالا مأجورين، ومجرمين جنائيّين، وحزبيّين من مختلف الطّوائف والأديان. فعلى سبيل المثال تولّى رجال العشائر الموالية للسّلطة قمع التّظاهرات في مدينة حلب وريفها، وفي دير الزّور، والرقّة. وفي المناطق الكرديّة (عفرين، عين العرب، الحسكة، القامشلي) تولّى محازبو حزب الاتحاد الديمقراطي قمع التّظاهرات الكرديّة بعد أن اصطفّ إلى جانب النّظام لأسباب أيديولوجيّة قوميّة تتعلّق بالموقف التركي المناوئ للنظام. وفي درعا ودمشق يشارك حزبيّون تابعون لحزب البعث  في قمع التّظاهرات، وقد شجّع النظام على إقامة اللّجان الشعبيّة من الحزبيّين وقام بتسليحهم في كثير من الأحياء لقمع الاحتجاجات فيها. وفي السويداء قام سكان من السويداء بقمع محاولات تنظيم تظاهرات.

 

 لم يقتصر الشبيحة على السوريّين فحسب، بل شارك فلسطينيّون ينتسبون إلى الجبهة الشعبيّة – القيادة العامّة- في قمع ّتظاهرات الفلسطينيين المشاركين في الثورة، وخاصّةً التّظاهرات التضامنيّة للفلسطينيّين مع الشّعب السوري في المخيّمات، ولاسيّما مخيّم عدرا واليرموك. وقد أنتج هذا القمع اشتباكات عدة. ولهجوم سكان مخيم اليرموك على مقر الجبهة الشعبية القيادة العامة بعد سماح النّظام لشبابٍ فلسطينيّين بالتدفّق عبر الحدود إلى الجولان السّوري في ذكرى نكسة حزيران عام 2011 دلالاته هامة جدا. وكان ذلك ردا على استخدام قضية فلسطين بشكل مكشوف في خدمة النظام.  لقد أدت محاولة توجيه الأنظار عن القمع المتّبع ضدّ الاحتجاجات  إلى مقتل الشباب الفلسطينيين خلال توظيفهم  لتحقيق غايات إعلاميّة وسياسيّة رخيصة. انطلاقًا من ذلك يمكن القول إنّ معايير تجنيد الشبّيحة لأغراض القمع لا تنحصر في الخلفيّة الطائفيّة، وإنّما بدرجة الولاء والتأييد للنّظام، والبدل المادّي وتختلف بحسب خصوصيّة كلّ منطقة في سوريّة.

 

إنّ المحدّدات السابقة متجذّرة في الوعي الجمعيّ السوريّ كحقيقة، لكن التّفاعلات المجتمعيّة غالبًا ما كانت تحرّف هذا الفهم باتّجاهات فرعيّة أخرى، خاصّةً في المدن التي تضمّ طوائفَ متعدّدة. فقد أدّى تجنيد الشبيحة من القرى العلويّة في ريف اللاذقيّة إلى استقطاب طوائفي حادّ برز في انقسام المدينة إلى سوقين مختلفين. لكن الفعاليّات الأهليّة وآليّات الضّبط الاجتماعي المتمثّلة في رجال الدّين الوسطيّين ووجهاء المدينة، استطاعت تخفيفَ حالة الاحتقان في اللاذقيّة واحتواءَها بشكلٍ منَع حدوث أيّ مواجهة طائفيّة في المدينة منذ نيسان/ أبريل 2011. ويبدو أنّ هذا الاستعداد للانقسام الطّائفي على المستوى الشّعبي وتوفّر العدّة الثقافية اللازمة لذلك في الوعي اليوميّ هو أخطر الظّواهر المجتمعيّة، وأكثرها تهديدًا للثورة ولمستقبل الديمقراطيّة في سورية على الإطلاق. ومن الواضح أن النظام نفسه بذل جهدًا لمنع فتنة طائفية في اللاذقية، في حين أنه لم يبذل أي جهد في اي مكان آخر، بل هنالك أدلة على محاولته تصعيد التوتر الطائفي.

 

 في حمص، لم تنجح آليّات الضّبط المجتمعيّ في إزالة الاستقطاب والانقسام بين أحياء المدينة، وأدّت العمليّات العسكريّة المتكرّرة، وتجنيد الشبّان من أحياء الزهرة وعكرمة (ذات الغالبية العلوية)  لقمع التّظاهرات في الخالديّة والبياضة وكرم الزيتون (ذات الغالبية السنية) إلى انقسام حادّ شابه مشهد بيروت إبان الحرب الأهليّة اللبنانيّة. وقد نجم عن ذلك حوادث طائفيّة متبادلة أسّست لمواجهة مسلّحة، وردود فعل ثأرية متبادلة، ولكنعنف  الأحياء والقرى العلويّة كان أعنف بما لا يقاس، وذلك بالاستفادة من الغطاء الذي قدّمه الجيش السّوري بعد قصفه وتدميره أحياء عدّة في حمص. ونتج عن ذلك مجازر طائفيّة توافرت فيها كلّ صور الإذلال والتّنكيل والإهانة، ووصل القتل إلى مستويات من الانحطاط يصعب توقّعها، عندما استخدمت الأدوات الحادّة والسّكاكين في القتل كما حصل في مجزرة كرم الزيتون في 12 آذار/ مارس 2012، ومجزرة حيّ الرفاعي في 21 آذار/ مارس 2012، ومجزرة الحولة في 25 أيار/ مايو 2012 التي قتل فيها أكثر من مئة شخص كانت غالبيّتهم من الأطفال والنّساء بطريقة بدائيّة تذكّر بجرائم الكراهية السابقة. وقد مثّلت هذه المجازر الهجوم الأهليّ الانتقاميّ على خلفيّات طائفيّة بحتة تكرّرت نتيجة تغطية السّلطة على هذه المجازر، وعدم وجود العقاب الرّادع. والحقيقة أن النظام شجع فرق الموت على الاستمرار بالقتل بعد كل مذبحة بعدم تحميله المسؤولية لمن فعلها وبتجاهل الأحداث أو إغلاق الملفات، فقد وصل النظام الى مرحلة الاعتماد الكلي على إرهاب الشعب الى درجة أنه لا يمكنه محاسبة أو إضعاف أدوات هذا الإرهاب، وقد غرز في مستنقع الدم إلى درجة أنه أصبح رهينة لعنفه هو ذاته. وكل ما يفعله من أن علق في دوامة العنف أنه يزيد من شدة القصف والقتل باستمرار.

 

مثّلت مجزرة الحولة نقطة تحوّل في الثورة السوريّة، وانطوت على فرص ومخاطرَ عديدة؛ وتبلورت الفرص من خلال التّصعيد الاحتجاجيّ في مختلف المدن السوريّة ردًّا على المجزرة، والذي تُوّج بإضراب عمّ غالبيّة أسواق دمشق التقليديّة والتاريخيّة، وأشّر إلى تغيّرٍ ملحوظ في مواقف شرائح اجتماعيّة نأت بنفسها عن الثورة منذ انطلاقاتها. كما أسهمت مجزرة الحولة في زيادة الضّغط الدوليّ والإقليميّ على النظام وإحراج الدّول الدّاعمة له على الصّعيد الدولي. وقد نجم عن ذلك إدانة صريحة للنّظام لأوّل مرّة في مجلس الأمن حمّلته مسؤوليّة المجزرة نتيجة قصفه المدينة قبيل دخول الميليشيات الموالية إليها وارتكابها المجزرة.

 

 أمّا من ناحية المخاطر، فقد عزّزت المجزرة الانقسام الطائفيّ الحاصل في المجتمع السوريّ، وتداعياته السلبيّة المحتملة في واقع يسمح باستمرار الاضطرابات الأهليّة، بشكل لا تستطيع آليّات الضبط الاجتماعي الهشّة في عددٍ من المناطق منعها.

 

تجلّت هذه المخاطر بشكلٍ واضح بعد مجزرة معرزاف (حي القبير)، والتي حصلت في 6 حزيران/ يونيو 2012 بالتزامن مع عمليّة عسكريّة واسعة قام بها الجيش النظاميّ في ريف حماة الشماليّ والغربيّ. حيث انطلقت القوّات النظاميّة من النقطة العسكريّة الموجودة في قرية المجدل، وتوجّهت إلى معرزاف فتصدّى لها مسلّحون بالقرب من القرية ما أدّى إلى قيام الجيش النظامي بقصفها من بعيد، فتراجع المسلّحون وتحصّنوا داخل القرية لصدّ محاولة الاقتحام. وقد استغلّ هذا القصف مسلّحون "موالون" من قرية أصيلة المجاورة لقرية معرزاف، وتوجّهوا إلى حيّ زراعي ملاصق للقرية يسمّى حيّ القبير، وتسكنه بعض العائلات البدويّة التي يصل إجماليّ عدد سكّانها إلى نحو 250 شخصًا موزّعين على عشرين منزلًا، وقاموا بمجزرة مروّعةٍ قُتل فيها نحو 88 شخصًا بينهم 22 طفلًا، وعدد مشابه من النّساء، وتنوّعت وسائل القتل ما بين الإعدام الميدانيّ بالرّصاص، إضافةً إلى السّكاكين والأدوات الحادّة، والقتل حرقًا فقد جرت معاينة ثماني جثث متفحّمة.

 

لقد عكست هذه المجزرة حالة الانقسام في الرّيف الحمويّ "الغربيّ"، والذي يضمّ طوائفَ متعدّدة (سنّة، وعلويّين، ومرشدين، ومسيحيّين)، في موقفه من الثورة والنظام الذي ظهر منذ بداية الثورة وتجذّر على خلفيّات طائفيّة مع طول مدّتها. إذ بدأت تحصل حوادث طائفيّة بعد انضمام شباب من القرى العلويّة إلى الشبّيحة ومشاركتهم في قمع التّظاهرات. وقد حصلت عدّة اشتباكات بين القرى السنّية والعلويّة استطاعت الفعاليّات الأهليّة والوجهاء احتواءَها، لكن أعنف هذه الاشتباكات وقعت في بداية شهر آب/ أغسطس 2011، بعد دخول الجيش إلى مدينة حماة. إذ أقام أهالي قرية معرزاف، وتيزين، واللطامنة، وحلفايا حواجزَ ولجانًا محلّية أهليّة لمنع الشبّيحة الذين جنّدتهم القوى الأمنيّة من القرى العلويّة لقمع التّظاهرة من النّزول إلى المدينة. وعند حاجز قرية تيزين حصل اشتباك بين الشبّيحة ومسلّحي القرية قُتل خلاله اثنان من قرية تيزين، فتداعت القرى "السنّيّة" بتضامنيّة طائفيّة وتوجّهوا بالسيّارات إلى قرية الربيعة بهدف "إبادة القرية". وقد تمكّن وجهاء الطّرفين من حلّ الإشكال، ومنعوا مواجهة طائفيّة مسلّحة آنذاك.

 

بعدها شاع السّلاح، وتولّت كلّ قرية حماية نفسها. ونتيجة لذلك، كانت تحصل وبشكل دوريّ، حوادث اختطاف وقتل من الجانبين، لتعزّز من الانقسام والاضطرابات. ففي شهر آذار / مارس 2012 قُتل خمسة علويّين من قرية أصيلة على يد مسلّحي حلفايا السنّة، كما اختطفت معلّمة علويّة تنتمي إلى تلك القرية بذريعة مشاركة أهالي القرية في اقتحام مدينة حلفايا، وحصلت مواجهات طائفيّة شارك فيها مسلّحو قرية معرزاف السنّة. وبدا واضحًا أنّ السّلوك العنفي الفظيع وغير المبرر بأي سبب والذي قام به سكّان أصيلة جاء ضمن الفعل وردّ الفعل الثّأري الانتقاميّ السّائد منذ فترة.

 

لقد فتحت المجازر السابقة الباب واسعًا لأفعال انتقاميّة على خلفيّات طائفيّة بدأت تظهر بشكلٍ متقطّع كان من أبرزها قتل أستاذ جامعيّ يدعى سمير علي رقية في 29 حزيران / يونيو 2012، وذلك بعد اختطافه وتعذيبه على يد مسلّحين تحت مسمّى "كتيبة شهداء حلب للمهامّ الخاصّة" لأسباب مذهبيّة باعتبار أنّه من الطائفة العلويّة. وقد اتّهمت الكتيبة الأستاذ الجامعي بأنّه "يطلق النار على النّاس في الشارع ويغتصب الحرائر"([35]). إلا أنّ سيرته وسلوكه المهنيّ على النّقيض من ذلك وفق شهادات الوسط المؤيّد للثورة في مدينة حلب، ما يجعل قتله جريمة بشعة  تندرج أسبابها ضمن البعد الطائفيّ المذهبيّ فقط. كما حصلت مجزرة طائفيّة في قرية التريمسة في ريف حماه 12 تموز/ يوليو 2012 تتشابه بشكل كبير مع ظروف مجرزة القبير وعكست درجة الاستقطاب والشحن الطائفي في المناطق المختلطة، وقد راح ضحيتها 227 شخصًا 40 منهم من مقاتلي المعارضة قتلهم الجيش النظامي أثناء اقتحام القرية، والباقي ضحايّا مدنيون قتلوا بطرق بدائية ( ذبح بالسكاكين، حرق) على يد مجموعات الشبيحة التي قدمت من القرى ( العلويّة) المجاورة وهي الصفصافية، وتل سيكن، وفلحا[36].

 

خلاصة

 

تردّ دوافع الحالات السلبيّة السابقة ومسبّباتها بأشكالها الجنائيّة والسياسيّة والطوائفيّة إلى انحسار سلطة الدّولة، وغياب مؤسّسات مدنيّة(مجتمعيّة) يمكن أن تعوّض غيابها. وقد أصبحت هذه الحالات تعبّر عن تفاعلات مجتمعيّة تحصل بشكلٍ متقطّع. من هنا، فإنّ التحدّي الأكبر يتمثّل في الحيلولة دون تحوّل هذه الاضطرابات المتقطّعة إلى ظاهرة دائمة منفلتة. وتقع مسؤوليّة تقليص هذه الظواهر والحدّ من تكرارها على النّخب السوريّة من خلال ابتداع وتفعيل آليّات مجتمعيّة وسياسيّة تبحث في مسبّباتها والعوامل المغذّية لها خارج قمع النظام لتبتكر الأدوات اللازمة لوضع إستراتيجيّة واضحة تتخطّى آليّات الضّبط المجتمعيّ البدائيّة، والتي يقوم بها عادةً رجال دين منفتحون ووجهاء المدن والقرى، باتّجاه إيجاد مؤسّسات مدنيّة متخصّصة تتعامل مع هذه الظواهر باعتبار أنّ حدوثها ليس آنيًّا يرتبط فقط بالمرحلة الرّاهنة وإنّما قد تمتدّ إلى مراحلَ أخرى لتشكّل عائقًا حقيقيًّا وتحدّيًا مجتمعيًّا صعبًا لعملية التحوّل الديمقراطيّ المنشودة. فهذه الظواهر نشأت على هامش الثورة وخارج سياقها كونها لا تشبه أشكال العنف المسلّح المنظّم الذي يبرّر وجوده بالدّفاع عن النفس أو الدّفاع عن حقّ التجمّع والتظاهر السّلمي في مواجهة رجال الأمن و "الشبيحة". وجدير بالذّكر أنّ العديد من الجمعيّات الأهليّة والمؤسّسات المدنيّة قد تأسّست من أجل هذه القضيّة. واستطاعت أن تحقّق إنجازات جيّدة في بعض مناطق التماسّ في ريف حمص، وريف حماة. لكن قلّة عددها والظّروف المحيطة بعملها تعيق بلورة نشاطٍ أكثر فاعليّة لها، خاصّةً مع ازدياد العمليّات العسكريّة والمواجهات المسلّحة في غالبيّة المحافظات السوريّة.

 

وليس هنالك من بديل لتوحيد الجسم الأساسي لقوى الثورة المسلحة لتفرض معايير في السلوك ونوعا من العمل الأمني الشرطي ضد مظاهر العنف غير المبرر سياسيا ولا ثوريًّا.

 

 كما أنّ القوى الديمقراطيّة المنخرطة في الثورة، والمعارضة السياسيّة على وجه الخصوص مطالبة بإدانة هذه المظاهر بشكلٍ صريح وإيضاح ملابسات وقوعها الحقيقيّة وتعريتها مجتمعيًّا، وسياسيًّا، وليس التستّر عليها من باب اتّهام النظام فقط باعتبارها تستنزف رصيد الثورة الأخلاقيّ ومشروعيّة أهدافها، وتعدّ مؤشّرًا خطيرًا لما يمكن أن ينتظر سورية المجتمع والكيان السّياسي. وينطبق ذلك أيضًا على العنف الحركي باعتباره عنفًا سياسيًّا يجري تحت ستار الثورة، وباسمها، ولا يتّفق مع أهدافها. وبالتالي لا يجوز اعتباره جزءًا "طبيعيًّا" منها، تختزل الثورة فيه. من هنا تبرز الحاجة إلى توضيح الحدود الفاصلة بين الطبيعة السلميّة الشعبيّة الأساسيّة للثورة والكفاح المسلح الثوري الذي أصبح يحكم المواجهة مع النظام نتيجة لوحشية النظام غير المسبوقة من جهة، وبين أعمال عنفيّة أخرى تتغطّى بالثورة لكنّها تخرج عن طبيعتها، وتخدم موضوعيًّا أهدافًا أخرى تغذّي الاضطراب والاقتتال الأهليّ من جهة أخرى.

 

على الرغم من هذه الملاحظات لم تتحول الثورة الى احتراب طائفي، وما زالت بطبيعتها ثورة شعبية. كما أنه وعلى الرغم من الملاحظات التي توجه عادة ضد القيادات السياسية المعارضة يمكن القول بثقة أن القيادات السياسية المنخرطة في الثورة بشكل عام قد خرجت بمواقف ديمقراطية غير طائفية، ما عدا في حالة استثناءات قليلة. وقد بدا ذلك واضحًا وموثقًا في برامج عملها ورؤيتها المستقبليّة، خاصة في وثيقة العهد الوطنيّ، وبرنامج المرحلة الانتقاليّة الذي خرج عن مؤتمر المعارضة السوريّة في القاهرة 2-3 تموز بمعظم تشيكلاتها والتي جاء فيها ما يلي" الشعب السوري شعب واحد، تأسست لحمته عبر التاريخ على المساواة التامة في المواطنة بمعزل عن الأصل أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الإثنية أو الرأي السياسي أو الدين أو المذهب، على أساس وفاق وطني شامل، لا يجوز لأحد فرض دين أو اعتقاد على أحد، أو أن يمنع أحدا من حرية اختيار عقيدته وممارستها. النساء متساويات مع الرجال، ولا يجوز التراجع عن أي مكتسبات لحقوقهن. كما يحق لأي مواطن أن يشغل جميع المناصب في الدولة، بما فيها منصب رئيس الجمهورية، بغض النظر عن دينه أو قوميته، رجلا كان أو امرأة. هكذا يفخر الشعب السوري بعمقه الحضاري والثقافي والديني الثري والمتنوع، مما يشكل جزءا صميمًا من ثقافته ومجتمعه، ويبني دولته على قاعدة الوحدة في التنوع، بمشاركة مختلف مكوناته دون أي تمييز أو إقصاء"[37].

 

 لكن يبقى السؤال حول مدى قدرة القوى السياسية  بأن تهمين وتفرض رؤيتها في مقابل العامل الميلشوي المحلي، وأن تمثل المصلحة الوطنية السورية وتفرضها في مقابل القوى الدولية الكثيرة التي دخلت الى مساحة التأثير في سورية، ومنها دول معادية ليس للنظام فحسب بل أيضًا لسوريا قوية، ولعروبة سورية، أو لتعايش قومياتها وطوائفها.

 

 

 

 

 

 

[1] إريك هوبزناوم، عصر الثورة أوروبا 1798-1848، (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، ط2، 2008)، ص 140.

 

[2]  عزمي بشارة، الثورة التونسية المجيدة ( الدوحة وبيروت : المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ط1، 2011) ص 111

 

[3]  المرجع السابق، ص 110-111

 

[4] نفسه ص 155

 

[5] يصدر تقرير يوميّ يوثّق هذه الحوادث التي تعدّها خارج مسؤولية النظام، والمعارضة. وتصدره الهيئات التالية: "لجان الدفاع عن الحرّيات الديمقراطية وحقوق الإنسان في سورية (ل.د.ح)، اللجنة الكرديّة لحقوق الإنسان في سورية (الراصد)، المنظّمة العربية لحقوق الإنسان في سورية منظّمة حقوق الإنسان في سورية (ماف)، المنظّمة الوطنية لحقوق الإنسان في سورية، المنظّمة الكرديّة للدفاع عن حقوق الإنسان والحرّيات العامّة في سورية (DAD)". ويقوم موقع الشبكة العربيّة لموقع حقوق الإنسان بنشر هذا التقرير إلكترونيًّا: لمشاهدة ذلك اتبع الرابط التالي:

 

http://www.anhri.net/

 

[6] تكررت حوادث الخطف مقابل الفدية بشكل دوريّ في المدن السوريّة، وسجّلت في دمشق وحلب أعلى مستوياتها، إذ تمّ استهداف الكثير من رجال الأعمال والأغنياء على يد مجموعات مسلّحة تدّعي انضمامها للجيش الحرّ وطالبت بمبالغ عالية جدًّا وصلت في دمشق إلى نحو مليون دولار عن تاجر دمشقي، ومبالغ أقلّ في حلب وحمص ودير الزور.

 

[7]  في مدينة مسكنة حصل خلاف بين عشائر موالية للنظام وكتائب من الجيش الحر في المدينة، فقامت الأخيرة باختطاف  احد وجهاء عشائر الخفاجيين الموالية للنظام وطلبت فدية بمبلغ 15 مليون ليرة سوري الأمر الذي رفضته هذه العشيرة وتحول الامر إلى صدام مسلح انتهى بنزوح العشيرة من مدينة مسكنة

 

[8]  دي برس:" الغارديان: الجيش الحر يعتمد الخطف مصدرا للتمويل"، 10-9-2012

 

http://www.dp-news.com/pages/detail.aspx?articleid=130603

 

[9]  في شهادات أجراها فريق البحث في المركز العربي مع سكان في حي تشرين والقابون المختلطة طائفيًّا، تحدثوا عن حواجز أقيميت عند مدخل كل شارع وقد تنوعت فمنها ما هو عائد للجيش النظامي ومنها للجيش الحر، ومنها لعائلات سنية وعلويّة قد بعمليات الخطف من الطرفين بهدف الحصول على فدية نقدية

 

[10] " سيريا بولتيك :حركة معارضة سورية تتبنّى خطف 5 إيرانيّين لـ"أسباب مذهبيّة"، ، 4-1-2012:

 

http://syria-politic.com/ar/Default.aspx?subject=284#.T9BWndWP9ic

 

[11] "خطف 11 من الحجّاج الإيرانيين في سوريا"، الشروق (المصريّة)، 27-1-2012

 

http://www.shorouknews.com/news/view.aspx?id=eb82eb2f-1c20-422f-9003-68ac5d0171ff

 

[12] "الإفراج عن الزوّار الإيرانيّين المختطفين في سوريا"، موقع قناة العالم الإيرانية، 7-2-2012

 

http://www.alalam.ir/news/975794

 

[13]"جماعة سورية تتبنّى اختطاف 11 لبنانيا"، الجزيرة نت، 31-5-2012

 

http://www.aljazeera.net/news/pages/b346624d-c6b6-45d3-ada9-1da47dfe0373

 

 

 

[14]  لمشاهدة بيان كتيبة البراء اتبع الرابط التالي

http://www.youtube.com/watch?v=LBQ6UEflsoU

 

[15]  برنامج ما وراء الخبر، 17-9-2012

 

http://www.youtube.com/watch?feature=player_embedded&v=ldXMOywTCaU

 

 

 

[16]  لمشاهدة اختطاف حسان المقداد 13-8-2012 اتبع الرابط التالي:

http://www.youtube.com/watch?v=FWCVQbGVDAU

 

 

 

[17] "القيادة المشتركة للجيش الحر تنفي علاقتها بإختطاف حسان المقداد"، كلنا شركاء، 15-8-2012

 

http://all4syria.info/Archive/51276

 

 

 

[18]"طمأنات بإفراج قريب عن عمّال الفرات للنفط"، الوطن السورية، 30-5-2012

 

http://www.alwatan.sy/dindex.php?idn=123624

 

[19] "إطلاق 26 من رهائن ’الفرات للنفط‘"، سوريا الآن،  3-6-2012

 

http://syrianow.sy/index.php?d=7&id=55125

 

[20] لمشاهدة الإعلان عن البيان التأسيسي لجبهة النصرة، اتبع الرابط التالي:

 

http://www.youtube.com/watch?v=Fuh1cI9vlR0

 

[21]"جبهة النصرة تتبنّى قتل 13 من عناصر الأمن والشبيحة"، جريدة الرياض، 5-6-2012

 

http://www.alriyadh.com/2012/06/05/article741893.html

 

[22]  لمشاهدة مقطع إعدام شبيحة أل بري وزعيمهم زينو بري 1-8-2012 اتبع الرابط التالي:

http://www.youtube.com/watch?v=VjBMTEcAK_0

 

[23]  في مداخلة له على قناة الجزيرة القطريّة قال الناطق باسم المجلس الثوري في حلب وريفها المكنى أبو عبد الله الحلبي، أن حكم الإعدام نفذ من قبل كتائب ومجموعات منضوية تحت لواء التوحيد والفتح، وقد تم الحكم بناء على قرار محاكم شرعيّة موجودة قضت بإعدامهم. بالمقابل قائد المجلس العسكري في حلب عبد الجبار العكيدي مسؤولية الجيش الحر عن إعدام الجنود النظاميين واعتبرها في خانة التصرفات والأخطاء الفرديّة. وقد أدان المجلس الوطني السوريّ أيضًا عملية إعدام الجنود النظاميين في ثكنة هنانو

 

[24] لمشاهدة نصّ البيان التأسيسي لجبهة أحرار الشام اتبع الرابط التالي:

 

http://www.youtube.com/watch?v=f77DBt9-GD8

 

[25] شهادة أجراها فريق المركز العربيّ مع أحد أبناء جبل الزّاوية الذي حمل السّلاح في مواجهة القوّات النظاميّة إلى جانب كتائب أحرار الشّام.

 

[26] http://www.youtube.com/watch?v=js_Sg5GJSkk

 

[27] ظهر قائد لواء صقور الشام أحمد الشيخ مع نوّاب بحرينيّين قدّموا دعمًا عسكريًّا في مقطع فيديو على يوتيوب نشر في يوم 5-8-2012، واطلع فريق البحث في المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات عليه على الرابط التالي:  

 

https://www.youtube.com/watch?v=oswZiTxOow4&feature=player_embedded

 

وقد جرى فحص المقطع وتمحيصه والتأكد من الأشخاص الذين يظهرون فيه، غير أنّ هذا المقطع جرى التبليغ عنه على موقع يوتيوب فقام بحذفه ولم يعد متوفرا للمشاهدة.

 

[28] في شهادة لناجي طيارة الموجود على الحدود السوريّة التركيّة أكّد وجود مقاتلين عرب وأجانب حاصروا الجيش النظامي في معبر باب الهوى وسيطروا على المعبر.

 

[29]  الجزيرة نت:" "الحر" يتوسع بحلب وكتائب تتوحد بسوريا"، 12-9-2012

 

http://www.aljazeera.net/news/pages/885aced8-3c5c-4aca-b7eb-2a2ca28a36cb?GoogleStatID=9

 

[30]  لمشاهدة بيان تأسيس جبهة تحرير سورية 12-9-2012 اتبع الرابط التالي:

 

http://www.youtube.com/watch?v=I76Q7_8RTYA

 

[31]  شهادة أجراها فريق البحث في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات مع ممثل لجان التنسيق المحلية في سورية عمر ادلبي بتاريخ 13/8/2012

 

[32]  مركز الشرق العربي :" الأب باولو والثورة السورية "، 14-6-2012

 

http://www.asharqalarabi.org.uk/barq/b-qiraat-12.htm

 

 

 

[33]  مقابلة مع برهان غليون في الدوحة 30-8-2012

 

[34] "مراسيم رئاسيّة تؤطّر مكافحة الإرهاب بثلاثة قوانين"، الوطن السورية، 3-7-2012.

 

http://www.alwatan.sy/dindex.php?idn=125505

 

[35] "معارضون يغتالون أستاذا جامعيًّا علويًّا في حلب رغم "سمعته الحسنة" في البلاد"، سيريا بولتيك، 29-6-2012

 

http://syria-politic.com/ar/Default.aspx?subject=796

 

[36]  متابعات دقيقة لفريق البحث في المركز العربي لظروف مجزرة التريمسة.

 

[37]  الشرق الأوسط:" نص وثيقة العقد الوطني في القاهرة"،

 

 



المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات

Partager cet article

Repost 0
Published by syria
commenter cet article

commentaires