Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
28 mai 2014 3 28 /05 /mai /2014 18:24

 

الإدارة الشعبية في سوريا.. نظرة من الداخل

بستان القصر - سوريا

تصاعد الصراع المسلح على الأراضي السورية، وفي ظل تعدد الفصائل والأهداف، خلق على الجانب الآخر تعتيما واضحا قد يتخيله البعض حيال الإدارة الشعبية في سوريا. الأرقام توضح تفاقم الوضع الداخلي السوري لما يقارب نصف السوريين يعانون تهجيرا إما داخليا أو خارجيا، في حين يقبع النصف الآخر تحت الحصار والقصف العسكري المتواصل وصراع مسلح دائر بين أطياف القوى المختلفة، وهو ما يثير الأسئلة حول واقع الإدارة الشعبية في ظل تراجع بل واستهداف الدولة للمدنيين.

وفقا للكاتب الماركسي سيمون عساف، ومن خلال مقابلاته للعديد من النشطاء السوريين، فإنه: “في الأيام الأولى للثورة التي بدأت في مارس 2011، شكل المناضلون لجان التنسيق المحلية وذلك لتنظيم الاحتجاجات ضد نظام بشار الأسد. وقد نشأ الآلاف من هذه التنسيقيات في الأحياء السكنية والقرى والبلدات والمدن في مختلف أنحاء البلاد. وأصبحت لجان التنسيق المحلية صوتا مهما للثورة، فتنظم المظاهرات وتنشر صحفا، ولازال هدفهم إقامة دولة مدنية، تعددية وديمقراطية، ويرفضون بقوة كل المحاولات الرامية إلى خطف الثورة. وبانسحاب النظام من أجزاء واسعة من البلاد تحولت التنسيقيات الثورية إلى مجالس محلية.. بعض المجالس تخدم مئات الآلاف من الناس، وبعضها الآخر انتشر في قرى قليلة الكثافة السكانية، وتمثل في مختلف أنحاء البلاد ملايين السوريين”.

دور المجالس المحلية
ظهور التجارب الشعبية هو النتيجة الملحة في الواقع السوري وفي ظل استهداف الدولة لسبل العيش بما في ذلك حرق مواقع النفط والوقود وحقول المحاصيل الزراعية مثلما حدث عند بدء حصار حمص في العام الأول للثورة، تطورت المجالس لتشمل عدة قطاعات. المجلس المحلي لمدينة داريا، بريف دمشق، يضم مكتب التنمية والخدمات الذي يقوم على إصلاح ما أمكن من شبكات المياه الرئيسية لتأمين وصول المياه إلى المنازل والأراضي الزراعية وإزالة الأنقاض من الطرق الرئيسية نتيجة الدمار والقصف المستمر وإقامة السواتر الترابية والخنادق. وقبل عام تقريبا، تأسس مجلس محافظة حلب ليتشكل من 10 أقسام ضمت فريق الدفاع المدني الذي توزعت عضويته على 3 قطاعات تهدف لتغطية مدينة حلب بالكامل، تتجلي مهامه في انتشال الجثث من تحت الأنقاض وإنقاذ العالقين وإطفاء الحرائق وتقديم الإسعافات الأولية للمصابين وسط نقص حاد في الآلات المتوفرة.

المجالس المحلية في المناطق المحاصرة لعبت دورا كبيرا في تخفيف ضغط الحصار الغذائي التي تمارسه القوات النظامية بحصارها العسكري وقصف الطيران والمدفعية المتواصلين، المجلس المحلي للريف الشمالي بحماة مثلا واجه صعوبة في توفير الطحين، فقاموا بشرائه من التجار المستوردين للطحين بتركيا أو تهريبه من المناطق الخاضعة لسيطرة النظام وفي المقابل تأمين توزيعه ووصوله للأهالي المحاصرين أو بيعه بأسعار رمزية. كما أعلن المجلس الطبي لمدينة حلب افتتاح معهد ومدرسة التمريض والإسعاف، وذلك بالمناطق المحررة التي يسيطر عليها الثوار لسد احتياجات المستشفيات الميدانية.

وبالتعاون مع مجلس ثوار صلاح الدين بحلب ومركز توثيق الانتهاكات في سوريا، أطلق المجلس المحلي لمدينة داريا بريف دمشق، المحاصرة منذ أكثر من عام، حملة “آن للقيد أن ينكسر” لتسليط الضوء على حال المعتقلين في سجون الأسد والمقدر عددهم بما لا يقل عن 250 ألف معتقل منذ اندلاع الثورة السورية قبل 3 أعوام. تضمنت الحملة حصر لأسماء المعتقلين وصورهم وتنظيم اعتصامات للمطالبة بالإفراج عنهم في عدة عواصم دولية منها بيروت. كما أطلق حملة، بسبتمبر الماضي، بعنوان “داريا.. حكاية أمل” تهدف لفضح ممارسات الجيش النظامي بنشر تقارير عن الوضع المعيشي المزري بالمدينة. فيما سعى المكتب الإعلامي إلى تفعيل الحملة بتشكيل سلسلة بشرية أطلق عليها “الأمل”، وهي الحملة الثالثة من نوعها بعد حملات أعقبت مجزرة داريا بأغسطس 2012 وأخرى بنوفمبر من نفس العام ومع بدء الحملة العسكرية ضد المدينة، وتوثيق الحراك والعمليات العسكرية بالوسائل الإعلامية المتاحة.

وفي ظل الحصار الخانق لبلدة النبك بمدينة القلمون بشهر ديسمبر الماضي وفي معارك استمرت لعدة أسابيع، شارك المركز الإعلامي السوري بالمدينة في فضح الجيش النظامي واستهدافه للمنطقة بالغازات السامة بالإضافة إلى توثيق الجرائم الشنيعة التي ارتكبتها المليشيات العراقية بحق المدنيين بقتلهم ذبحا وحرقا واغتصابا.

أما مخيم اليرموك المحاصر من القوات النظامية، فتمحور دور مكتب جنوب دمشق الإعلامي حول فضح الجرائم الإنسانية للنظام الأسدي بالمخيم ببث أول صور لطهو المدنيين لقطط مذبوحة إثر سقوط العشرات من الجوع موتا جراء الحصار. ومن خلال متابعة الأحداث وملاحقتها الخبرية من قبل النشطاء، استطاع المركز الإعلامي لمدينة داريا تسجيل فيلما وثائقيا عن الحملة العسكرية الكبرى التي شنها النظام السوري بنوفمبر 2012، لفضح الاستراتيجيات وخطط الجيش النظامي في تطويق المدينة واستهدافها بالسلاح الكيماوي. كما شارك مكتب الإغاثة في تأمين خروج المدنيين إثر اتفاق توصل إليه الصليب الأحمر مع النظام السوري تحت الضغوط الدولية لإخراج الحالات الحرجة بنهاية أكتوبر الماضي.

وفي أعقاب مؤتمر جنيف 2 ومساومات النظام لكسب أراضي جديدة لسيطرته تحت ما يسمى زورا بـ”المصالحة الوطنية”، لعب المجلس المحلي لمدينة داريا دورا نوعيا في مفاوضات فك الحصار عن المدينة مع النظام الأسدي الذي انتهج أساليب الحصار لإحكام قبضته على المدن، مما أدى إلى حالات الشح والنقص الحاد في المواد التموينية والغذائية. يلجأ النظام بالتزامن مع الحصار الاقتصادي إلى تكثيف الضربات العسكرية والاقتحامات الأمنية بالدرجة التي يستغلها، باعتباره الطرف الأقوى، في فرض خيار التفاوض على فك الحصار وتسهيل دخول المواد الغذائية والإغاثية أو نزوح الأهالي من المنطقة المنكوبة، يتم التفاوض في مقابل تسليم العناصر المسلحة من الجنود والأهالي إلى الجيش النظامي. هنا، النشطاء وأعضاء المجلس المحلي قد يدفعون الثمن باعتقالهم فور تنفيذ الاتفاق، مثلما حدث عند فك حصار المعضمية، الذي استمر لأكثر من عام، والسماح بنزوح النساء والأطفال مع احتجاز الجيش النظامي للذكور المتراوحة أعمارهم بين 14 إلى 60 عاما.

وبحكم أرض المعركة وتشابك الأهداف، وجدت المجالس الشعبية الناشئة اتصالا مع العناصر المسلحة المنشقة من الجيش الحر، مجلس قيادة الثورة في حماة أوضح عدة وسائل اتخذها الناشطون من أجل التوافق مع ظروف المعركة الإجبارية المفروضة عليهم من جانب النظام ومن خلال استخدامه لقصف طيرانه العسكري بل والاعتماد عليه بشكل رئيسي قبيل التوغل العسكري، فمن خلال المراصد المنتشرة مثلا في كفرنبودة بحماة اعتمد أعضاء مجلس قيادة الثورة على العناصر العسكرية ومتابعتها لتلك المراصد التي ترصد حركة الطيران عند خروجها من المطار وحتى وصولها وتحديد إحداثيتها وأماكن القصف المحتمل ومن ثم تعميم الخبر للثوار وتحذير الأهالي لإخلاء أماكنهم في المناطق المستهدفة واللجوء لأماكن أكثر أمنا بالمنطقة في محاولة لتقليل الخسائر البشرية في ظل القصف المكثف. ومع انقطاع الكهرباء وتطويق الحصار تزداد أهمية المراصد لدى الأهالي باعتبارها الوسيلة الإعلامية المتاحة والأكثر دقة مقارنة بالإعلام الحكومي المضلل.

التجارب الشعبية في الإدارة الذاتية طرحت على الجانب الآخر إمكانية الانتخاب الديمقراطي والمشاركة الحرة في الاختيار. انتخاب المجلس المحلي لمدينة داريا، والذي تم تكوينه قبيل اجتياح القوات العسكرية النظامية للمدينة بنوفمبر 2012، تم وفقا للائحة داخلية وضعها المواطنون، وتخضع للتطوير بشكل دوري، بحيث يتم إعادة الدورات الانتخابية مرة واحدة كل 6 أشهر يتم فيها انتخاب رؤساء المكاتب الفرعية ورئيس المجلس ونائبه مع تفعيل الجهة الرقابية على الآداء بإنشاء مجلس تشريعي يتم انتخاب أعضائه أيضا من تلك المكاتب. وفي دير الزور، شرق البلاد، خاضت الأهالي انتخابات لتعيين أعضاء ومسئولي المجلس المحلي، فبراير من العام الماضي، كأول انتخابات تشهدها المدينة ويشارك بها المواطنون بحرية منذ ما يزيد عن 40 عاما. الإصدار الإعدادي للائحة الداخلية للمجالس المحلية في المحافظات شمل تعاريف بمهام المجالس والتقسيمات الإدارية وشروط العضوية وأهداف المجالس وغايات عملها.

كما اتسع مفهوم التجارب الشعبية ليشمل مبادرات أهلية متنوعة لتوفير الغذاء من المناطق الآمنة نسبيا إلى الأهالي بالمناطق المنكوبة، وتنظيم شعبي للعملية التعليمية التي توقفت إثر استهداف النظام لما يزيد عن ألفين مدرسة بأنحاء البلاد.

تحديات التجارب الشعبية
ومثلما مارست القوات النظامية قمعا مفرطا واستهدافا مباشرا للنشطاء الثوريين في محاولات دائمة لتصفية الثورة، فالدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش” مارست نفس الدور المضاد باعتقال النشطاء واقتحام المقرات الإعلامية بمدينة كفرنبل ومحاولة استبدال المجالس الشعبية المنتخبة بقوى شرعية مفروضة تتعارض بشكل جذري مع المطالب الشعبية، مما أثار العديد من الاحتجاجات والإضرابات مثلما حدث بمدينة أعزاز مطلع العام الحالي.

التجارب الشعبية تواجه أيضا محاولات الاستحواذ من جانب المعارضة بالخارج لما تمثله من أهمية قاعدية في مرحلة ما بعد الأسد بل وتعيينهم لبعض القيادات الغير منتخبة شعبيا لإدارة تلك المجالس. وفي السياق لا يمكن استبعاد بعض الحالات التي انبثقت عنها المجالس المدنية من المجالس العسكرية وتشكلت منها بحكم استباق الصراع المسلح لنظيره الشعبي في بعض المناطق.

وفي المجمل، فالممارسات التدميرية والقمعية التي ينتهجها النظام طيلة 3 أعوام وسط تحركات ميدانية اعتمدت على تقسيم المناطق وحصارها المطبق، ساهمت، بشكل كبير، في إضعاف الحالة التنظيمية لكل الأنوية الشعبية البديلة، وهو ما انعكس بالضرورة على ضعف أفق تصدر تلك الكيانات التنظيمية للمشهد، بل حصر آدائها بالدرجة التي تجد تلائما نوعيا فيه مع الظروف المحيطة في ظل ضعف البدائل، وهو ما لا يمكن إغفاله حال تقييم نماذج الإدارة الشعبية في سوريا.

Partager cet article

Repost 0
Published by تيار اليسار الثوري في سوريا
commenter cet article

commentaires