Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
26 janvier 2013 6 26 /01 /janvier /2013 19:30

 

 

 

 

 

الفصل السادس

الحركات الوطنية في العالم الثالث

 

ثلاثة آراء حول للثورة 

 

بلور ليون تروتسكي  HYPERLINK "http://www.e-socialists.net/node/1900" نظرية الثورة الدائمة على خلفية الثورة الروسية عام 1905. كان جميع الماركسيين في هذا الوقت، من كاوتسكي إلى بليخانوف إلى لينين، يؤمنون بأن الدول الصناعية المتقدمة هي الوحيدة المؤهلة للثورة الاشتراكية، حيث جادلوا بأن قوة وتماسك السلطة العمالية عند قيام ثورة اشتراكية في بلد ما، تتوقف بالأساس على مدى التقدم الصناعي والرأسمالي في هذا البلد. وبالتالي فإن  HYPERLINK "http://www.e-socialists.net/node/5725" البلدان المتأخرة سوف ترى مستقبلها في مرآة البلدان المتقدمة. وفقط عبر عملية تاريخية طويلة من التقدم الصناعي والحكم البرجوازي البرلماني سوف تنضج الطبقة العاملة بما فيه الكفاية لتخطو خطوها في اتجاه الثورة الاشتراكية.

 

جميع الاشتراكيين الديمقراطيين الروس –سواء المناشفة أو البلاشفة- افترضوا أن روسيا مقبلة على ثورة برجوازية ديمقراطية، ناتجة من الصراع القائم بين قوى الإنتاج الرأسمالية من جانب، وبين الحكم الأوتوقراطي والإقطاعية من جانب آخر. ومن هذا المنطلق، استنتج المناشفة أن البرجوازية لابد بالضرورة أن تقود الثورة وأن تأخذ السلطة السياسية بين يديها. وبالتالي فإن الاشتراكيين الديمقراطيين سيكون عليهم أن يؤيدوا البرجوازية الليبرالية في الثورة، وفي نفس الوقت أن يدافعوا عن المصالح الخاصة بالعمال في ظل الرأسمالية، مثل تحديد يوم العمل بـ8 ساعات في اليوم وزيادة الأجور وغيرها من الإصلاحات الاجتماعية.

 

اتفق لينين والبلاشفة على أن الثورة القادمة ستكون ذات طابع برجوازي، حيث أنها ستقضي على الأوتوقراطية والإقطاع لكنها لن تتجاوز حدود الرأسمالية. حيث أن "الثورة الديمقراطية لن تتخطى إطار العلاقات الاقتصادية والاجتماعية للبرجوازية"، هكذا أوضح لينين الفكرة في عام 1905. "هذه الثورة الديمقراطية في روسيا لن تضعف بل ستقوي سيطرة البرجوازية".

 

لقد تمسك لينين بتلك الرؤية لفترة طويلة، ولم يتخل عنها إلا عند قيام ثورة فبراير 1917. في سبتمبر 1914، على سبيل المثال، كان لازال يصر على أن الثورة في روسيا سيكون عليها أن تحصر نفسها في إطار ثلاث مهام رئيسية: "تأسيس جمهورية ديمقراطية (حيث المساواة في الحقوق وإطلاق حق تقرير المصير لكل الأمم المضطهدة تحت سيطرة الامبراطورية الروسية)، تأميم أراضي كبار الملاك، وتطبيق يوم العمل محدداً بـ8 ساعات في اليوم". 

 

ما كان يميز لينين بالأساس عن المناشفة هو إصراره على ضرورة النضال من أجل استقلالية حركة الطبقة العاملة عن البرجوازية الليبرالية، من أجل أن تنضج الثورة البرجوازية إلى ثورة اشتراكية ضد البرجوازية نفسها. 

 

أما  HYPERLINK "http://www.e-socialists.net/node/6050" تروتسكي، فقد كان مقتنعاً مثل لينين بأن البرجوازية الليبرالية أضعف كثيراً من أن تتولى مهام الثورة. وأن الإصلاح الزراعي الجذري، حيث مصادرة الأراضي من كبار الملاك وتوزيعها على الفلاحين الفقراء، لا يمكن أن يتم إلا بتحالف الطبقة العاملة مع الفلاحين. لكن تروتسكي لم يتفق مع لينين في إمكانية قيام حزب سياسي مستقل للفلاحين، وجادل بأن الفلاحين مقسمين بشدة فيما بينهم إلى أغنياء وفقراء، وأن هذا الانقسام لا يجعلهم قادرين على تأسيس حزب سياسي موحد ومستقل يمثل مصالحهم. 

 

كتب تروتسكي أن "كل الخبرة التاريخية توضح لنا أن الفلاحين غير قادرين تماماً على لعب دور سياسي مستقل". جادل تروتسكي أن في كل الثورات على مدار التاريخ، أيد الفلاحون هذا القسم أو ذاك من البرجوازية. أما في روسيا، فإن قوة الطبقة العاملة ورجعية البرجوازية ستدفعان الفلاحين لتأييد البروليتاريا الثورية. لن تنحصر الثورة في المهام البرجوازية الديمقراطية، لكنها ستمتد سريعاً إلى الإجراءات الاشتراكية التي ستقودها البروليتاريا.

 

اعتمدت أفكار تروتسكي على أن استيلاء البروليتاريا على السلطة لا يعتمد على تقدم قوى الإنتاج وتقدم الرأسمالية بقدر ما يعتمد على مستوى الصراع الطبقي وعلى الأوضاع الدولية، وأخيراً يعتمد على بعض العوامل: تراث النضال ومبادرة البروليتاريا فيه واستعدادها له.

 

ولذلك فإن البروليتاريا في البلدان المتأخرة اقتصادياً، قد تأتي إلى السلطة قبل أن يحدث ذلك في البلدان المتقدمة. في 1871، استطاعت البروليتاريا في باريس أخذ زمام السلطة في باريس البرجوازية الصغيرة، صحيح أن ذلك استمر لشهرين فقط، لكن ذلك لم يحدث حتى لساعة واحدة في أي من المراكز الرأسمالية المتقدمة مثل إنجلترا أو الولايات المتحدة. أما وجهة النظر التي تفترض أن وصول البروليتاريا للسلطة يعتمد بشكل أوتوماتيكي على درجة التقدم الاقتصادي في البلد، فإن وجهة النظر هذه مجحفة للغاية ومستمدة من النظرة المادية الاقتصادية الضحلة لمسار التاريخ. وتلك النظرة لا علاقة لها بالماركسية. 

 

لقد خلقت  HYPERLINK "http://www.e-socialists.net/node/848" الثورة الروسية الظروف المناسبة من أجل استيلاء البروليتاريا على السلطة حتى قبل أن تستطيع البرجوازية الليبرالية بناء وترسيخ دولتها الخاصة. 

 

هناك نقطة جوهرية أخرى في نظرية ليون تروتسكي، ألا وهي الطبيعة الأممية للثورة الروسية المقبلة. فقد رأى تروتسكي أنه صحيح تماماً أن الثورة الروسية سوف تبدأ داخل المحيط القومي، لكنها لا يمكن أن تصل إلى نصرها النهائي إلا إذا انتصرت الثورة في بلاد أخرى أكثر تقدماً. 

 

لكن كيف تتجاوز البروليتاريا الروسية بسياساتها الاشتراكية الوضع الاقتصادي المتأخر لروسيا؟ هناك شيء واحد يمكننا ان نقوله بكل تأكيد، وهو أن البروليتاريا لا يمكن أن ترسخ سلطتها في ظل الظروف الاقتصادية المتردية لروسيا، دون دعم مباشر من الطبقة العاملة في بلدان أوروبية أكثر تقدماً. 

 

يمكننا أن نلخص العناصر الأساسية لنظرية الثورة الدائمة لليون تروتسكي كالتالي:

 

لا يمكن أن تقدم البرجوازية في البلدان المتأخرة أي حلول ثورية وديمقراطية للمشاكل التي تواجه بلدانها من سيطرة الإقطاع والاضطهاد الإمبريالي، ولا يمكنها القضاء على الإقطاع ولا الأتوقراطية الحاكمة وإرساء نظام ديمقراطي. وبينما كانت البرجوازية طبقة ثورية في البلدان الرأسمالية المتقدمة منذ قرن أو اثنين سبقوا، كفت الآن عن أن تكون كذلك سواء في البلدان المتقدمة او المتأخرة اقتصادياً، وتحولت إلى قوى محافظة ترتمي في أحضان الرجعية بمجرد أن تبدأ الموجة الثورية. 

 أما الدور الثوري الحاسم فلا يمكن أن تقوم به سوى البروليتاريا، حتى وإن كانت حديثة النشأ وصغيرة الحجم في البلدان المتأخرة.

وبالنسبة للفلاحين، فهم غير قادرين على تحقيق استقلالهم السياسي ولذلك سيتبعون القيادة الثورية للبروليتاريا الصناعية في المدن.

والحل الحاسم لكل من المسألة الزراعية، والمسألة القومية، والتحرر من القيود الإمبريالية التي تعوق التقدم الاقتصادي، فسوف يتطلب ذلك تخطي حدود الملكية البرجوازية الخاصة ومصادرتها. الثورة الديمقراطية إذن ستنضج سريعاً لتغدو ثورة اشتراكية، ومن هذا المنظور تصبح  HYPERLINK "http://www.e-socialists.net/node/4262" الثورة دائمة

استكمال الثورة الاشتراكية "في إطار الحدود الوطنية، أمر غير معقول. وهكذا تصبح الثورة الاشتراكية ثورة دائمة بمنظور جديد وأوسع للكلمة، بحيث يمكن للثورة الاشتراكية أن تنجز مهاما كاملة فقط مع انتصار المجتمع الجديد على كوكبنا". وإنه لمن ضيق الأفق والرجعية محاولة إنجاز "الاشتراكية في بلد واحد". 

وكنتيجة لكل ذلك، فسوف تقود  HYPERLINK "http://www.e-socialists.net/node/909" الثورة في البلدان المتأخرة لاضطرابات واسعة في البلدان المتقدمة. 

 

صعود ماو للسلطة 

 

لم تلعب الطبقة العاملة أي دور في انتصار ماو تسي تونج ووصوله إلى السلطة في الصين، كما أن التركيب الاجتماعي للحزب الشيوعي الصيني لم يكن هو الآخر عمالياً على الإطلاق. وفي الحقيقة كان صعود ماو داخل الحزب الشيوعي متزامن مع تحول التركيب الاجتماعي للحزب عن العمال. مع نهاية 1926 كان على الأقل 66% من أعضاء الحزب عمال، 22% مثقفين، وفقط 5% فلاحين. وبحلول نوفمبر 1928، فقد الحزب حوالي أربعة أخماس أعضائه من العمال، ويُذكر أن أحد التقارير الرسمية من الحزب الشيوعي الصيني في ذلك الوقت قد اعترف بأن "الحزب لم يعد يملك نواة حزبية قوية واحدة بين العمال الصناعيين". كما اعترف الحزب لاحقاً أن العمال قد شكلوا 10% من عضويته في 1928، 3% في 1929، هبوطاً إلى 2.5% في مارس 1930، إلى 1.6% فقط من العضوية في سبتمبر من نفس العام، وعملياً لم يعد لدى الحزب عامل صناعي واحد مع نهاية العام. ومنذ ذلك العام حتى انتصار ماو واستيلائه على السلطة السياسية في الصين، لم يملك الحزب أي عمال ليتحدث باسمهم.

 

لم يهتم الحزب الشيوعي الصيني بالعمال كثيراً، ولم يكن العمال على خريطة الاستراتيجية السياسية للحزب خلال فترة صعود ماو للسلطة، إلى درجة أن الحزب لم يجد من الضروري أن يجتمع بالنقابات العمالية في أي مؤتمر عام خلال 19 سنة، منذ مؤتمر النقابات الذي عُقد في 1929. في ديسمبر 1937 عندما أقرت حكومة حزب الكومنتانج عقوبة الإعدام للعمال الذين يضربون عن العمل أو يحرضوا على الإضراب أثناء فترة الحرب، صرح المتحدث الرسمي باسم الحزب لأحد الصحفيين أن الحزب "راضي تماماً" عن الإجراءات التي تعتزم الحكومة اتخاذها أثناء الحرب. وحتى بعد اندلاع الحرب الأهلية بين الحزب الشيوعي وحزب الكومنتانج، لم يكن هناك منظمات تابعة للحزب الشيوعي في المناطق التي سيطر عليها الكومنتانج، التي احتوت المراكز الصناعية في الصين.

 

إن غزو ماو تسي تونج للمدن الصينية من خارجها في 1949 يوضح بجلاء مدى الفراق بين الحزب الشيوعي والطبقة العاملة في المدن. القادة الشيوعيون وقتها بذلوا أقصى جهدهم لمنع أي انتفاضات عمالية في المدن التي كانوا يغزونها. قبل سقوط تاينتسن وبكين، على سبيل المثال، أصدر الجنرال لين بياو، قائد الجبهة، تصريحاً بأن "من أجل الحفاظ على النظام، فإن كل مسئولي الكومنتانج أو رجال البوليس أو أي شخص يعمل في مؤسسة حكومية أو مقاطعة أو مدينة أو قرية، سيبقون في مناصبهم". 

 

وعند عبور نهر يانجتسي، قبل الوصول إلى المدن الكبرى في جنوب ووسط الصين (شانجهاي، هانكو، كانتون) كان ماو ورفيقه تشو تيه أصدروا هم أيضاً نداءاً آخر.. "نأمل أن يظل كافة العمال والموظفين في أماكنهم وأن يستمروا في أعمالهم كما هم، فسوف يمضي عملنا بشكل عادي. كل المسئولين التابعين لحزب الكومنتانج في الحكومة المركزية أو في البلديات أو في القرى -مهما كانت مستوياتهم- ونواب الجمعية الوطنية وأعضاء المجلس التشريعي والمجلس السياسي، ورجال الشرطة، وزعماء منظمات باو تشيا، نأمل أن يبقى كل هؤلاء في مناصبهم، وأن يحترموا أوامر جيش التحرير الشعبي والحكومة الشعبية".

 

بالنسبة للطبقة العاملة، فلقد التزمت وظلت ساكنة كما هي. ويوضح لنا التقرير التالي من مدينة نانكنج في 22 أبريل 1949، بعد استيلاء جيش التحرير الشعبي على المدينة، الوضع بشكل دقيق: "لا توجد أي علامة تدل على إثارة الفوضى من قبل سكان نانكنج. شوهدت تجمعات من الأهالي عند حائط النهر لمشاهدة تبادل إطلاق النار عند الضفة المواجهة من النهر. لكن كل شيء يسير كما هو معتاد دائماً. أُغلقت بعض المحال التجارية، لكن ذلك كان نتيجة ضعف حركة البيع". 

 

وبعد شهر، كتب مراسل النيويورك تايمز من شانجهاي التقرير التالي: "المدرعات الحمراء تسير في الشوارع، والجنود يعلقون أوراقاً على الحوائط في الشوارع تخبر الناس بأن عليهم الهدوء وأن ليس هناك ما يخافون منه". وفي كانتون: "عندما دخل الشيوعيون المدينة، تواصلوا مع الضباط في قسم الشرطة وأخبروهم بأن عليهم البقاء في مناصبهم لكي يحافظوا على النظام". 

 

ثورة كاسترو 

 

لم تلعب لا الطبقة العاملة ولا الفلاحين أي دور جاد في صعود كاسترو للسلطة في كوبا، لكن وحدها الطبقة الوسطى هي التي استطاعت ملئ الفراغ في ساحة النضال. ويوضح حديث تم بين "ليستريانكي" وقادة الثورة – وهو حديث موثوق بصحته ورد في كتاب لـ "رايت ميلز" – كل ما لم تكن عليه الثورة:

 

"لم تكن الثورة صارعًا بين العمال الأجراء والرأسماليين، فثورتنا هي ثورة لم تقم بها النقابات العمالية أو العمال الأجراء أو الأحزاب العمالة أو أيًا من هذا القبيل.. فلم يكن العمال الأجراء في المدينة واعين بأي من الطرق الثورية، فنقاباتهم ليست فحسب إلا هي كم النقابات الأمريكية الشعبية تسعي لمزيد من المال والشروط الأفضل، وهذا كل ما كان يحركهم، وفي بعض الأحيان تكون فاسدة تماماً مقارنة بنقابتكم". 

 

ويكتب بول باران – أحد داعمي كاسترو – بعد مناقشات سادة كوبا، حول الدور الضئيل للبروليتاريا في الثورة: "يبدو أن قسم الأجراء من الطبقة الصناعية في سلبيًا في مجمله طوال الفترة الثورية، مشكلاً الجزء (الارستقراطي) في البروليتاريا الكوبية، فهؤلاء العمال شارك في أرباح العمليات الاحتكارية – الأجنبية والوطنية – بأجور جيدة وفقًا للمقياس الأمريكي اللاتيني وتمشوا بمستوى حياة مرتفع إلى حد بعيد مقارنة بمستوى جماهير الشعب الكوبي. وحركة الإتحاد النقابي "القوية إلى حد بعيد كان مسيطرًا عليها من قبل موظفي النقابات على نموذج الولايات المتحدة، ومخترقة بتمكن من المبتزين والمحتالين".

 

وتفسر لامبالاة البروليتاريا الصناعية فشل دعوة كاسترو إلى إضراب عام في 9 ابريل 1958، بعد حوالي ستة عشر شهرًا من بدء الثورة وقبل ثماني شهور من سقوط الديكتاتور الكوبي باتيستا. فالعمال كانوا غير مهتمين، والشيوعيون قد دُمروا – كان هناك وقت قبل أن يوافقوا على الانحياز إلى جانب كاسترو وقد علق مؤكدًا على ذلك تقرير ل "رايت ميلز" أثناء العصبان المسلح على دول الفلاحين في وصل كاسترو وللسلطة:

 

"لعب الفلاحون الدور الكبير مع صغار المثقفين، وأصبحوا هم الجيش الثوري الذي فاز بالعصيان المسلح. فالطرف الحاسم كان هو المثقفين والفلاحين، فتشكل الجنود الثوريين من الفلاحين يقودهم صغار المثقفين". من هؤلاء الفلاحون؟.... "إنهم نوع من العمال الأجراء الزراعيين، الذين لا يجدون عملاً معظم السنة" على هذا النحو كان أيضًا تقرير بأن:

 

"كان الأجر الزراعي لهؤلاء مصدر دخلهم ولكنهم ليسوا صغار ملاك. فالريف الكوبي لم يكن أبدًا بالنسبة لطبقة البرجوازيين الصغار من أصحاب الملكيات الضئيلة بيئة منتجة للأيديولوجية البرجوازية".

 

بالرغم من ذلك فهذا الوصف يكذَّب عبر حقيقتين: "بالكاد كان الفلاحون منضمون لجيش كاسترو، ففي أواخر ابريل 1958 كان فقط العدد الإجمالي حوالي 180 من الرجال مسلحون داخل مجموعته، وأرتفع فقط إلى 8.3 عند سقوط باتيستا". فكوادر عصبة كاسترو الأساسية كانت من المثقفين، ومن شارك من الفلاحين لم يكونوا أجراء زراعيين، أو ذوي اتجاهات اشتراكية كما وصفهم "باران"، و"ميلز". ويشهد على ذلك "تشي جيفارا" وهو من أنضم إلى كاسترو في "سيريا مايسترا":

 

"الجنود الذين شكلوا جيش حرب عصابات، هم أشخاص وطنيون جاءوا من جزء من طبقة اجتماعية ترى تضامنها مع وضع أكثر المناطق كفاحية، ويعبر عنهم في أكثر قائمة من الشجاعة من البرجوازية الصغيرة". 

 

يتضح من ذلك أن حركة "كاسترو" هي حركة طبقة متوسطة، فالاثنين وثمانون رجلاً الذين اجتاحوا كوبا من المكسيك في ديسمبر 1956، والإثنى عشرة رجلاً الذين قاتلوا في "سيريا مايسترا" قد جاءوا كلهم من هذه الطبقة:

 

"قدمت أضخم الخسائر من حركة مقاومة الطبقة المتوسطة المدينة، حيث أظهروا سياسة وسيكولوجية جادة هزمت القوة القتالية لباتيستا".

 

يبالغ على نحو متميز حقاً "تشي جيفارا" من ضعف وعجز الطبقة العاملة الصناعية كعنصر مركزي في كل الثورات الاشتراكية القادمة:

 

"يصنع الفلاحون بجيشهم النوع الخاص مهم من القتال لأجل أهدافهم الذاتية. ففي المقام الأول يكون توزيع الأرض هو الذي يجعلهم يأتوا من القرية لانتزاع المدن. ويحلق هذا الجيش في الريف – حيث الشروط الموضوعية ناضجة لاستخدام القوة – الإمكانيات لتحرير المدن من سيطرة الخارج".

 

"إنه لمن الصعوبة الكبيرة أن تجهز جماعات حرب العصابات في دول تحوي كثافة مالية من السكان في مدنها الكبيرة وتملك كثير من الفلسفة المتطورة والوسائل الصناعية، فالتأثير الأيديولوجي المدينة يعوق نضال حرب العصابات. بحيث أنه في هذه الدول التي تزداد فيها هيمنة المدينة. يمكن أن تتطور النواة السياسية المركزية للصراع في الريف".

 

مع الدور الهامشي للبروليتاريا الصناعية – يقول جيفارا – لابد أن تسلم حرب العصابات الفلاحية بالأساس الإيديولوجي للطبقة العاملة – الماركسية متغاضيًا عن أن أساس الماركسية هو حقيقة أن الثورة الاشتراكية هي من صنع الطبقة العاملة نفسها، وعلى ذلك فالبروليتاريا هي فاعلة التاريخ وليست المفعول به. 

 

بالنسبة لبرنامج كاسترو لم يتعد من بدايته أفق الإصلاحات الليبرالية الواسعة والمقبولة من الطبقات المتوسطة. وفي مقاله لجريدة "Oront of febreary". أعلن كاسترو بأنه لم يضع خططًا المصادرة أو تأميم الاستثمارات الأجنبية: "أنا شخصيًا أعتقد أن التأميم، في أحسن الأحوال، هو أداة بطيئة، فلا يتضح أنه يجعل الدولة أقوى، بل يضعف المشروع الخاص. والأكثر أهمية أن أي محاولة للتأميم الشامل ستعوق كثيرًا الهدف الأساسي في خطتنا الاقتصادية". 

 

في مارس 1958 أكد لكاتب سيرته "دوبويس":

 

"لم تتحدث أبدًا حركة 26 يوليو عن التحول الاشتراكي للصناعات أو تأميمها. فهذا تخوف أحمق وبسيط من ثورتنا. وقد أعلنا منذ اليوم الأول بأننا نقاتل في سبيل التقوية التامة لدستور 1940، الذي من مبادنه تدعيم الضمانات والحقوق والالتزامات لكل العناصر التي تعد جزءًا من الإنتاج. وتشمل هذه المسألة حرية المشروع ومنح المواطنة والحقوق السياسية للرأسمالية كما بالنسبة لبقية عناصر الاقتصاد الأخرى". 

 

أعلن كذلك كاسترو "للمجلس الاقتصادي لتنظيم الولايات المتحدة في "بونيس آيرس": "لا نعارض الاستثمار الخاص، بل نرى فيه فائدة وخبرة وحماسة، وستمنح الشركات ذات الاستثمارات العالية نفس ضمانات وحقوق المشروعات الوطنية".

 

يفسر ضعف كفاحية الطبقات الاجتماعية، العمال، الرأسماليون، الفلاحون وملاك الأراضي، وعجز الطبقة المتوسطة – التاريخي، وقوة ونخبة كاسترو الجديدة، والتي لم تلتزم بأي أساس نظري أو هموم تنظيمية، السهولة التي وضع بها جانبًا البرنامج المعتدل لعام 1953 – 1958 والقائم على المشروع الخاص وإحلاله ببرنامج راديكالي لملكية وتخطيط الدولة.

 

حتى في 16 أبريل 1961 لم يكن كاسترو قد أعلن بأن الثورة كانت "اشتراكية". وفي حوار مع رئيس الجمهورية د. "أوسفالد ودورتيكوس تورادو" قد قال أنه: "وفي يوم سعيد أكتشف الشعب أو صدق على أن ما كان عليه يعلن موافقته عنه هو ثورة اشتراكية". 

 

هل هناك خلل في النظرية؟!

 

لا توجد صعوبة في فهم أسباب أن طبيعة التطور المتأخر للبرجوازية، كقاعدة أساسية، هي طبيعة محافظة ومتخاذلة (النقطة الأساسية الأولى عند تروتسكي)، وكذلك في حتمية السمة الثورية للطبقة العاملة الناشئة (النقطة الأساسية الثانية عند تروتسكي). إلا أن الأيديولوجية المهيمنة في المجتمع بحيث الطبقة العاملة طرفًا كطبقة مسيطرة يتداخل فيها عدد من الأسباب. 

 

في الكثير من الحالات تؤدي حقيقة وعود أغلبية عائمة وغير متبلورة من العمال الجدد في الريف إلى صعوبات بالنسبة لتنظيمات البروليتاريا المستقلة، فتقص الخبرة والأمية تضاف إلى ضعفهم، وهذا يؤدي علاوة على ذلك إلى ضعف آخر: الاعتماد على غير العمال للقيادة: ففي الدول المتخلفة تدار غالبًا النقابات العمالية من "دخلاء"، ويوضح ذلك تقرير من الهند:

 

"تدار النقابات الهندية عمليًا من أشخاص لا يمتلكون أية خلفية صناعية "دخلاء" والكثير من هؤلاء الدخلاء يجمعون في أيديهم أكثر من نقابة واحدة. ويميز القائد الوطني ذي المكانة العالية بأنه رئيس الثلاثين نقابة تقريبًا. ولكن يضاف إلى ذلك أنه بوضوح لا يوجد ما يقدمه في العمل لأي من هذه النقابات".

 

الضعف والاعتماد على "دخلاء" تؤدي إلى عبادة الفرد:

 

"لا تزال تتسم الكثير من النقابات بالالتفات حول أشخاص. فيهيمن الشخص القوي على النقابة، ويحدد كل سياساتها وأعمالها، وتعرف النقابة باعتبارها نقابته، ويتطلع العمال إليه لحل مشاكلهم ولتأمين متطلباتهم، ويكونوا على استعداد في أن يتبعوه إلى حيث يقودهم".

 

عامل هام لعبادة البطل في هذه الحالة، هو وجود عدد من مثل هؤلاء الأبطال داخل الحركة، لمساعدة العمال في تلبية بعض احتياجاتهم، ولكن ليست المساعدة في تطوير تنظيمات ديمقراطية متعمدة على نفسها.

 

(لن تنمو مثل تلك التنظيمات دون أن يتعلم العمال أن يقفوا على أجلهم، وألا يعتمدوا بشكل مثير المشفقة على أشخاص بارزين لحل مشاكلهم).

 

الاعتماد على الدولة، هو ضعف آخر للحركة العمالية في الكثير من الدول المتخلفة، ويوضحه أيضًا تقرير من الهند:

 

"فعليًا تأخذ الدولة الكثير من الوظائف والتي تعد في مجتمع حرمن اختصاص النقابات العمالية، وتقدم باعتبارهم هبة من الدولة، ولكنها – أي الدولة – لا تعقد مساومات بين العمال وأصحاب العمل، بل تقوم هي بالجزء الكبير في تحديد الأجور وباقي شروط العمل. وهذا مما لا شك فيه يرجع بدرجة كبيرة إلى الشروط الاقتصادية وكذلك ضعف العمال ونقاباتهم العمالية". 

 

ومن "غرب أفريقيا الفرنسية":

 

"محاولات النقابات المباشرة في مواجهة أصحاب العمل نادرًا ما تثمر عن زيادة أجور حقيقية للعمال الأفارقة. ولكن في الآونة الأخيرة، كان للتشريع الاجتماعي وتأثير الحركة السياسية مسئولية في معظم الزيادة في الأجور". 

 

ومن أمريكا اللاتينية:

 

"تسعى التمثيلات النقابية إلى تحقيق أرباحها من خلال التدخل والقرار الحكومي". 

 

جزاء الاعتماد على الدولة هو الخضوع للسياسات الحكومية، وتجنب سياسات معادية للسيدات الحاكمة، كذلك تحديد نشاط النقابات العمالية في متطلبات "اقتصادية" ضيقة، أو باستخدام التعبير اللينيني، سياسات "نقابوية".

هذا يؤدي تباعًا على ابتعاد النقابات العمالية عن نضالات الكادحين الزراعيين، فالاختلاف ما بين مستوى معيشة القرية والمدينة عامة هو اختلاف كبير في الدول المتخلفة مقارنة بالدول المتقدمة. في ظل هذه الظروف ومع وجود حالة البطالة وانعدام العمل للريفيين، يكون تحقيق مستوى أجور وشروط عمل في الصناعة، معتمدًا إلى حد بعيد على المؤسسات التي لا تستخدم إلا عمالاً نقابيين، ويتم تشغيل العمال في الصناعة من خلال النقابات العمالية والحكومة – في إهمال الكادحين الريفيين. وقد كان هذا هو الوضع في أرجنتين "بيرون" وبرازيل "فارجوس". وكوبا "باتيستا".

 

ونتج عنه حركة عمالية محافظة وضيقة ومثالية.

 

العامل الأخير ولكنه لا يعني العامل الأقل في تحديده لثورية الطبقة العاملة في الدول المتخلفة من عدمها. هو العامل الذاتي، أي فعالية الأحزاب وخاصة الأحزاب الشيوعية. ومن الضروري هنا إعادة التذكير بالدور الستاليني في الثورة المضادة بالدول المتخلفة.

 

الخلاصة، إن الخبرات حتى الآن أعطت لنا صورة لكل من الدوافع الثورية بين العمال الصناعيين في الدول النامية، وضعفها الشديد، وبأنه لا يوجد ارتباط آلي بين الاقتصاد المتخلف وبين النضالية السياسية الثورية.

أصبحت الطبيعة الثورية الأكيدة للطبقة العاملة – الدعامة الأساسية لنظرية تروتسكي – مشكوكًا فيها. ونقطته الأساسية الثالثة غير متحققة، فلا يستطيع الفلاحون أن يتبعوا طبقة عاملة غير ثورية، ولكن لا يعني هذا أنه لا شيء من ذلك يمكن أن يحدث. فسلسلة من الظروف الوطنية والعالمية جعلت قوى الإنتاج ضرورية لهدم العوائق الإقطاعية والامبريالية. فالعصيانات الفلاحية لم تكن كافية بحد ذاتها لكسر عبودية ملاك الأراضي والامبريالية، بل هناك ثلاثة عوامل أخرى مساعدة:

 

1.      ضعف العالم الامبريالي نتيجة لزيادة التنافسات فيما بين قوى الإنتاج والركود. جعل من الضروري إحداث التدخل المتبادل بوجود القنبلة الهيدروجينية.

2.      نمو أهيمه الدولة في الدول المتخلفة، والذي يعد أحد سمات التاريخ، فعندما تواجه المجتمع مهمة تاريخية في ظل غياب الطبقة التي عليها التغيير، يحل محلها مجموعة أخرى من البشر، وفي الغالب ما تكون سلطة الدولة، وتلعب هذه السلطة في مثل تلك الظروف دورًا غاية في الأهمية، فهي لا تعكس فقط ما يمكن أن يبني عليه الاقتصاد اليوم.

3.      نمو الأهمية الأنتلجنسيا كقائدة وموحدة للوطن، وتكون فوق الكل كمتلاعب بالجماهير، وهذه النقطة الأخيرة تحتاج لتفصيل خاص.

 

الإنتلجنسيا 

 

أهمية الأنتلجنسيا في حركة ثورية تتناسب طرديًا مع الوضع المتخلف العام – الوضع الاقتصادي، الاجتماعي، الثقافي – للجماهير التي ترتفع هذه الأنتلجنسيا من وسطهم.

 

تميزت "الحركة الشعبية الروسية" والتي كانت مقارنة بأي حركة أخرى. تؤكد على الحاجة لتثوير الفلاحين الذين يعدون أكثر أقسام المجتمع تخلفًا، أنها بالغت بشكل استثنائي على أهمية الأنتلجنسيا "أساتذة التفكير النقدي".

 

وعلى الرغم من أن الحركة الثورية في روسيا كانت تحتوي بشكل كبير على مثقفين. فيدافع مثقفي "الحركة الشعبية" عن قضية الفلاحين، ويدافع مثقفي "الحركة الماركسية" أنه بالنسبة للعمال الصناعيين يوجد اختلاف أساسي في الطريقة التي يرون بها العلاقة ما بين "القيادات" و"الجماهير"، فالحركة العمالية كانت على الأقل منظمة أثناء أعلى مراحل الصراع – إلى حد بعيد كان المثقفون مسئولون عن الوحدة العمالية – على الرغم من ذلك فاتجاههم المتأصل – أي المثقفين – في الفصل والارتفاع بنفسهم عن الجماهير. أدى إلى كبحهم عن طريق نفس هذه "الوحدة".

 

بالنسبة لمثقفي "الحركة الشعبية" كانت البيئة المحيطة أقل تقييدًا. ومن ثم فقد أظهروا استبدادية نتيجة للميل إلى التذبذبات والانشقاقات، وكما قال لينين في هذا الوقت: (لن يكون لأحد أن ينكر ما تتميز به الأنتلجنسيا من فردية وعجز عن الانضباط والتنظيم، هو نتيجة لطبقة منتجة من مجتمع رأسمالي حديث).

 

أثبتت الأنتلجنسيا الثورية نفسها كعامل أكثر تماسكًا في الدول النامية اليوم، مقارنة بروسيا القيصرية. فكما تعرف، الملكية الخاصة البرجوازية مفلسة، والنضال الامبريالي لا يحتمل، ونمو أهمية تخطيط الدولة إضافة إلى نموذج روسيا. وكذلك العمل التنظيمي والانضباطي للأحزاب الشيوعي، أعطى كل هذا معنى جديدًا لتماسكها – أي الأنتلجنسيا. ولأنها الفئة الوحيدة غير المتخصصة في المجتمع، تكون المصدر الواضح ل "نخبة ثورية محترفة". بحيث تظهر لتمثل مصالح "الأمة" في مواجهة التناقضات الإقليمية والمصالح الطبقية. يضاف إلى ذلك أنها الجزء من المجتمع المتشرب بالثقافة القومية. فالفلاحون والعمال لا يمتلكون الوقت أو التربية التي تؤهلهم لذلك.

 

تتأثر الأنتلجنسيا أيضًا بالتحالف التكنولوجي لذواتها. فهي مقيدة بهذا التخلف الذي يمنعها من المشاركة في عالم العليم والتكنولوجيا للقرن العشرين، ويؤكد هذا الموقف من خلال "بطالة المثقفين" المستوطنة في هذه الدول. مع التخلف الاقتصادي للمثقفين تكون الوظيفة الحكومية هي الأمل الوحيد لمعظم الطلاب بالرغم من عدم وجود قدر ما يكفيهم. 

 

الحياة الدينية للمثقفين أيضًا في أزمة. ففي ظل نظام متفتت تكون فيه الشخصية التقليدية متفسخة، يشعرون بعدم الأمان، وأنعدم الجذور، ونقص القيم الراسخة. وتجعل الثقافات الحاجة ملحة إلى توحيد جديد لابد له أن يكون كليًا وديناميكيًا حتى يستطيع أن يملأ الفراغ الروحي والاجتماعي، ولابد أن يجمع ما بين الحماسة الدينية مع النضالية القومية.

 

وجد المثقفون أنفسهم تحت ضغط مزدوج قبل أن تفوز دولهم بالحرية السياسية: تمتعهم بامتيازات عن الأغلبية من شعوبهم، وخضوعهم لهيمنة الحكام الأجانب. وهو يفسر ما يتميزوا به من تردد وتدبدب بالنسبة لدورهم في الحركات القومية. لكن أصبح هؤلاء عوامل أخرى في أهدافهم – الشعور بالذنب والمديونية تجاه الجماهير "الجاهلة"، وفي نفس الوقت الشعور بالانفصال والتفوق عليهم.

 

فالأنتلجنسيا تواقة إلى الانتماء دون أن تكون متشابهة، ودون أن تكف على أن تظل مستقلة ومتسامية. فهي تبحث عن حركة ديناميكية ستوحد الأمة، وتفتح آفاقًا واسعة وجديدة. ولكنها في نفس الوقت تعطي لها – أي الأنتلجنسيا – السلطة. وهي مؤمنة تمامًا بالتنمية، بالتنمية الكاملة في مجتمع هندسي، وتأمل في الإصلاح من "فوق"، وتفضل أن تقود عالم جديد بشعب "مقر بالجميل"، وترى كذلك أن حرية نضال الوعي الذاتي وارتباط الشعب الحر، ينشأ من عالم جديد من أجلها، وهي تهتم بالكثير من عوامل دفع دولها خارج الركود، ولكن بالقدر القليل من الديمقراطية. فهي تجد القيادة من أجل التصنيع، من أجل التراكم الرأسمالي. ومن أجل الانبعاث القومي الجديد. فسلطتها في علاقة مباشرة مع ضعف الطبقات الأخرى وسياستها البطالة. كل هذا يجعل من رأسمالية الدولة الديكتاتورية هدفًا جذابًا للمثقفين. يضاف إلى ذلك أنهم "حاملي الراية" الأساسية للشيوعية في الدول النامية. (وجدت الشيوعية أعظم قبول في أمريكا اللاتينية بين الطبلة والطبقة المتوسطة).

 

في الهند كانت نسبة الأعضاء من طبقات أخرى غير البروليتاريا والفلاحين في مؤتمر الحزب الشيوعي في "أمريستار" (مارس / ابريل 1958) هي 67% (طبقة وسطى، وملاك أراضي. وصغار تجار). 72% حصلوا على تعليم جماعي. (وقد وجد أنه في عام 1943 كانت نسبة من يعملون كموظفين لوقت كامل هي 16%).

 

الثورة الدائمة المنحرفة 

 

هذه القوى التي يمكن أن تؤدي إلى ثورة عمالية اشتراكية وفقًا لنظرية تروتسكي، يمكن أن تقود البروليتاريا في ظل غياب عامل موضوعي ثوري. لألبي نقيضها، دولة رأسمالية.

 

باستخدام ما يعد صحيحًا بشكل كامل وما بعد عارضًا في النظرية – اعتمادًا على الفعالية الموضوعية للبروليتاريا – يمكن أن نصل إلى مصطلح مختلف – مع غياب مصطلح أفضل – هو: "ثورة رأسمالية الدولة الدائمة المنحرفة".

 

وكيفما كانت ثورتا 1905، 1917 في روسيا، وثورة 1925 – 1927 في الصين. إثباتًا نموذجيًا لنظرية تروتسكي، كذلك فوصول "ماو" و"كاسترو" إلى السلطة هو نموذج مثبتًا أكثر وضوحًا ونقاء لنظرية "الثورة الدائمة المنحرفة".

 

تعد ثورات التحرر الوطني الأخرى – غانًا، الهند، مصر، إندونيسيا، الجزائر – انحرافات عن القاعدة. ففي هذه الدول، منع الانسحاب السياسي والعسكري للامبريالية، بالإضافة إلى الدعم المالي للطبقات المحلية المسيطرة،  وغالبًا ما كانت هذه الطبقات هي الأقسام الأساسية للبرجوازية، وكذلك العجز الذي أصابت به "موسكو" الأحزاب الشيوعية المحلية، منع من وجود رأسمالية دولة نقية ومهيمن عليها غرديًا من قبل البيروقراطية الستالينية الجديدة. وبالرغم من انحراف "نهرو" ،الهند، و"نيكروما" غانا، و"بن بيلا" الجزائر، بشكل أكثر وأقل عن نموذج "الثورة الدائمة المنحرفة"، إلا أنه يمكن فيهم ذلك بالمقارنة والأقتراب من وجهة نظر النموذج.

 

بعض النتائج تكتسبها الحركة العمالية استنباطًا من "الثورة الدائمة المنحرفة".

 

في أي من حالات نقائها أو انحرافها:

 

أولها: في ما يتعلق بالعمال في الدول النامية، والذين عجزوا عن تحقيق الثورة الدائمة وقيادة الثورة الديمقراطية حتى حدود الاشتراكية، وتوحيد الصراع القومي والاشتراكين لابد أن يكون عليهم الآن أن يقاتلوا ضد طبقت(هم) المسيطرة – وقد برهن نهرو على ذلك بقدر ليس أقل حدة مقارنة بالحكم البريطاني عند حصاره للإضرابات العمالية.

 

برغم ذلك سيكون العمال الصناعيون أكثر وأكثر استعداد للثورة الاشتراكية، ففي ظل حكومات وطنية جديدة ستزيد أعدادهم، ومن  ثم يكتسبون في خاتمة المطاف تماسكًا وسيطرة اجتماعية محددة.

 

ثانيهما: بالنسبة للاشتراكيين الثوريين في الدول المتقدمة التغيير في الإستراتيجية يعني أنه بينما يكون عليهم أن يواصلوا المعارضة بغير تحفظ لأي ضغط وطني للشعوب المستعمرة.

 

لابد أن أيضًا أن يكفوا عن محاولتهم في إثبات الوحدة الوطنية للطبقات المستقبلية المسيطرة في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية،، وأن يستثمروا بدلاً من ذلك التناقضات الطبقية والهياكل الاجتماعية لهذه القارات في المستقبل، فيصبح شعار "طبقة ضد طبقة" حقيقة أكثر فأكثر.

 

وتظل فكرة الأساسية لنظرية "ترورتسكي" صحيحة كما كانت دائمًا، فلابد أن تواصل البروليتاريا النضال الثوري حتى تنتصر على العالم بأسره. والتقصير عن هذا الهدف لن يجعلها تحقق حريتها.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل السابع

الماركسية والاضطهاد

 

يكمن الجوهر الحي للماركسية الثورية في أن تحرر الطبقة العاملة لا ينتج سوى من حركة الطبقة العاملة ذاتها. وفي نفس الوقت كان ماركس يجادل بأن الأفكار السائدة في كل مجتمع هي أفكار الطبقة الحاكمة، وفي الأغلب تؤدي تلك الأفكار لانقسام العمال إلى قوميات وأجناس وأديان مختلفة، إلخ. بيد أن اضطهاد البيض للسود، الرجال للنساء، إلخ، يفرق صفوف الطبقة العاملة ويبعثر وحدتها، وسياسة "فرق تسد" توطد سلطة الرأسماليين. 

 

لكن كيف إذن يؤثر الاضطهاد على حياة العمال المضطهدين؟ العمال السود في بريطانيا مثلاً يتم استغلالهم كعمال، حيث يتقاضون أجوراً أقل ويعملون في ظروف سيئة، ويسكنون مساكن رديئة، كما يُحرمون من أغلب الخدمات الاجتماعية. أما الاضطهاد الواقع عليهم يزيد من قسوة الاستغلال. 

 

نفس الشيء يحدث للنساء العاملات؛ فهن يضطررن لتحمل عبء مضاعف حيث يسعين للعمل وكسب العيش وفي نفس الوقت يتحملن مسئولية تربية الأطفال والعنالية بالمنزل. إنهن يعملن في مهن يضطررن كثيراً لتركها من أجل الالتفات للأطفال. وبالنسبة لهن، فإن الاضطهاد الواقع عليهن أيضاً يزيد من قسوة استغلالهن. 

 

كيف يؤثر الاضطهاد إذن على حياة العمال الذين يمارسون ذلك الاضطهاد؟ إنهم يعتقدون بالتأكيد أنهم أعلى شأناً من العمال المضطهَدين. لكن هي يستفيدون حقاً من هذا الوضع؟ 

 

يعتقد العمال البيض في الولايات الجنوبية في أمريكا أنهم يستفيدون من اضطهاد زملائهم العمال السود، إذ أنهم يتقاضون أجوراً أعلى، لديهم مساكن أفضل، وهكذا. لكن العمال البيض يتقاضون أكثر بكثير في الشمال. وفي الحقيقة فإن حتى العمال السود في الشمال أجورهم أعلى من العمال البيض في الجنوب.

 

العمال البروتستانت في أيرلندا الشمالية يعتقدون أن مهاجمة وضرب الكاثوليك أمر جيد بالنسبة لهم، وإلا لماذا يقدمون على ذلك؟ صحيح أن العامل البروتستانتي في أيرلندا الشمالية لديه فرصة أعلى من العامل الكاثوليكي في الحصول على وظيفة أفضل كثيراً، لكن نفس العامل البروتستانتي يتقاضى أقل كثيراً من زميله في بيرمنجهام أو جلاسجو. 

 

نفس الشيء ينطبق على الرجل والمرأة العاملة. العامل يتقاضى أكثر من العاملة، لذا فهو يستفيد من كونها مضطهدة. لكن تلك الرؤية سطحية تماماً لما يبدو عليه الأمر. 

 

إذا كنت مثلاً تسافر على متن قطار رديء وقذر، مثلك مثل أي رجل أبيض في ظل الرأسمالية، سوف تجد مقعد بجانب النافذة وتجلس عليه. أما المرأة أو الرجل الأسود فسوف يجلسون بعيداً عن النافذة، وعلى مقاعد قد تكون رديئة أيضاً. المشكلة الحقيقية هنا تكمن في القطار نفسه. كلنا مضطرين لاستقلال نفس القطار وليس لأي منا تحكم على السائق الذي يقود القطار عبر النفق.

 

إن القطاعات الأكثر تعرضاً للاضطهاد من الطبقة العاملة، دائماً ما تعكس أحوالهم الفظائع الأبشع للرأسمالية.كتب تروتسكي ذات مرة أن المرء إذا كان يرغب في بناء مجتمع جديد، فعليه أن ينظر في عيون النساء المضطهدات. وإذا كان يرغب في إدراك مدى وحشية الرأسمالية، عليه أن ينظر في عيون اليهود خلال الحرب العالمية الأولى. ونحن نقول: إذا كان يريد إدراك حقيقة المجتمع البريطاني، فعليه أن ينظر في عيون نيفيل ودورين لورينز الذي قُتل ابنهما الشاب الأسود على يد خمسة من النازيين الذين حمتهم الشرطة البريطانية. 

 

كيف إذن يمكن توحيد العمال البيض مع السود، أو العمال الرجال مع زملائهم النساء؟! لقد وضع فلاديمير لينين الفكرة الرئيسية في ذلك بمنتهى البساطة في 1902. لقد أوضح بجلاء أنه عندما ينظم العمال إضراباً عن العمل من أجل أجور أعلى، فهم إذن مناضلون نقابيون جيدون. أما إذا أضربوا عن العمل من أجل منع الهجوم على اليهود أو قمع التظاهرات الطلابية، فهم إذن اشتراكيون جيدون. 

 

الإضراب الذي ينخرط فيه العمال البيض والسود جنباً إلى جنب، قد يساهم في تجاوز العنصرية. الإضراب يقوي التضامن، والتضامن قد يأخذ العمال أبعد من القضية الراهنة، أما تأثير الإضراب على نفوس العمال والتغيرات التي تلحق بهم وبأفكارهم، فتلك هي النتائج الأكثر أهمية للإضراب. 

 

يمكن للتضامن أن يبدأ بمظاهرة ضد العنصرية التي قد تخلق حالة من الوحدة بين العمال السود. كانت اللقاءات التضامنية التي تم تنظيمها لمقابلة عائلة لورينز كبيرة جداً، وقد شارك فيها أناس بيض وسود. ولا شك أن ذلك سيؤثر ليس فقط على موقف الكثير من الناس تجاه الشرطة التي حمت القتلة النازيين، بل أيضاً سيساهم في إثراء حالة التضامن بين الناس حول قضايا أخرى.

 

مرة أخرى، إن الإضراب الذي يقف فيه الرجال والنساء، كتف بكتف، يساهم في إنهاء التفرقة بينهم على أساس الجنس. يجب هنا أن نتذكر كوميونة باريس حين قاتلت النساء بكل تضحية وتفاني، إلى درجة أن أحد الصحفيين البريطانيين قد كتب أنه "لو كان كل الكوميونيين نساء، لكانت الكوميونة قد انتصرت".

 

منذ سنوات، كنت بنفسي في اجتماع حاشد في لندن، عندها كنت أقول: "عندما تأتي الثورة، لن يكون غريباً أن يصبح رئيس مجلس العمال في لندن، أنثى، صغيرة السن، سوداء". وكنت قد اخترت تلك الصفات لأنها ببساطة جميعها تتحدى الأفكار السائدة التي تزرعها الرأسمالية، حيث يتم اعتبار صغر السن، قلة حكمة. ويتم احتقار الشخص الأسود. أما المرأة فلا تفقه شيئاً مقارنة بالرجل. 

 

وبعد الاجتماع، اقتربت مني امرأة سوداء صغيرة السن، وقالت "أنا امرأة وسوداء وصغيرة. إذن أنا من تتحدث عنها". وجاء ردي عليها كالتالي: "أنتي مخطئة يا آنستي. سوف تأتي الثورة خلال 10 سنوات على الأقل، وحينها سوف تكونين أكبر سناً بكثير". وبالطبع لا يمكن أخذ كلامي بشكل حرفي، فيمكن مثلاً أن يصبح رئيس مجلس العمال في لندن، عامل أيرلندي في الـ70 من عمره وله 15 حفيد. 

 

ينبغي على الثوري أن يكون معارضاً للاضطهاد إلى النهاية. الثوري الأبيض يجب أن يكون أكثر معارضة للاضطهاد من السود أنفسهم. يجب أن يعارض الثوري معاداة السامية بقوة أكثر من أي يهودي. الرجل الثوري يجب ألا يتسامح مع أي واقعة اضطهاد للمرأة أوالتحرش بها. يجب أن يكون الثوري سنداً لكافة المضطهدين. 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الثامن

النضال ضد الفاشية

 

درس صعود هتلر للسلطة 

 

في 30 يناير 1933 أصبح هتلر رئيس وزراء ألمانيا. لكن ذلك لم يكن محتم الحدوث، وهتلر نفسه لم يتوقع أن يحدث ذلك بسهولة. قبل ذلك بشهرين فقط، أي في نوفمبر 1932، حصل الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني على 7.2 مليون صوت في الانتخابات، فيما حصل الحزب الشيوعي على 6 ملايين صوت. لذا فإن المنظمتين العماليتين قد حصلتا سوياً على 13.2 مليون صوت، بينما حصل النازيون على 11.7 مليون، أي أقل بـ 1.5 مليون صوت. وعلى الرغم من ذلك، فإنه ليس بالعدد أو الكم يمكن قياس أهمية الأمر، بل بطبيعة الجمهور الانتخابي الذي أعطى أصواته للطرفين، أو كما أوضح تروتسكي: "بالمقاييس الانتخابية، فإن ألف صوت للفاشيين يعادل ألف صوت للشيوعيين. لكن بمقاييس النضال الثوري، فإن ألف عامل في مصنع واحد كبير يمثلون قوة أكبر مائة مرة من ألف موظف أو مسئول وزوجاتهم وآبائهم. إن الكتلة الانتخابية للفاشيين ليست إلا غبار بشري".

 

وعلى الرغم من ذلك، كانت قيادتا الحزب الاشتراكي الديمقراطي والحزب الشيوعي مفلستان سياسياً بشكل كامل. بالنسبة للحزب الاشتراكي الديمقراطي، فقد كان يستند إلى الدولة الألمانية وشرطتها تحت شعار "الدفاع عن الديمقراطية". وحتى بعد صعود هتلر إلى منصب رئيس الوزراء، كان أوتو ويلز، زعيم الحزب الاشتراكي الديمقراطي، يحاول طمأنة الشعب بأن الحكومة ليست كلها اشتراكية قومية، لكنها مكونة من تحالف بين الاشتراكيين القوميين والألمان القوميين، حيث كان ثلاثة وزراء فقط من إجمالي 12 وزير في الحكومة، نازيين، والـ 9 الآخريين محافظين. صحيح أن وليهلم فريك، وزير الداخلية النازي في حكومة هتلر، قد أعلن منذ توليه منصبه أن الوزارة ترفض حظر أي حزب، وأنهم لن يتدخلوا في حرية الصحافة، لكن بعد ذلك بشهرين فقط تم حظر الحزب الشيوعي واعتقال المرشحين الاشتراكيين في الانتخابات.

 

في 30 مارس 1933، تم تمرير قانون يمنح هتلر صلاحيات وسلطة غير محدودة، عبر الريخستاج (البرلمان الألماني). فيما وقف أوتو ويلز، زعيم الحزب الاشتراكي الديمقراطي الذي أشرنا إليه سابقاً، ضد القانون، لكنه في نفس الوقت أكد أن الحزب يعمل كجزء من المعارضة الشرعية وسوف يمارس معارضته بطريقة قانونية وشرعية، طريقة سلمية ولا عنيفة. قال ويلز: "حصلت أحزاب الحكومة على أغلبية الأصوات في انتخابات الخامس من مارس، وبهذا يكون لديهم الصلاحية للحكم باسم الدستور. نحن نقبل حكمهم على أي حال كأمر واقع".

 

أما بالنسبة للحزب الشيوعي، فلم يكن أقل تناقضاً ولم تكن قياداته أقل إفلاساً؛ فلقد خطوا خطو ستالين واتهموا الاشتراكيين الديمقراطيين بالفاشية، وبهذا فإنهم قد وضعوا النازيين والاشتراكيين الديمقراطيين في سلة واحدة. وفي 14 أكتوبر 1931، صرح السيد ريميل، زعيم كتلة الحزب الشيوعي في الريخستاج، أن الشيوعيين "ليسوا خائفين من السادة الفاشيين، وسوف يسحبون البساط من تحت أقدامهم أسرع من أي حكومة سبقت". كما أن ريميل قد أكد قبل ذلك أنه عندما يتم عزل هتلر سيأتي دوره هو بالتأكيد في رئاسة الوزراء.

 

على النقيض من تلك المواقف المتناقضة، دعا ليون تروتسكي الطبقة العاملة الألمانية للتوحد في مواجهة الكارثة القادمة التي مثلها هتلر. وفي كراسة له بعنوان "ألمانيا مفتاح لفهم الموقف الدولي" صدرت في 23 نوفمبر، كتب أن: 

 

"الاتجاه الذي ستسير فيه الأزمة في ألمانيا سوف يحدد ليس فقط مصير ألمانيا نفسها (بالرغم من الأهمية الكبيرة لذلك) لكن أيضاً مصير أوروبا والعالم كله لسنين طويلة قادمة. فوصول الاشتراكيين القوميين للسلطة في ألمانيا سوف يهدد، في المقام الأول، طليعة البروليتاريا في هذا البلد، فسوف يعني تدمير التنظيمات العمالية وبالتالي استئصال ثقة الطبقة العاملة في قدراتها وأملها في مستقبلها. وإذا وضعنا في الاعتبار مدى نضج واحتدام التناقضات الاجتماعية في ألمانيا، فإن نشاط الفاشية في إيطاليا قد يبدو باهتاً وضحلاً بالمقارنة بالنشاط النازي للاشتراكيين القوميين في ألمانيا". 

 

بعد صدور هذا الكراس بثلاث أيام، كتب تروتسكي مقالة طويلة تحت عنوان "من أجل جبهة عمالية ضد الفاشية"، لشرح المهام العملية الملحة أمام البروليتاريا الألمانية: "أيها العمال الشيوعيون الألمان: أنتم مئات الآلاف، بل ملايين. أنتم لا تستطيعون مغادرة البلاد بأي حال، فليس هناك ما يكفي من جوازات السفر من أجلكم. أما صعود الفاشية في بلدكم سوف يحطم عظامكم كالدبابة المخيفة. فقط الوحدة النضالية مع العمال الاشتراكيين الديمقراطيين هي التي ستجلب النصر. ليس هناك المزيد من الوقت. إن جبهة متحدة للعمال المناضلين ضد الفاشية هي ضرورة ملحة ولا غنى عنها". 

 

وفي 28 مايو 1933 (أي بعد صعود هتلر إلى السلطة بحوالي أربعة أشهر) في مقالة بعنوان "الكارثة الألمانية ومسئوليات القيادة"، أكد تروتسكي أن "الهزيمة المدوية التي تلقتها البروليتاريا الألمانية هي بالتأكيد الحدث الأهم منذ انتصار البروليتاريا الروسية في ثورة 1917". وفي 22 يونيو 1933، استنتج تروتسكي أن "الكارثة الحالية في ألمانيا هي بلا شك الهزيمة الأكبر للطبقة العاملة في التاريخ كله". 

 

حزب العمال الاشتراكي في بريطانيا استوعب الدرس جيداً

 

بعد ثلاث سنوات من تشكيل حزب العمال للحكومة في بريطانيا عام 1974، ارتفعت معدلات البطالة من 600 ألف إلى 1.6 مليون عاطل، كما انخفضت الأجور بشكل كبير، ولأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية تنخفض مستويات المعيشة بهذا القدر. ومع تصاعد معدلات الفقر والبطالة والحرمان من الخدمات الاجتماعية، انتعشت الجبهة القومية النازية وأصبحت أكثر رسوخاً في بريطانيا. وفي 1976 حصلت الجبهة على 44 ألف صوت في الانتخابات المحلية، أما الحزب القومي (وهو الحزب النازي الآخر في الموجود في بريطانيا) حصل على مقعدين في بلاكبرن. وفي 1977، حيث انتخابات المجلس الأعلى للندن، حصلت الجبهة القومية النازية على 119 ألف و63 صوت (أي 5% من الأصوات بدلاً من 0.5 % عام 1973)، واستطاعوا بذلك هزيمة الليبراليين في 33 دائرة انتخابية.

 

وفي أغسطس 1977 نظمت الجبهة النازية مسيرة في لويشام، تلك المدينة التي تقع جنوبي شرق لندن والمعروفة بالكثافة الكبيرة للسكان السود. استطاع 2000 عضو من حزب العمال الاشتراكي البريطاني تنظيم مسيرة شارك فيها 8000 شخص من العمال والشباب الذين كانوا أغلبهم من السود، والذين استطاعوا قطع الطريق على مسيرة الجبهة النازية وإيقافها. 

 

كانت أحداث أغسطس 1977 في لويشام بمثابة قاعدة انطلاق لتأسيس اتحاد لمناهضة النازية في نوفمبر من نفس العام. وقد كان ذلك الاتحاد عبارة عن جبهة متحدة بين حزب العمال الاشتراكي وبعض نواب البرلمان على يسار حزب العمال الحاكم، وحظى الاتحاد بشعبية كبيرة جذبت الشباب المناهضين للفاشية. وحينما نظم الاتحاد أول احتفالية في أبريل 1979 قبل الانتخابات المحلية، فاق النجاح كل التوقعات، حيث شارك 80 ألف شخص في مسيرة طويلة بدأت من ميدان ترافالجار لتنتهي بحفل موسيقي في متنزه فيكتوريا على بعد 6 أميال. وقد نظم الاتحاد أيضاً، بالتعاون مع حركة مناهضة العنصرية، احتفاليات كبرى في مانشستر (حيث شارك 35 ألف شخص) وفي كارديف (5000 شخص) وفي إيدنبرج (8000) وساوث أمبتون (5000) وهارويتش (2000) وبرادفورد (2000) وفي لندن مرة أخرى (10 آلاف شخص). ونتيجة لكل ذلك المجهود، هبطت أعداد الأصوات التي أُعطت للجبهة النازية في الانتخابات؛ ففي ليدز هبطت الأصوات بنسبة 54%، وفي برادفورد 77%، وحتى في منطقة نفوذ الجبهة النازية جنوب شرق لندن فقد هبطت الأصوات بنسبة 40%.

 

تحت ضربات اتحاد مناهضة النازية، لم يستطع الفاشيون أن يحظوا بأي تأييد كما كانوا في السابق. ففي الانتخابات المحلية الأخيرة في انجلترا في 17 مايو 1998، كانت إجمالي الأصوات التي أعطيت لكل من الحزب القومي البريطاني والجبهة القومية، تقدر فقط بـ 3000 صوت. ويمكننا أن ندرك درجة الهبوط الكبير في جماهيرية أوالئك الفاشيين عندما نتذكر أن الجبهة القومية وحدها قد حصلت على 44 ألف صوت في انتخابات 1976، و119 ألفاً في انتخابات 1977. 

 

تركزت سياساتنا في محاربة الفاشية على مسارين أساسيين: محاربة الفئران، وتطهير البالوعات التي تتكاثر فيها تلك الفئران. إن محاربة الفاشيين ليست كافية بالتأكيد، ولذلك علينا محاربة البطالة وتدهور الأجور والحرمان الاجتماعي الذي يخلق تربة خصبة لنمو وانتعاش الفاشية. 

 

ماذا عن الفاشية اليوم؟!

 

لنقارن الآن تلك الأوضاع بفرنسا مثلاً. في انتخابات عام 1974، حصلت الجبهة القومية ذات النزوع الفاشي في فرنسا فقط على 0.74% من الأصوات، أما في 1981 فقد حصلت على نسبة أقل من الأصوات: فقط 0.5% منها. لكن مع وصول فرانسوا ميتران للرئاسة في انتخابات 1981، تغيرت الأمور بشكل كبير. كان قدر الإحباط هائلاً وتضاعفت نسب البطالة، وانتعشت الجبهة القومية في تلك الظروف كثيراً، وفي انتخابات 1984 حصلت على 11% من الأصوات، أي ما يُقدر بـ 2 مليون صوت. أما في 1986 فقد استطاعت الجبهة أن تحوز 35 كرسي في البرلمان الفرنسي، تماماً مثل الحزب الشيوعي. ظل نفوذ الجبهة القومية في اتساع متواصل خاصةً في المدن الصغيرة جنوبي فرنسا، حتى أنه في الانتخابات الأخيرة التي عقدت في يونيو 1997، حصلت الجبهة على 5 ملايين صوت، أي 15% من إجمالي الأصوات الانتخابية. 

 

لكن السؤال المهم هنا هو لماذا انحدر نفوذ الجبهة القومية النازية في بريطانيا بشكل كبير، بينما انتعش نفوذها في فرنسا هكذا، وفي نفس الفترة الزمنية تقريباً؟ وذلك بالرغم من أن نسبة السكان السود في بريطانيا وفرنسا متماثلة. ونفس الشيء بالنسبة للبطالة، ففي فرنسا وبريطانيا تتراوح نسب البطالة بين 5 إلى 6%. والأغرب أن مستوى النضالات العمالية في فرنسا أعلى كثيراً من تلك التي في بريطانيا. 

 

الفرق الذي أدى إلى صعود الجبهة القومية في فرنسا وتدهورها في بريطانيا هو ببساطة وجود اتحاد مناهضة النازية في بريطانيا، أما في فرنسا فإن المنظمة الرئيسية التي تناهض النازية فهي منظمة إس أو إس (SOS) التي تتذيل الحزب الاشتراكي الفرنسي، والتي يرفض زعيمها، هارليم ديزير، مواجهة الجبهة القومية بشكل مباشر تحت دعوى أن ذلك "سيصب في مصلحة لو بان". لذلك فإن الجبهة عندما تدعو للتظاهر فإن تلك مظاهراتها لا يتم مواجهتها من قبل إس أو إس.

 

كان دور ميتران، زعيم الحزب الاشتراكي الفرنسي، في إخصاء إس أو إس مركزياً في إنعاش الجبهة القومية النازية. ولا يمكن هنا أن ننسى أن ميتران نفسه كان مسئولاً كبيراً في حكومة مارشال بيتان أثناء الحرب العالمية الثانية، تلك الحكومة التي تعاونت مع النازيين الألمان أنفسهم في إرسال 70 ألف يهودي للإعدام في غرف الغاز. وبعدما أصبح ميتران رئيساً لفرنسا، يذهب سنوياً في ذكرة وفاة "بيتان" ليضع إكليلاً من الورود على قبره، باعتباره "قائد وطني كبير". 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Partager cet article

Repost 0
Published by تيار اليسار الثوري في سوريا
commenter cet article

commentaires