Overblog Suivre ce blog
Administration Créer mon blog
16 novembre 2013 6 16 /11 /novembre /2013 23:23

سوريا ليست بخير، الثورة المضادة تتقدم:


ابتلي شعبنا بنظام مجرم (يقاتل الى جانبه حلفائه) دمر اكثر من نصف سوريا وقتل وشرد الغالبية العظمى من شعبنا.
وابتلى شعبنا أيضاً بدول إقليمية ودولية (مثل مشايخ وممالك الجهل والفساد ..)تدعى انها صديقة للشعب السوري لم تفعل شيئا سوى محاولتها إفشال الثورة او تطييفها وحرفها عن مسارها الوطني والشعبي، وبعضها قام ، كما النظام ، بدعم المجموعات الجهادية والتكفيرية.
كما ابتلى شعبنا بمعارضة سياسية كرستها وركبتها هذه القوى والدول الإقليمية والدولية المذكورة أعلاه ، لا هم لأغلب شخوص هذه المعارضة المبتذلة سوى الارتزاق والارتهان الشخصي مع فساد يضاهي فساد النظام.
لهذه الأسباب ، وغيرها، يتعرض الحراك الشعبي والثوري الأصيل ، الذي تم قتل اغلب ناشطيه او اعتقالهم او تهجيرهم من قبل النظام من جهة وقوى الثورة المضادة من جهة اخرى ، الى حالة استنزاف هائلة ليتحول اليوم الى جزر معزولة.
إذن، تتقدم الثورة المضادة بسرعة كبيرة. ولا بد من الاعتراف بان الثورة الشعبية تمر اليوم باصعب لحظاتها ، مرحلة التراجع، رغم انها ليست سوى لحظة من سيرورة طويلة.
ومع ذلك ، ولأننا نعتقد بأنها ليست سوى لحظة في سياق طويل وان الديناميات الثورية ستستمر سنوات طويلة ، فإننا نقف مع من بقي ،من الثوار، يحمل مبادئ الثورة الشعبية في الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية في مواجهة كل أعدائها .
انها لحظة تراجع مؤقتة، لن تدوم طويلا، ستنهض الجذوة الثورية للجماهير مجددا لتكنس هذا النظام البرجوازي الدكتاتوري ومعه معارضة الارتزاق والفساد والقوى الرجعية.
تتطلب المرحلة إذن من اليسار الثوري الارتقاء بفعاليته وكفاحه لمواجهة تحدياتها.
صامدون
غياث نعيسة

Repost 0
Published by تيار اليسار الثوري في سوريا
commenter cet article
8 novembre 2013 5 08 /11 /novembre /2013 21:59
بقلم توني كليف  -  ترجمة أشرف عمر
لينين والحزب الثوري
الأربعاء 19 يناير 2011

تقديم

منذ السنوات الأولى لانتصار الثورة الاشتراكية في روسيا عام 1917 وحتى وقتنا هذا، أعدت الكثير من الدراسات التي تتناول قيادة الحزب البلشفي الطبقة العاملة للنصر في ثورة أكتوبر. وبالرغم من تنوع هذه الدراسات بين ما يسعى لتمجيد لينين والقادة البلاشفة وبين ما يدرس العلاقة المركبة بين الحزب الثوري والطبقة العاملة، إلا أن هذه المقالة، التي أعدها الاشتراكي الثوري البريطاني توني كليف، تعد واحدة من أهم تلك الدراسات على الإطلاق. 

إذ أنها تتناول إسهام لينين في بناء أنجح الأحزاب الاشتراكية الثورية حتى الأن: الحزب البلشفي. وتعود أهميتها في أنها تسلط الضوء على مناطق جديدة تماماً في هذه المسألة، فهي لا تتناول فقط نظرية لينين ولكن أيضاً ممارسته في إدارة الحزب داخلياً. وهو الجانب الذي لم ينل قسطاً وفيراً من الدراسة والتحليل، وإن كان  تم تناوله، فقد كان ذلك على سبيل تمجيد تراث لينين باعتباره خالي من الأخطاء أو السقطات، وليس كتراث من التجربة والخطأ، والفشل وإعادة التقييم والتصويب المستمر، حيث يمكن تطوير النظرية فقط من خلال صقلها بالممارسة العملية. 


(المترجم) 

مقدمة

من أجل إنجاز الثورة الاشتراكية، نحن بالتأكيد نحتاج حزباً ثورياً، وذلك بسبب التفاوت في الوعي بين القطاعات المختلفة داخل الطبقة العاملة. فإذا كانت الطبقة العاملة متجانسة أيديولوجياً، لن يكون هناك حاجة لقيادة. لكن الثورة لن تتنظر حتى يصبح جميع العمال على مستوى وعي ثوري واحد، وحده الحزب الثوري هو الذي يستطيع تقدير اللحظة الثورية والتحرك فيها سريعاً لينبه الطبقة العاملة، جزئياً، بمهامها الثورية. 

إلا أن التفاوت في الوعي ليس أمراً ثابتاً، فأحياناً تتحرك أكثر القطاعات تأخراً في الطبقة العاملة بسرعة شديدة إلى الأمام. والمجموعات المختلفة من الطبقة العاملة تتأثر، بدرجات مختلفة، بأفكار وتأثيرات الطبقات الأخرى، وأعضاء الحزب الثوري لا يشكلوا استثناءاً في ذلك. أما القيادة الحزبية للطبقة العاملة فهي نتاج النضال ضد تلك التأثيرات المختلفة. وداخل الحزب نفسه، تحصن القيادة الثورية نفسها بالكفاح والنضال من أجل إرساء السياسات الصحيحة. وبنفس المنطق ينبغي على حزب الطليعة العمالية أن يحفز مبادرة واستقلالية جماهير العمال، ومن خلال المركزية الديمقراطية عليه أن يطور مبادرة واستقلالية أعضاء الحزب أنفسهم. كان هذا بشكل عام هو تصور لينين عن الحزب الثوري وعلاقته بالطبقة العاملة، وشكل منظمة الحزب وفقاً لهذه العلاقة. 

لكن الصورة العامة لمنظمة الحزب، في شكلها المثالي، لا تتحقق دائماً على أرض الواقع. ففي الصورة المثالية، يجب أن يكون مركز الحزب –الذي يضم أفضل عناصر الحزب- متقدماً عن الهيئات المحلية واللجان الفرعية للحزب. والأشكال التنظيمية الأخيرة يجب أن تؤثر في وتتأثر بالقيادة المركزية للحزب. 

بينما في الواقع العملي، أحياناً ما يصبح الأمر مختلفاً بشكل كامل. فالقيادة المركزية للحزب قد تتقدم عن الأشكال التنظيمية المحلية والفرعية داخل الحزب من خلال اتباعها لروتين ثابت. لكن ذلك الروتين ذاته قد يولد لدى القيادة الحزبية ميول شديدة المحافظة، وحين تحدث تحولات أو تغيرات سياسية حادة تطرح مهام جديدة في الصراع الطبقي، قد تتخذ القيادة الحزبية -في حالة عزلتها عن النضالات القاعدية- مواضع أكثر تأخراً بكثير عن كثير من عضوية الحزب القاعدية. في حين تستطيع قطاعات معينة في الحزب أن تتفاعل سريعاً مع المهام المطروحة وفق التغيرات الجديدة في الصراع. لذا فكلما كان هيكل الحزب جامداً كلما كان تفاعله مع المهام المتجددة في الصراع الطبقي بطيئاً. 

وهنا يمكننا تلخيص أفكار وممارسة لينين في عدد من العناصر الأساسية: 

1)    صحة النظرية أو خطأها يتحدد عن طريق تطبيقها.  

2)    النظرية لا تتطور إلا من خلال خوض الممارسة العملية على أرضية النضال الطبقي. 

3)    إن تطور توجهات مختلفة للنضال يجعل من الضروري البحث فيما يربط تلك التوجهات بما يحدث في الواقع العملي. 

4)    المنظمة الثورية محددة تاريخياً، لكن ليس فقط وفقاً للنظرية العامة، بل أيضاً يجب عليها أن تتمتع بالمرونة التي تؤهلها للاستجابة المستمرة للمتغيرات الكبرى في الصراع الطبقي. 

5)    القاعدة الأساسية التي يرتكز عليها الحزب الثوري في ممارسته العملية هي المركزية الديمقراطية، لكن في بعض الأحيان يصبح كسر القواعد ضروري لصالح الثورة ذاتها. 

6)    القواعد التنظيمية في الحزب هي الوسيلة التي من خلالها يمكن السيطرة على الميول الفوضوية لدى بعض الأعضاء أو المجموعات الصغيرة (التي غالباً ما تنتمي للطبقات الوسطى)، لكن تلك القواعد يجب ألا تمنع أو تحد من مرونة الحزب التاكتيكية. وفي فترات الاحتدام في الصراع الطبقي، يكون من واجب الأعضاء الأكثر إخلاصاً في الحزب كسر الانضباط بتلك القواعد ذاتها. 

7)    من الضروري تجنب النشاطوية والغرق في الممارسة والاستهتار الانتهازي، بدون الوقوع في فخ الالتزام بالقواعد بشكل دوجمائي أعمى. 

إن الإسهام الحقيقي للينين في كيفية عمل وممارسة الحزب الثوري تتجلى في تاريخ نشاطه وممارسته الثورية، وليس في النظريات المجردة. وتقدم هذه المقالة بعض الأمثلة التي تشرح هذه النقاط، كما المقالة أن تتعاطى مع مسألة في غاية الأهمية، ألا وهي: القواعد والانضباط الحزبي. وبالرغم من أن تناول موضوع محدود مثل هذا يقود عادةً إلى نظرة ضيقة، إلا أنه لا يمكن فهم العمل الداخلي للحزب الثوري دون النظر إلى العلاقة بين هذا الحزب ونضالات الطبقة العاملة. 

ما العمل؟ 

إن الأفكار المبكرة للينين حول التنظيم الثوري قد تبلورت في كتابه "ما العمل؟"، الذي كتبه في 1902، حيث جادل أنه.. "لا يمكن أن يتطور وعي اشتراكي ديمقراطي بين العمال بشكل تلقائي. هذا الوعي يمكن فقط أن يأتي لهم من الخارج.. بينما تستطيع الطبقة العاملة، في طريق نضالها، أن تطور وعي نقابي: أي الاقتناع بضرورة تأسيس والانضمام إلى نقابات، وشن النضال ضد أصحاب العمل، والكفاح لإرغام الحكومة على سن تشريعات عمالية".

وقد استرسل لينين ليؤكد أن.. "حركة الطبقة العاملة العفوية تتلخص في النقابوية. والنقابوية تعني استعباد البرجوازية أيديولوجياً للعمال. لذا فإن مهمتنا تكمن في تحويل العمال عن الكفاح العفوي النقابوي". 

لكن لماذا تؤدي "الحركة العفوية" إلى سيطرة أيديولوجية البرجوازية؟ لسبب بسيط وهو أن الأيديولوجيا البرجوازية أقدم بكثير من الأيديولوجيا الاشتراكية، كما أنها قد اكتمل تطورها وتملك وتتحكم في وسائل أكبر وأقوى بكثير للهيمنة والسيطرة على أفكار الجماهير. 

أما الأشكال التنظيمية التي تحتاجها الاشتراكية الثورية، فهي بالتأكيد مستمدة من المهام السياسية التي تطرح نفسها عليها: "في ظل الدولة الأوتوقراطية، كلما كان تحديد الأعضاء دقيقاً، بأنهم أولئك الأشخاص المرتبطين بالنشاط الثوري بشكل محترف والمتدربين باحترافية على فن مراوغة البوليس السياسي، كلما كان من الصعب الإجهاز على المنظمة". هكذا كتب لينين في "ما العمل؟". 

تبلورت فكرة لينين بشكل أكثر اكتمالاً في إحدى وثائق عام 1904، حيث كتب أن أسفل اللجنة المركزية يجب أن يكون هناك نوعين من المجموعات: محلية وصناعية. "اللجان المحلية يجب أن تضم اشتراكيين ديمقراطيين ذوي قناعة كاملة بالأفكار، ويسخرون أنفسهم بالكامل للنشاط الاشتراكي الديمقراطي"، على أن تكون اللجان صغيرة العدد. "أما كافة الهيئات الأخرى، فيجب أن تتبع اللجنة المركزية، ويجب أن يكون لديها مجموعات في الأحياء والمقاطعات في المدن الكبرى، ومجموعات مصنعية دائمة وفي كل مكان". "ومن حق مجموعات الأحياء أن تعمل باستقلالية فقط فيما يخص مسائل النقل والتوزيع". أما حلقات المصانع فهي "شديدة الأهمية بالنسبة لنا... ويجب أن يصبح كل مصنع قلعة للاشتراكية الديمقراطية". 

كيف كان الحزب يعمل على أرض الواقع؟

إلا أن الأمور بدت مختلفة تماماً على أرض الواقع، فقد امتلئت خطابات لينين التي كان يرسلها من المنفى للجان الحزب في روسيا، بالكثير من الشكاوى عن نقص المعرفة وقلة التثقيف وقلة أعداد المتعاطفين والمتعاونين حول تلك اللجان. هكذا كان، على سبيل المثال، يسأل لجنة الحزب في أوديسا.. "هل تضمون عمالاً إلى لجنة الحزب؟ هذا الأمر غاية في الأهمية. لماذا لا تجعلوا الحزب في علاقة مباشرة مع العمال. ليس هناك عامل واحد يكتب لجريدة فبريود.. هذه فضيحة بكل المقاييس. نحن نحتاج، تحت أي ظرف، عشرات العمال ليراسلوا الجريدة". وفي أحيان أخرى، كان لينين يكتب بيأس بالغ.. "نحن نتحدث عن المنظمة وعن المركزية، لكن في الواقع هناك حالة من عدم الوحدة والهواية في الأداء، حتى بين الأعضاء شديدي القرب من مركز الحزب، وكأنكم تخليتم عن الأمر كله باشمئزاز". 

في بداية عام 1905، كتبت كروبسكايا، زوجة لينين، من جينيف إلى لجنة الحزب في بطرسبورج، ما يلي: "لقد علمنا من الجرائد الأجنبية أن ثمة إضراب وقع في مصنع بوتيلوف. هل لدينا أية صلات هناك؟ هل الحصول على معلومات عن الإضراب مستحيل إلى هذه الدرجة؟". وقد علّق نفيسكي على هذا الخطاب قائلاً أن "لقد بدأت رأس حربة الحركة البروليتارية، عمال مصنع بوتيلوف(1)، في النضال ضد الرأسماليين، لكن قيادة الحزب في الخارج علمت عن الأمر من الجرائد الأجنبية، ولم تستطع إدراك أن الإضراب كان في ارتباط قوي بحركة الإضرابات الهائلة للبروليتاريا في بطرسبورج". 

وفي المؤتمر الثالث للحزب البلشفي، اعترفت لجنة الحزب في بطرسبورج أن "أحداث يناير 1905 قد جعلت لجنة الحزب في وضع مؤسف للغاية، فالروابط بين اللجنة والجماهير العمالية كانت غير منظمة بالمرةً.. ولم يكن هناك أي عامل في اللجنة. وإضراب مصنع بوتيلوف قد جعل اللجنة في ارتباك هائل". وكنتيجة مباشرة لضعف وقلة خبرة أعضاء لجنة بطرسبورج، وانعزالها عن نضالات الطبقة العاملة، وقعت لجنة الحزب البلشفي في 1905 فريسة سهلة للتطرف اليساري والعصبوية، ويجدر الإشارة هنا إلى رفض اللجنة الاشتراك في السوفييت عندما تأسس في نهاية العام نفسه. 

وفي الحقيقة، فإن موقفاً عصبوياً مشابه جداً قد اتخذته قيادة الحزب داخل روسيا تجاه النقابات الصاعدة في ذلك الوقت. وكما كان الوضع بشأن سوفييت بطرسبورج، وقف لينين في صف القواعد الحزبية وأخذ يناضل ضد القيادة المركزية الديمقراطية التي كان ينتمي إليها، فقد أثبتت ثورة 1905 بوضوح أن الحزب الثوري لا يتقدم عن الطبقة العاملة بشكل أوتوماتيكي، ولا اللجنة المركزية -التي تقود الحزب- تتقدم عنه أوتوماتيكياً أيضاً. 

التحولات التكتيكية

قبل ثورة 1905، كانت كوادر الحزب البلشفي متقدمين، على مستوى الوعي والنشاط، حتى على القطاعات المتقدمة من الطبقة العاملة. لكن أثناء الثورة كانت طليعة الطبقة العاملة أكثر تقدماً من كوادر الحزب الذين قد خلقوا، خلال سنوات من العمل السري والغير شرعي وظروف القمع الرهيبة التي عملوا في ظلها، روتيناً ثابتاً في العمل التنظيمي يكبح الحزب عن الطبقة العاملة في الوقت الذي اندلعت فيه الثورة. 

وفي ذلك الوقت، تركزت جدالات لينين على نقطة أساسية وهي: فتح أبواب الحزب على مصراعيها للقوى الجديدة، حيث كتب أن: "أحياناً أفكر في أن تسعة أعشار البلاشفة هم في الحقيقة من المثقفين.. نحتاج قوى شابة جديدة في الحزب. من غير المقبول تماماً أن يقول أحدنا أنه لا يوجد أحد يمكن ضمه للحزب.. الناس في روسيا الآن يثورون، وكل ما نحتاج عمله هو تجنيدهم للحزب دون أن نخاف منهم". 

"قوموا بمضاعفة حجم اللجان الحزبية ثلاثة أضعاف بقبول أعضاء شباب فيها.. قوموا بإنشاء عشرات اللجان الفرعية.. جندوا كل شخص أمين ونشيط، واسمحوا للجان الفرعية والخلايا بكتابة نشرات بدون قيود (لا ضرر إذا وقعوا في بعض الأخطاء).. لا تخافوا من قلة تدريبهم، أو من قلة خبرتهم وتطورهم". 

كان لينين يكرر أيضاً أن "إذا فشلنا في المبادرة الجريئة لبناء منظمات جديدة، لن يكون لدينا أي أساس نستند إليه، وسنكون قد تخلينا عن كل ذرائع حكم طليعة الطبقة العاملة.. هناك آلاف الحلقات التي تنشأ في كل مكان تحت ضغط الأحداث، بدون مساعدتنا، وبدون أي أهداف مرسومة ومحددة". 

"دعوا كل هذه الحلقات تنضم للحزب، فيما عدا الحلقات غير الاشتراكية الديمقراطية. في الأحداث الحالية يجب ألا نطلب منهم أن يتبنوا برنامجنا بالكامل، أو أن يدخلوا في علاقات تنظيمية مباشرة معنا".

إلا أن قيادات وكوادر الحزب البلشفي عارضوا تصورات لينين. وفي المؤتمر الثالث للحزب في ربيع 1905، استطاعوا التغلب عليه في هذه القضية. سنلقي نظرة الآن على جزء من مناقشات المؤتمر: 

جادل أحد مندوبي المؤتمر بأن "العلاقة بين العمال والمثقفين في منظمات الحزب، هذه القضية غير موجودة بالأساس (لينين يقاطع: بل موجودة)، لا ليست موجودة إلا في إطار التساؤل الديماجوجي، وهذا كل شيء". 

كان هناك الكثير من المندوبين الذين أدلوا بتقارير حول قلة عدد العمال بين عضوية لجان الحزب. كان هناك عامل واحد فقط في لجنة بطرسبورج، وعامل واحد أيضاً في لجنة باكو، في حين لم يكن هناك أي عامل في اللجنة الشمالية أو في لجنة كوتايس. وحينها علق لينين بكلمة واحدة: "شيء شنيع". بينما ذكر أحد المندوبين أن "هناك العديد من العمال في اللجنة التي أنتمي إليها، لكن هناك درجة عالية من التخوف والريبة تجاه هؤلاء العمال". 

وفي هذه اللحظة، وقد أصبحت جلسة المؤتمر أكثر صخباً، تدخل لينين قائلاً: "سوف تكون أحد المهام الأساسية في المستقبل أن نعيد تنظيم اللجان الحزبية: يجب أن نتجاوز سيطرة المثقفين على تلك اللجان. إن مهمة ضم عمال إلى اللجان الحزبية هي مهمة سياسية أساسية بالنسبة لنا.. العمال لديهم غريزة طبقية، ومن خلال اكتسابهم بعض الخبرة السياسية، سيصبحون اشتراكيون ثوريون أوفياء. إني أؤيد بقوة أن يكون كل عضوين مثقفين في لجنة الحزب يقابلهما ثمانية عمال". 

لم تكن تلك هي المرة الأخيرة التي وجد لينين نفسه فيها في موضع الأقلية بين القادة البلاشفة، أو أن يتم التشويش على مداخلاته في مؤتمر الحزب. وبالرغم من ذلك، كان يجادل بقوة في النقطة السابقة في نهاية نفس العام، حيث قال: "في المؤتمر الثالث للحزب كنت قد اقترحت أن أن يكون كل عضوين مثقفين يقابلهما ثمانية عمال في لجنة الحزب، لكن هذا الاقتراح يبدو غير واقعي اليوم. لذا علينا اليوم أن نعمل من أجل أن تكون النسبة هي مثقف اشتراكي ديمقراطي مقابل مئات من العمال الاشتراكيين الديمقراطيين". 

وبعد ذلك بعام: "الأمر يبدو غير طبيعي عندما نعلم أن لدينا 6 آلاف عضو في بطرسبورج، بينما يوجد 150 ألف عامل هناك.. يجب أن نتعلم كيف نجند العمال للحزب 5 أو 10 مرات أكثر". 

لقد كان على لينين أن يقي أتباعه من الولاء الأعمى للأطروحات التي قدمها في "ما العمل؟"، حيث أن العلاقة بين العفوية والتنظيم مرتبكة، وكان يمكن أن تربك بدورها الحركة الاشتراكية الديمقراطية في هذا الوقت، إلى أن صحح لينين تلك الأطروحات على ضوء أحداث 1905 الثورية. حيث كتب إلى أعضاء الحزب أن "الطبقة العاملة هي طبقة اشتراكية ديمقراطية بالغريزة.. لذا اعملوا على توسيع قواعدكم، اجعلوا العمال يلتفوا حولكم، ضموهم إلى قواعد منظمات الحزب بالمئات والآلاف". 

يجب أن نتذكر في النهاية أن التحولات التاكتيكية للينين كان يمكن أن تدمر الحزب نفسه، لولا إصرار لينين منذ البداية على أن ضوابط الحزب والقواعد التي يسير وفقها لابد أن تكون قليلة العدد وذات طابع يتسم بالمرونة. 

لينين يتحدى الخطوط الحمراء 

كان لينين يتعامل مع القواعد والضوابط الحزبية ببساطة، وليس باعتبارها أمور تحتاج الكثير من الوقت والتفكير والجهد للالتزام بها، هكذا كتب مثلاً أن: "ما نحتاجه ليس القواعد في حدا ذاتها، لكن المعلومات عن منظمات الحزب. كل منظمة في الحزب تقضي على الأقل عدد من الليالي لنقاش القواعد التنظيمية. سيكون الأمر مفيداً للحزب مائة مرة إذا استغل الأعضاء هذا الوقت في كتابة تقارير جيدة ومفصلة عن نشاطهم لبقية الحزب". 

عندما أرسى لينين قواعد الحزب في 1903، كانت تلك القواعد قليلة للغاية: 12 قاعدة في 421 كلمة. إلا أن لينين نفسه كان يجد في بعض الأحيان أنه من الضروري خرق تلك القواعد من أجل الحفاظ على الحزب نفسه. وسأضرب بعض الأمثلة الهامة على ذلك. 

بعد 1903، كانت اللجنة المركزية للبلاشفة، على عكس ما تمناه لينين، تسعى للتصالح مع المناشفة. وبعد شهور من المراسلات حادة النقد التي كان يرسلها لينين للجنة المركزية، تم طرده منها، وحينها كانت اللجنة المركزية على اتصال وثيق بهيئة تحرير جريدة الإيسكرا (2) بعدما سيطر عليها المناشفة. كما استنكرت اللجنة المركزية دعوات لينين المستمرة لعقد مؤتمر حزبي، وحرمته من منصبه فيها كممثل "للمكتب الجنوبي"(3)، كما أن كتاباته لم يُنشر منها الكثير في هذا الوقت. 

وهكذا فإن لينين، من خلال إنشاء هذه المنظمة الجديدة (المكتب الجنوبي) التي ضمت أعضاء منضبطين للحزب، قد خرق القاعدة رقم 6 في لائحة الحزب البلشفي، والتي قضت بأن تشكيل لجان ومنظمات الحزب هو من صلاحيات اللجنة المركزية فقط. ومن خلال هذه المنظمة، كان لينين يدعو إلى عقد مؤتمر حزبي جديد، في خرق مباشر للقواعد التنظيمية التي أرساها بنفسه للحزب. 

لنأخذ مثال آخر: في مؤتمر الحزب الاشتراكي الديمقراطي في ستوكهلم عام 1906، لإعادة التوحيد بين المناشفة والبلاشفة، حصل المناشفة على أغلبية الأصوات لتشكيل اللجنة المركزية. هل قبل لينين أن تكون الفروع واللجان المحلية للحزب الاشتراكي الديمقراطي تحت قيادة اللجنة المركزية المنشفية؟ في الحقيقة لم يقبل لينين ذلك مطلقاً، وفي هذا الوقت دعا لإتاحة مزيداً من الصلاحيات التنظيمية للفروع واللجان الحزبية في تقرير الخط السياسي الخاص بهم بحسب النشاط الذي يقوم به الأعضاء. 

وفي المؤتمر الثالث للحزب الاشتراكي الديمقراطي، الذي عُقد في يوليو 1907، والذي حضره مندوبين من كل من المناشفة والبلاشفة، جميع المندوبين البلاشفة، فقط باستثناء لينين، صوتوا في صالح مقاطعة انتخابات الدوما، وقد صوت لينين مع المناشفة لصالح خوض الانتخابات والتقدم بمرشحين من الحزب. 

سيتضح لنا الأمر أكثر عندما نتناول الطريقة التي تعامل بها لينين حيال التكتل الذي أنشأه عضو اللجنة المركزية، بوجدانوف، الذي تزعم تكتل "البلاشفة اليساريين". في 1909، كان هناك انشقاق حقيقي في الحزب البلشفي، وفي هذا الوقت كانت أي دعوة لمؤتمر حزبي سوف يؤدي إلى دمار الحزب كله، وفي نفس الوقت كانت الحركة العمالية في تراجع شديد، أثناء سنوات الردة التي أعقبت هزيمة ثورة 1905. وقتها، رأى لينين أن عزل بوجدانوف -الذي قد انتُخب كعضو في اللجنة المركزية البلشفية في مؤتمر لندن 1906- كان شيء ضروري للغاية حفاظاً على الحزب نفسه. لذا فقد اجتمع لينين بمجلس تحرير الجريدة البلشفية "بروليتاري"، ذلك المجلس الذي لم يكن له أي صلاحيات تنظيمية قوية في الحزب، وقام بعزل بوجدانوف. 

لم يقم لينين في هذه الحالة بالاستناد إلى العمال النشطين في الحزب في مواجهة بوجدانوف، لكنه استخدم أحد الأجهزة غير ذات الصلاحية في الحزب لعزل زعيم التكتل، حتى أن العديد من القياديين البلاشفة المؤيدين للينين –بما فيهم ستالين- قد انتقدوا تصرف لينين ووصفوه بالتعسف تجاه بوجدانوف. بالطبع كان لينين مخطئاً من الناحية الرسمية، لكنه أنقذ البلشفية من الانزلاق في فخ اليسارية المتطرفة التي كان يروجها بوجدانوف. 

إن اليسارية المتطرفة تطفو على السطح عندما يكون الثوريون في عزلة عن دعم الطبقة العاملة. وصحيح أن الأفكار اليسارية المتطرفة شكلية للغاية وبعيدة عن الواقع، لكن كيف يمكن إثبات ذلك من دون حركة جماهيرية؟ لذا فقد قام لينين بحل الأزمة عن طريق كسر القواعد والمبادئ التنظيمية، التي كان يعتبرها دوماً أقل مرتبةً من المهام والأولويات السياسية التي تطرحها اللحظة، كما اعتبر المبادئ التنظيمية لا تعدو سوى أن تكون مجرد وسائل  لتحقيق تلك المهام والأولويات. 

كيف أدار لينين الصراع ضد مؤيديه؟  

لن أتعرض هنا إلى الخلفيات السياسية للأحداث، ولا طبيعة عمل ونشاط بقية البلاشفة البارزين، لكن بشكل عام، من المدهش أن ندرك أن لينين قد استطاع أن يبقى القائد الأبرز للحزب البلشفي على الإطلاق، بالرغم من كل الخلافات والصراعات الداخلية في الحزب. ويرجع ذلك إلى 5 أسباب رئيسية: 

1)    التركيب البروليتاري للحزب: 

في 1905، شكّل العمال أغلبية الحزب البلشفي (62% من عضوية الحزب) (4). وفي فترة الردة الرجعية، بعد هزيمة الثورة، كانت جموع هائلة من الأعضاء المثقفين في الحزب من غير العمال، تترك الحزب، والكثير منهم عاد إلى الحزب مرة أخرى في الفترة بين 1912- 1914 التي شهدت إعادة إحياء للكثير من النضالات. بينما شهد الحزب نزوح جماعي مرة أخرى في خلال سنوات الحرب، لذا فإن الحزب البلشفي ظل عمالياً في تركيبه. 

2)    الشباب في الحزب البلشفي:

في عام 1907، كان متوسط عمر 22% من عضوية الحزب أقل من 20 عاماً، و37% بين 20 و24 عاماً، بينما 16% من 25 إلى 29 عام. أما القائمين على أعمال الدعاية والتحريض والخطابة، فنادراً ما كانوا أكبر سناً (17% منهم تحت الـ 20، و42% بين 20 و24، و24% بين بين 25 و29 عاماً). ويُذكر أن مندوبي المؤتمر الخامس للحزب البلشفي قد ضم أعضاءاً بلغ متوسط عمرهم 27 عاماً فقط، بينما بلغ متوسط أعمار الأعضاء التسعة في اللجنة المركزية 34 عاماً، ومتوسط عمر أكبر ثلاثة أعضاء سناً، وهم كراسين ولينين وكراسيكوف، كان 37 عاماً. 

كان الأعضاء الشباب في الحزب البلشفي هم الأكثر إبداعاً وابتكاراً ونشاطاً واستعداداً للتضحية بالنفس. وقد سهّل ذلك على لينين عملية مقاومة وتجاوز الميول المحافظة داخل الحزب البلشفي. 

3)    اعتماد لينين على القطاعات المتقدمة في الطبقة العاملة: 

أدرك لينين بعمق أن هناك علاقة جدلية بين الحزب الثوري ذو الهيكل التنظيمي المتماسك وبين التفاوت في الوعي والنضالية في الحركة الثورية وداخل الحزب ذاته. كما أدرك بالتالي أن بعض الذين يلعبون دور الطليعة المتقدمة في الحزب في مرحلة معينة، يمكن أن يتراجعوا إلى الوراء في مرحلة أخرى. لذلك كان لينين ينظر إلى الطليعة المتقدمة من العمال داخل الحزب كسند له ضد المحافظين داخل نفس الحزب. 

في ثورة فبراير 1917، عندما أسقطت الجماهير القيصر في روسيا وأنشأ العمال السوفيتات، كانت اللجنة التنفيذية لسوفييت بتروجراد، والتي تشكلت من 39 عضو، تضم 11 بلشفي(5)، إلا أنه لم يعارض أي منهم إقامة الحكومة البرجوازية. وعندما عاد ستالين وكامينيف من المنفى في سيبريا، أيدوا هم أيضاً الحكومة المؤقتة البرجوازية، كما وضعوا نهاية لسياسة الحزب البلشفي المعادية للحرب. أما في منطقة فيبورج، (التي ضمت مصانع هندسية ومصانع نسيج، والتي كان بها قاعدة بلشفية متماسكة ومنظمة)، عارض العمال البلاشفة قرارات القادة ودعوا إلى سلطة السوفييت، حيث دعوا إلى استيلاء السوفيتات بشكل فوري على السلطة السياسية بدلاً من الجمعية التأسيسية البرجوازية. إلا أنه، وبالرغم من ذلك، أرغمت لجنة الحزب في بطرسبورج الأعضاء البلاشفة على التخلي عن ذلك. 

وعندما عاد لينين إلى روسيا من منفاه في سويسرا، كان الدعم الذي أظهره البلاشفة في فيبورج والكثير من الأعضاء البلاشفة الآخرين، هو ما سهّل عليه أن يكسب دعم الحزب كله في جانب أفكاره الثورية التي قدمها في "أطروحات نيسان". وفي هذا الكتيب أوضح لينين أن أطروحاته لا تلقى أي قبول من القادة البلاشفة، حيث كتب أنه "لا يوجد ولا منظمة ولا مجموعة ولا عضو واحد في الحزب كله يوافق على هذه الأطروحات". أو كما كُتب في جريدة البرافدا أنه "بالنسبة للخطة العامة التي يضعها لينين، فإن الأمر ليس مقبولاً على الإطلاق، خاصةً أن أطروحات لينين تنطلق من فرضية أن الثورة البرجوازية الديمقراطية قد انتهت، وقد آن الأوان لتحول هذه الثورة فوراً إلى ثورة اشتراكية". ويُذكر أن كامينيف قد كتب في جريدة البرافدا أن الجريدة واللجنة المركزية للحزب البلشفي يرفضان أطروحات لينين بشكل حاسم. 

إلا أن الأمور سارت في اتجاه عكسي في خلال أسبوعين فقط؛ حيث صدّق مؤتمر مدينة بطرسبورج بالكامل على رفض لينين للحكومة المؤقتة، وبعدها انعقد مؤتمر الحزب البلشفي الذي فعل الشيء نفسه. 

من جانب، فإن بطرسبورج التي بلغ عدد سكانها حوالي 2 مليون، وبداخلها مقاطعة فيبورج بسكانها الـ 170 ألف، يمكن اعتبارها بمثابة أقلية صغيرة في روسيا التي بلغ عدد سكانها في ذلك الوقت حوالي 100 مليون نسمة. لكن من جانب آخر، فإنه دائماً ما يوجد قطاعات معينة من الجماهير التي قد تلعب أدواراً أكبر بكثير من حجمها، وقد تغير مسار التاريخ. لقد تقبل البلاشفة في العاصمة "أطروحات نيسان" بعد فترة قصيرة للغاية، لكن البلاشفة في العديد من المناطق، مثل خاركوف أو أوديسا، قد استكملوا عملهم في تحالف مع المناشفة حتى يوليو أو أغسطس 1917. 

4)    هيكل الحزب: 

في الحزب البلشفي، كانت المؤتمرات الحزبية واللجان المركزية ذات سلطات سيادية، بالرغم من أنها كانت تضم أعداد قليلة من أعضاء الحزب. على سبيل المثال، فقد ضم مؤتمر عام 1903 57 مندوباً، وفي 1907 ضم مؤتمر الحزب 336 مندوباً عن 46 ألف عضو. وفي أبريل 1917، ضم المؤتمر 149 مندوب عن 200 ألف عضو بالحزب البلشفي. وفي السنوات التي سبقت عام 1917، كانت اللجنة المركزية تضم من 3 إلى 12 عضو، فيما ضمت 22 عضو في أكتوبر 1917، عشية الثورة، في حين كان الحزب البلشفي ككل يضم 270 ألف عضو. 

كانت مؤتمرات الحزب تستغرق وقتاً طويلاً للغاية، ففي المؤتمر الثاني للحزب في 1903 استغرق المؤتمر 25 يوماً، بينما استغرق المؤتمر الثالث في 1905، 16 يوماً. والرابع (1906) 16 يوماً، والخامس (1907) 20 يوماً، أما المؤتمر السادس (1917) 9 أيام. وقد ساعد قلة عدد مندوبي كل مؤتمر –مقارنةً بإجمالي عدد اعضاء الحزب- والفترة الزمنية الطويلة التي استغرقها كل مؤتمر، على ضمان تقوية الديمقراطية الداخلية في الحزب البلشفي، حيث كانت تُجرى مناقشات شديدة الكثافة وطويلة المدة حول القضايا التي تواجه الحزب. وذلك بالرغم من أن عقد مؤتمر قصير المدة بعدد أكبر من المندوبين يُعد أمراً أسهل بكثير مما كان يفعله البلاشفة. 

لم تكن التكتلات والفئات المختلفة تستمر لفترة طويلة داخل الحزب البلشفي، ولم يكن ذلك فقط بسبب التركيب البروليتاري للحزب، لكن أيضاً بسبب الطبيعة المؤسسية للحزب البلشفي ومؤتمراته. ويجدر الإشارة هنا إلى أن التكتل الأطول عمراً هو تكتل بوجدانوف، الذي استمر في العمل حوالي ثلاث سنوات، لكن ذلك كان بسبب الانعزال النسبي للحزب عن نضالات الطبقة العاملة. 

5)    إلمام لينين بأدق تفاصيل الحزب: 

كان لينين فريداً بين القادة الثوريين في اعتنائه الدقيق بأدق التفاصيل الإدارية والتنفيذية. ويمكننا ملاحظة ذلك بوضوح إذا ما وضعنا لينين في مقارنة بسيطة مع الاشتراكيين الديمقراطيين البولنديين مثلاً:

فقد كان كل ثوري من النخبة المثقفة يتصرف في الواقع العملي تحت تأثير عاداته وميوله الشخصية، أما الالتزام بالضوابط والثوابت أو الأوامر، فقد كان نادراً إلا في حالات استثنائية. وهذه العشوائية في الأداء كانت أحياناً تتم بشكل متعمّد. كثير من القادة لم يرغبوا في التعامل مع الأمور المالية أو التنظيمية أو الروتين الداخلي للحزب، بحجة أن تلك الأمور تصرفهم عن الكتابة والعمل النظري. الأمر نفسه ينطبق على الثورية البولندية/ الألمانية روزا لكسمبرج نفسها. 

وبالمثل كان ليون تروتسكي أيضاً، لكن لأسباب مختلفة؛ ففي الفترة بين 1904 إلى 1917، أي الفترة منذ أن قطع بشكل تام مع المناشفة إلى انضمامه للبلاشفة، لم ينضم تروتسكي ولم يشارك في قيادة أي حزب قوي(6). 

أما في الحزب البلشفي، فقد كان الأمر مختلفاً تماماً؛ حيث كان المركز الإداري للحزب بدائياً جداً وصغير الحجم، وقد ضمت السكرتارية العامة للحزب ثلاثة أعضاء فقط. كان الهيكل الحزبي شديد الدقة، ووضع الحزب كحزب غير شرعي، والظروف السرية التي عمل خلالها، بالإضافة إلى التركيب البروليتاري له، ساعدت كل تلك العوامل على تقليص فرصة نمو تكتلات برجوازية صغيرة داخل الحزب. كان كل عضو يشارك في تحديد الخط السياسي العام للحزب، ويعرف جيداً الدور المنوط به تنفيذه، ولم يكن في مثل هذا الحزب مجال للثرثرة والسفسطة التي لا تجدي نفعاً. 

مفهوم لينين عن المركزية 

لا يمكن للحزب الثوري أن يشتبك بشكل مؤثر في نضالات الطبقة العاملة إلا إذا كان حزباً مركزياً يعمل كجسم واحد وبشكل منضبط. ولا يمكن لهذا الحزب أيضاً أن يتفاعل إيجابياً مع احتياجات العمال المتقدمين أثناء النضال إلا إذا كان حزباً ديمقراطياً. 

وبين المركزية والديمقراطية، كما بين الحزب الثوري والطبقة العاملة، علاقة جدلية. إذا طغت المركزية عن الديمقراطية فسوف يغرق الحزب في الاستبداد. وإذا حدث العكس، فسوف يعاني الحزب حالة من العجز والشلل. كان لينين يعمد دائماً إلى تقوية الأجهزة المركزية في الحزب البلشفي، لكن دون إغفال أن المبادرة النضالية تقع بين أيدي الجماهير أنفسهم، ومهمة الحزب ليست في خنق تلك المبادرة لكن في تنميتها وتطويرها. 

لقد أدرك لينين أن المنظمة الثورية يجب أن تستجيب بشكل مباشر لكل المتسجدات والمتغيرات السياسية، وعبقريته في الممارسة الثورية، في الاستراتيجية والتاكتيك، مثلت عاملاً أساسياً في هيمنته داخل الحزب البلشفي. 

كان الفهم العلمي لدى لينين للحركة العامة التي يسير وفقها التاريخ، محصناً بتطلعات حركة الطبقة العاملة، وقد أعطى ذلك ثقة هائلة للينين في صحة ما كان يطرحه. ووفقاً لذلك، كانت القواعد والضوابط التنظيمية والعمل الروتيني داخل الحزب ذي أهمية ثانوية بالنسبة للممارسة السياسية العملية. وفي المسار الضيق بين الدوجامئية والإمبريقية، طور لينين النظرية الماركسية بشكل عملي، بما في ذلك نظرية الحزب الثوري، لأعلى درجة من الصحة تم التوصل إليها. 

هوامش المُترجم: 

(1)    يذكر مارسيل ليبمان في كتابه "اللينينية في ظل لينين"، الجزء الأول "الاستيلاء على السلطة"، أن عضوية الحزب البلشفي في عام 1905 كانت تُقدر بـ 8,400 عضو، منهم 5,200 عامل و400 فلاح، و2,300 من المثقفين، و500 آخرين. والأرقام نفسها تكررت في كتاب "The Roots of Russian Communism": David Lane 
(2)    الإيسكرا –وتعني باللغة العربية الشرارة- هي أول جريدة ماركسية غير شرعية في روسيا. تم تأسيس الجريدة في الخارج بجهد أساسي من لينين في عام 1900. وبعد المؤتمر الثاني للحزب الاشتراكي الديمقراطي الروسي، استولى الجناح المنشفي على الجريدة وشكلوا هيئة تحريرها. 
(3)    أنشأ لينين المكتب الجنوبي، كمنظمة في الحزب البلشفي، من غير علم اللجنة المركزية. وكان يهدف أن يكون المكتب الجنوبي هو لسان حاله في الدعوة إلى مؤتمر حزبي جديد. 
(4)     كان مصنع بوتيلوف للنسيج، والذي يقع في حي فيبورج في العاصمة بطرسبورج، يضم 40 ألف عامل، وكان هو المصنع الأضخم في العالم كله في ذلك الوقت. وبالرغم من انعدام صلات الحزب البلشفي بعمال المصنع في 1905، إلا أن المصنع قد أصبح، منذ يوليو 1917، "قلعة للبلاشفة"، على حد وصف ليون تروتسكي في الجزء الأول من كلاسيكيته "تاريخ الثورة الروسية". 
(5)    في الحقيقة، كان سوفييت بطرسبورج ككل يضم 40 مندوباً بلشفياً، في فبراير 1917، من أصل 1600 مندوب في السوفييت (أي 2.5% فقط من إجمالي عدد المندوبين). وكان إجمالي عدد المندوبين الذين عارضوا، في نفس الشهر، إقامة الحكومة البرجوازية 15 عضو فقط. 
(6)    يجب أن نشير هنا أن ليون تروتسكي كان ينتمي طيلة تلك الفترة (1904 إلى 1917) إلى تنظيم صغير يضم حوالي 3 آلاف عامل، عُرف باسم "ميجرا يونتسي"، والكلمة تعني "ما بين المناطق" أو "الإقليمية"، إلى أن انضم تروتسكي هو وكل أعضاء منظمته إلى الحزب البلشفي في أواخر أغسطس 1917، وأصبح منذ ذلك الحين عضواً في اللجنة المركزية البلشفية.

 

Repost 0
Published by تيار اليسار الثوري في سوريا
commenter cet article
8 novembre 2013 5 08 /11 /novembre /2013 21:54
الاشتراكية من أسفل
نشر لآول مرة في:
السبت 21 مارس 2009

 

ظهرت أنواع من الأفكار الاشتراكية إلى الوجود منذ زمن قديم مع نشوء المجتمع الطبقي الذي توجد به طبقة مُستغلة وطبقة مُستغلة. فكان أن بدأت الأفكار الاشتراكية في الظهور تعبيرًا عن رغبة الطبقات المستغلة والمضطهدة في الخلاص من الظلم والاستغلال وفي حياة أفضل.

ومع بداية القرن الثامن عشر بدأت الأفكار الاشتراكية تتبلور بشكل أوضح ويصبح لها منظروها والمبشرين بها وكان هذا التطور نتيجة لثورتين هامتين في تاريخ البشرية.

فكانت أولاً الثورة الفرنسية (1789) والتي جسدت حلم الملايين من المقهورين في الحرية والمساواة التخلص من استغلال وظلم الملكية الإقطاعية والرغبة في إقامة مجتمع ديمقراطية.

انتهت الثورة بالقضاء على الحكومة الملكية ولكن في محلها ظهرت طبقة حاكمة جديدة لتستمر الجماهير محكومة ومضطهدة ولكن تحت شعار الديمقراطية البرجوازية. ولكن لما كان من غير الممكن تحقيق ديمقراطية حقيقية مع الاستمرار في وجود من يملك وبالتالي يحكم ويتحكم في أقدار الآخرين، فسرعان ما ظهر لجماهير الكادحين أن الثورة لم تحقق كل آمالهم أما الثورة الأخرى التي كان لها أكبر الأثر في تطور الأفكار الاشتراكية فكانت الثورة الصناعية في إنجلترا في القرن الثامن عشر والتي بقدر ما فتحت آفاقًا جديدة أمام البشرية بفضل إمكانيات وجود إنتاج وفير يكفي الجميع والجهد أقل – بقدر ما كانت نتيجتها الفعلية المزيد من البؤس والشقاء لآلاف العمال من الأطفال والنساء والرجال الذين أصبح عليهم أن يعملوا في المصانع لمدد تصل إلى 14 – 16 ساعة يوميًا في أبشع ظروف حياتية حيث يعانون من الفقر والجوع والمرض. خلقت هذه الثورة الصناعية بتطويرها للإنتاجية إمكانية لمجتمع الوفرة الذي يجد فيه الجميع ما يكفيهم لكن الاستمرار في وجود طبقة حاكمة تملك وسائل الإنتاج الرأسمالية كان يعني تكدس هذه الثروة في أيديهم وبقاء الأغلبية في بؤس وشقاء.

ومن قلب حلم البشر بالحرية والمساواة، ومن قلب الإمكانيات الضخمة التي خلقها التقدم الصناعي ظهرت أفكار الاشتراكية الخيالية والتي كان أبرز منظريها فورييه، سان سيمون وروبرت أوين. كان هؤلاء الفلاسفة المصلحين يرون أن هناك إمكانية لتحقيق مجتمع عادل غير ظالم أو مستغل. أما كيفية الوصل لهذا المجتمع، فهذا ممكن عن طريق إقناع الطبقات المالكة بمشاركة الثروة التي يمتلكونها مع الفقراء والمستغلين وبالتالي تتحقق المساواة ويقام مجتمع اشتراكي. كان هؤلاء الفلاسفة الخياليون يرون أن تحقيق الاشتراكية رهن باقتناع الحكام من ذوي النوايا الطيبة وبدون أن يكون للجماهير أي دور في هذا التحول وبدون أي ضغط من جانبها على هؤلاء الحكام. سُمي هؤلاء المفكرين الاشتراكيين بالاشتراكيين الخياليين بسبب عدم تقديمهم تصور واقعي لكيفية الوصول للاشتراكية وبالتالي ظلت هذه الأفكار في مرحلتها الأولى وقبل نضوج الطبقة العاملة مجرد حلم يداعب أذهان الفقراء والمستغلين بدون أن يكون لهم دور في تحقيقها وتحويلها لواقع.

ظهرت الاشتراكية كإمكانية واقعية حقيقية مع منتصف القرن التاسع عشر على يد كارل ماركس الذي كان أول من تحدث عن الاشتراكية من أسفل كهدف يمكن الوصول إليه وذلك في مواجهة الاشتراكية من أعلى التي بشر بها الاشتراكيون الخياليون.

نبعت رؤية ماركس للاشتراكية من أسفل من إدراكه لبروز الطبقة العاملة كقوة اجتماعية جديدة ممركزة ومتعلمة ومتحكمة في وسائل الإنتاج المجتمع. أي أنها الطبقة التي تقوم بإنتاج الثروة الحقيقية في المجتمع وبالتالي فهي قادرة على ممارسة ضغط وتهديد حقيقي للطبقات الحاكمة كذلك هي صاحبة المصلحة الحقيقية وصاحبة الدافع القوي للقيام بتحول اشتراكي للمجتمع حتى تتخلص من الاستغلال الذي تتعرض له على يد الرأسمالية. فعلى الرغم من إنتاجها للثروة إلا أنها تعاني من الفقر والحرمان وترى منتوج عملها يذهب لصاحب المصنع. كتب كارل ماركس: "الظروف الاقتصادية حولت معظم سكان الريف إلى عمال. وقد وضعت هيمنة رأس المال هؤلاء في ظروف واحدة، وجعلت لهم مصالح مشتركة. هؤلاء العمال هم بالفعل طبقة ضد رأس المال، ولكنها لازالت غير واعية بذاتها في خضم النضال.. تتوحد الجماهير العمالية، وتتحول إلى طبقة واعية بذاتها. وتتحول المصالح التي تدافع عنها إلى مصالح طبقية". رأى ماركس الإمكانيات الثورية الكامنة في هذه الطبقة من خلال تصاعد ضلالاتها ضد الاستغلال فهذه الطبقة منظمة بشكل سيدفعها في خلال الصراع من أجل تحسين ظروفها، في اتجاه الأهداف الاشتراكية. التي لن نتحقق سوى بنضال العمال وتحريرهم لأنفسهم وليس بإقناع الحكام بمنحها لهم. " على مدى قرابة 40 عامًا أكدنا أن الصراع الطبقي هو المحرك المباشر للتاريخ، وبالأخص الصراع الطبقي بين البرجوازية العمال كمحرك للثورة الاجتماعية الحديثة. وعندما أسست الأممية صغنا بشكل معبر صيحة الحرب: إن تحرير الطبقة العاملة هو فعل الطبقات العاملة ذاتها". كتب كارل ماركس وفريديك إنجلز.

أعطى عمال باريس مثالاً حيًا لإمكانية تحقق الأهداف الاشتراكية وتحرير العمال الذاتي لأنفسهم عام 1871 حيث استطاعوا السيطرة على الحكم في باريس لمدة شهرين أعطوا خلالهما مثالاً على الأشكال التي ستتخذها دولة ديمقراطية العمال.

خلال هذين الشهرين قام العمال في دولتهم التي أسموها الكوميونة باتخاذ عدة إجراءات منها تسريح الجيش النظامي واستبداله بمليشيا شعبية، تأسيس حق الجماهير في استدعاء وتغيير ممثليهم المنتخبين، هؤلاء الممثلين الذين لم يكونوا يحصلون على أية مميزات إضافية بل على متوسط أجر العامل العادي. لقد كانت الكوميونة من حيث الجوهر "حكومة الطبقة العاملة،.. ونتاج كفاح طبقة المنتجين ضد طبقة الملاك... كانت الشكل السياسي الذي اكتشف أخيرًا والذي يمكن أن يتم في ظله تحرير العمل" أعطت الكوميونة لماركس نموذجًا لدولة العمال، مما أثر على رؤيته للاشتراكية من أسفل بشكل متكامل فأصبحت ترتكز على مبدأين هامين:

1.      لابد من تحرر الطبقة العاملة نفسها من خلال عملها الجماعي فلا يمكن أن تمنح الحرية للطبقة العاملة بل يجب أن ينتزعها المقهورون بأنفسهم.

2.      من أجل القيام بتحول اشتراكي للمجتمع سيكون على الطبقة العاملة أن تطيح الدولة القديمة وتخلق على أنقاضها دولة جديدة ديمقراطية.

وكانت مبادئ الاشتراكية من أسفل هي المرتكز الذي قامت عليه الثورة الروسية سنة 1917 والتي تعد أول ثورة اشتراكية ظافرة في التاريخ. حيث استطاع عمال روسيا بنضالهم المنظم وبقيادة الحزب البلشفي الإطاحة بالدولة الرأسمالية وإقامة نواة أول دولة عمالية في العالم.

لكن وعلى الرغم من انتصار الثورة الروسية، إلا أن هذا لم يمنع حدوث تحريف لمبادئ الاشتراكية من أسفل في روسيا. ففي خلال فترة حكم ستالين ونتيجة لوفاة معظم العمال الروس في الحرب الأهلية، ونتيجة لظروف أخرى، فقدت ديمقراطية العمال في روسيا القاعدة التي قامت عليها. مما جعل من الممكن القضاء على مكتسبات الثورة. حيث بدأ ستالين تحت ضغط تهديد القوى الأوربية والمحيطة بروسيا، في بناء اتجاه دولة حديثة في روسيا. كان هذا يعني ضغوطًا متزايدة واستغلالاً متزايدًا للعمال، الذين انتهت تمامًا أي قدرة لهم على التأثير في اتخاذ القرارات وأصبحت المجالس العمالية التي كانت إبداعًا لهؤلاء العمال مجرد هياكل وهمية لا دور لها. أصبحت السلطة الحقيقية في روسيا في يد طبقة حاكمة جديدة هي البيروقراطية الروسية، التي تقوم بمهمة التخطيط المركزي للاقتصاد واضعة أمامها هدفًا واحدًا هو تحقيق تراكم رأسمالي وليس الاستجابة لحاجات العمال والجماهير في روسيا. ورغم هذا التحول إلا أن النظام الحاكم في روسيا استمر في الادعاء بأنه نظام اشتراكي على الرغم من عدم وجود أي ديمقراطية عمالية متخذًا من ملكية الدولة لوسائل الإنتاج دليلاً على وجود الاشتراكية!!

هذا التحريف لمبادئ الاشتراكية من أسفل والتحرر الذاتي للعمال جعل هناك ادعاءات بأنه من الممكن حدوث ثورات غير عمالية ـ فلاحية مثلاً ـ في دول أخرى وبالرغم من ذلك يطلق على الأنظمة التي تقيمها أنظمة اشتراكية بدون أن يكون للطبقة العاملة التي تقيمها أنظمة اشتراكية بدون أن يكون للطبقة العاملة فيها أي دور وهو ما حدث بالفعل في الصين وكوبا. حيث ادعت هذه الدول أنها دولاً اشتراكية، ورغم عدم وجود أي شكل من أشكال الديمقراطية العمالية هناك ورغم عدم نجاح الطبقات العاملة هناك في خوض معركتها للتحرر الذاتي.

إن التغيير الذي تحلم به الملايين الكثيرة من المسحوقين والمضطهدين في عالمنا اليوم ممكن وضروري. وقد اكتشفت الماركسية، عن طريق استقراءها لخبرات الصراع الطبقي، الطريق الوحيد لتحطيم سلطة رأس المال الوحشية والمعفنة. ذلك هو طريق التغيير الثوري من أسفل على يد الجماهير. والطبقة الوحيدة التي في مقدورها قيادة هذا التغيير هي الطبقة العاملة. فكما أنها نتاج هذا المجتمع الرأسمالي الحديث، فهي أيضًا الوحيدة القادرة على حفر قبره.

 

Repost 0
Published by تيار اليسار الثوري في سوريا
commenter cet article
4 novembre 2013 1 04 /11 /novembre /2013 12:15

رحل سركيس سركيس

 

 

اليوم ١ ت٢رحل سركيس سركيس المناضل  من اجل مبادئ أمن بها كل حياته, ومن قيادات حركة الاشتراكيين العرب - اكرم الحوراني.

غادر سركيس سركيس عن عمر يناهز السبعين عاماً في باريس، فرنسا.

في زمن النضال والبحث عن دليل سياسي لجيل الإستقلال السوري، تربي سركيس على مبادئ القومية العربية . ودخل السجن شاباً، وخرج ليدخل عدّة مرات من اجل قيم اعتقد انها الأصح لبلده ومحيطه العربي.

عركته الظروف كثيراً، والحياة، فمن سجن إلى اخر، ومن مرارة إلى ظروف اقسى، . غادر سركيس إلى فرنسا، ليقوم بنضال مستمر ودائم بناء على ماأمن به .

لم يغلق بابه في فرنسا امام اي سياسي او مناضل او مهاجر سوري، ساعد بما استطاع، الكثير من السوريين ..

يغادر سركيس بعيداً عن مشتى الحلو، قريته، بعد ان كان حلمه ان يعود يوماً إلى سورية الحلم، سوريا المستقبل، وسوريا الحرة، كان حلمه ان يعود يوماً ويجلس على اريكة ومن حوله شباب المشتى، ليحكي لهم عن تاريخ سورية النضالي، ووعي ابنائها وتجربتهم السياسية.

رحل سركيس وحلمه معه، رحل اليوم، وسورية تعيش ثورة عظيمة ضد الدكتاتورية وتواجه مخاطر كبرى..

الرحمة  على سركيس الأبن البار لسورية ، التي امن بها وبحق شعبها بالحرية والعدالة الاجتماعية

عزاؤنا للعائلة الكريمة والسيدة غلاديس … 

 

والنصر لشعبنا المكافح

١ت٢ ٢٠١٣sarkis.jpg

Repost 0
Published by تيار اليسار الثوري في سوريا
commenter cet article
3 novembre 2013 7 03 /11 /novembre /2013 09:44

 

 

 

 

sans-titre

 


الجمعة 4 كانون الثاني (يناير) 2008

  بقلم: كريس هارمان 

 

   
  يحدث أن تكتسي أحداث ما دلالة رمزية أكبر بجلاء من عدد الأشخاص المشاركين فيها فعلا. تلك كانت حالة المظاهرات التي جرت إبان مؤتمر قمة المنظمة العالمية للتجارة بسياتل في العام 1999. لم تكن المظاهرات بذاتها كبيرة بوجه خاص قياسا على الكثير من المظاهرات التي تلت منذئذ، إذ لم يتجاوز أقصى ما بلغه عدد المتظاهرين في أقوى لحظات الاحتجاجات 30 ألفا.

 

لكنها أطلقت شيئا برزت لاحقا أهميته القصوى. قبل عشر سنوات، يوما بيوم تقريبا، جرى تقديم سقوط جدار برلين كنهاية للاشتراكية، تتيح للرأسمالية الانفراد بتحكم بالعالم وبالوجود البشري برمته على نحو لا يُمس. وطبعت سياتل بزوغ تحد جديد. في العالم برمته أبرزت وسائل الإعلام خادمة الرأسمالية ألوف الأشخاص الذي كانوا يعرقلون إحدى أكبر اللقاءات الدولية للقوى الرأسمالية. وبثت برامج التلفزيون استجوابات أشخاص كان ينددون بكامل عولمة الشركات متعددة الجنسية. وفي كل مصنع، ومنجم، ومكتب، ومدرسة بالعالم اجمع رفعت أقلية ممن يشاهدون تلك الصور القبضة مجازيا، قائلين لأنفسهم، وحتى لآخرين:" إلى أمام". فجأة وجد عقد وأكثر من الحرمان، وفقد الأوهام، والخنوع، واليأس، نقطة التقاء. وانطلاقا من سياتل بدأت حركة عالمية جديدة تتحد. وبعد خمس سنوات، قلما يجرؤ أحد على وضع وجود الحركة وأهميتها موضع سؤال. واضطر من كانوا، باليمين كما باليسار، يبخسون قدرها، معتبرين أنها موضة عابرة لدى شباب الطبقات الوسطى البيض، إلى تغيير الخطاب، أو بالأقل التزام الصمت بعد المظاهرات المتلاحقة في واشنطن، وملبورن، و كبيك، وبراغ، ونيس، وغوتبورغ، وبوجه خاص بعد جينوة. كما اضطر من اعتبر تدمير برج التجارة العالمي حكما بالموت على الحركة إلى الاعتراف بالخطأ. فبعد أربعة أشهر من تفجيرات 11 سبتمبر 2001 ، استقبل المنتدى الاجتماعي العالمي في بورتو اليغري من البشر ضعف ما استقبل المنتدى الأول. وعندما انصهرت الحركة في حركة مقاومة أوسع للحروب الأمريكية الجديدة في أفغانستان، والعراق، شهدت انجلترا وايطاليا وألمانيا واليونان وغيرها احتجاجات أكبر من نظيرها في نهاية سنوات 1960 ومطلع سنوات 1970. وأخيرا كرس 000 100، المشاركين في شهر يناير هذه السنة بالمنتدى الاجتماعي العالمي الرابع بمومباي، حيوية الحركة، وكذلك فعلت المظاهرات ضد توسيع الاتحاد الأوربي في شهر ابريل( في وارسو ودبلن)، وزيارة بوش لأوربا بعد أسابيع ( ألوف في اسطنبول ودبلن وباريس، و2 مليون في روما) وضد مؤتمر الجمهوريين بواشنطن (000 500 شخص بالأقل). عند نهاية كل تظاهرة كبيرة للحركة يتنبأ المتشائمون بهزيمتها، وفي كل مرة جانبوا الصواب.

والحال أن كل حركة لا تتسع ولا تتعزز إلا بمواجهة معارك فكرية غالبا ما تجري محاولة تفاديها في طورها الأولي. كتبتُ في صيف 2000 بمقال بهذه المجلة: َتعبر كل حركة احتجاج ناجحة طورين. في طور أول تخرج الحركة فجأة الى العالم، مباغتة معارضيها، ومثيرة حماس المتفقين مع أهدافها. وبقدر ما طالت فترة غياب الحركة يكبر الحماس. عندها تشعر القوى المبادرة بالحركة بوجوب حمل الحركة بقوة درجة تلو الأخرى. ويساعد هذا العمل على توحيد المنخرطين في الحركة، ويقودهم إلى تلطيف خلافات الرأي القديمة والحجج القديمة حول التكتيك. لكن، في تلك الآونة، لن يستسلم ببساطة من ُوجهت ضدهم الاحتجاجات. فبعد الصدمة الأولى يشرعون في تعزيز أسلحة دفاعهم، ويسعون إلى اتقاء صدمات قادمة: يحاولون وقف تقدم الحركة. وفي هذا الطور تبرز حتما مواجهات فكرية داخل الحركة حول التكتيك الواجب، حتى بين من اقسموا على نسيان الصراعات القديمة لتشجيع الإجماع. مثل صيف 2001، من جينوة الى 11 سبتمبر، انعطافا للحركة العالمية المناوئة للرأسمالية: بات واجبا اخذ تضارب الآراء داخل الحركة بعين الاعتبار لتمكينها من التوسع. أصاب الإحباط بعضا من قادة الحركة بوجه شراسة عنف البوليس في جينوة، وتخلى عنها بعض آخر بعد 11 سبتمبر، واعتبر آخرون الحركة المناهضة للحرب حرفا للحركة المناهضة للنيوليبرالية. وبما أن تقدم الحركة متعذر ما لم تتخط طور مجرد سرد للأهوال الاقتصادية والبيئية التي تسببها العولمة النيوليبرالية، وجب فتح نقاش جدي حول ما يقع للنظام العالمي،من جهة، وحول الاستراتيجيات والتكتيكات الواجبة لمحاربته من جهة أخرى. وعلى هذا النحو كان محتما ظهور تقاطب بين مختلف المنظورات. لم يقل ماركس في حقبته غير ذلك:" لا تقدم بلا انقسام". يمكن، ضمن مختلف كيفيات تناول الاستراتيجيات والتكتيكات التي ظهرت داخل الحركة، والتي يتوقف عليها مستقبلها، استخلاص أربع اتجاهات رئيسية. رغم أن مناضلين كثر يؤكدون على وجوب تفادي الحركة للسياسة، تتحدد كل من تلك الاتجاهات بالنسبة لموقفها من سلطة الدولة- أي بالنسبة لمقاربة معينة للسياسة. ويمكن، من زاوية النظر هذه، قول إن الحركة ولدت ذاتيا تيارات سياسية. سأتطرق في هذا المقال الى تلك الاتجاهات. ومن جهة أخرى سأتناول بالوصف كيف تصرفت إزاء بعضها في لحظات حاسمة. كما سأبرز المستتبعات السياسية الجارية في الحركة بالنسبة لكل الذين يسعون إلى بنائها والسير بها قدما.

السياسات من اجل محاربة النيوليبرالية

 

التيارات الإصلاحية

ينبع نجاح الحركة منذ سياتل من قدرتها على تجميع أناس انخرطوا في مختلف الحركات الاجتماعية وأدركوا، في خضم تلك التجربة،أن لهم عدوا مشتركا. لكن النتيجة الحتمية كانت جنوحا أوليا إلى السعي لإصلاح النظام القائم بدلا عن إطاحته. لا غرابة في الأمر ما دامت الحملات من أجل قضايا خاصة ترمي إلى تحويل بعض أوجه النظام القائم غير المقبولة، أي الحصول على إصلاحات. ليست الإصلاحية غرسا لجسم غريب في نضال إجمالي ما، بل هي تطابق رد فعل أوليا لكل جماعة أشخاص بدؤوا يحتجون ضد الاضطهاد والاستغلال. نشأ أفراد تلك الجماعات في مجتمع معين، ولا يعرفون بوجه عام غيره. وبالتالي يبدو لهم بديهيا أنه لا يمكن تنظيم الأمور إلا بكيفية معينة، وانه لا يمكن الحصول سوى على تقويم داخل هذا الإطار القائم مسبقا. لكن النضالات من أجل الإصلاحات تخلق أحيانا قوة دفع قد تولد وعيا بضرورة النضال من اجل تغييرات أعمق بكثير- وبقدرة الحركات على الاضطلاع بها. في السنوات الخمس الأخيرة، أدى تلاقي هذه النضالات الخاصة فيما ما يدعى"حركة الحركات" إلى خلق هكذا قوة دفع بالذات. و يُلاحظ تعزز الميل إلى التفكير في مواجهة للنظام بمجمله، بدل الاقتصار على إحدى أوجهه فقط. و بعد أن كان طابع الحركة المعادي للرأسمالية ضمنيا، أصبح معلنا وصريحا. والحال أن هكذا تجذر لم يجر أبدا بكيفية وحيدة الشكل. فليست الإصلاحية مجرد مزيج من الأفكار حول كيفية تحسين المجتمع. إنها تتجسد أيضا في مختلف المؤسسات- وبخاصة في المؤسسات البرلمانية- التي يتمثل دورها في توجيه أفكار من ذلك القبيل. يمكن في فترة أولى للمنتخبين، أو لأشخاص لهم مكانة مركزية في الأحزاب الإصلاحية، أن يقوموا بدور بالغ الأهمية لأنهم قد يشكلون نقطة تلاق خلال بزوغ الحركة. فبجذب الناس حولهم، وبالضغط لأجل تغيير الأمور، يخلقون نقطة تجميع لأنشطة سياسية – و يطلقون بذلك ميلا إلى نمو الحركات يتجاوز مجرد إصلاحات. هذا ما يستوجب ليس قبول انخراط أولئك الأفراد في إطلاق الحركات وحسب بل تشجيعه. منذ لحظة شروع حركة ما في كسب تأثير، يصبح دور هؤلاء القادة الإصلاحيين متناقضا أكثر فأكثر. فهم من جهة لا يزالون قادرين على جذب أشخاص جدد ظلوا سلبيين. لكن نزعتهم الإصلاحية تعني، من جهة أخرى، سعيهم إلى إبقاء الأمور في الإطار المطمئن للمجتمع القائم(علاوة على سعيهم إلى وضع موقفهم بالمقدمة). إنهم يجنحون إلى تليين كفاحية وثقة والتزام المنخرطين في الحركة. إن شخصيات بدت يسارية قبل وجود الحركة قد تظهر بسرعة يمينية جدا فور انطلاقها. وفي هذا الطور لن تتقدم الحركة وتتطور إلا بشرط وضع قيادة تلك الشخصيات للحركة موضع سؤال. يمكن، بقصد إيضاح هذه الظاهرة، تناول حالة برنار كاسن الخاصة في فرنسا. قام كاسن، رئيس تحرير لوموند ديبلوماتيك، بدور هام في بناء حركة ما بعد سياتل، وفي بناء جمعية أطاك Attac وبصفته مبادرا إلى المنتديات الاجتماعية العالمية. فببناء اطاك حول برنامج " تثقيف شعبي متجه نحو الفعل" بدأ يعارض السياسات النيوليبرالية التي تبنتها الحكومات. وألح بوجه خاص على انخراط رجال السياسة (المنتخبين) وصناع رأي آخرين/ شخصيات ذات نفوذ. أتاح عمل كاسن جعل اطاك جمعية من عشرات ألوف الأعضاء. لكن بمعارضته لمشاركة جمعيته في النضال ضد الحرب، اتخذ كاسن موقف مضرا بتطور اطاك. و في الفترة حيث كانت الحكومة الفرنسية تشارك الولايات المتحدة الأمريكية الهجوم على أفغانستان، كانت كامل قوى أعضاء أطاك منخرطة في عمل ضغط من أجل ضريبة توبين. ورد بغضب على الكفاحية التي ُبذلت في المنتدى الاجتماعي الأوربي بفلورانس في العام 2002. وهكذا على سبيل المثال دعا اليسار، بقصد مواجهة قوة الامبريالية الأمريكية، إلى خلق جيش أوربي. وفي الاتجاه ذاته واخذ الحركة، أثناء القمة المضادة لمجموعة الثمانية الكبار على الحدود الفرنسية السويسرية، على جذريتها. اضطلع قادة اصلاحيون بدور متناقض مماثل داخل الحركة المناوئة للحرب في بريطانيا، واسبانيا، وايطاليا،وغيرها. لقد أمكنت التعبئات الهائلة يوم 15 فبراير 2003 بفضل مبادرات أقصى اليسار، ومنظمات المسلمين وأنصار السلام، لكن بفعل مشاركة الأحزاب الإصلاحية أيضا- تلك كانت حالة حزب اليسار الديمقراطي في ايطاليا، وحزب البازوك في اليونان، وساسة مثل روبين كوك في بريطانيا. لقد أتاح لنا حضورهم أن نكون ملايين، لا مجرد مئات آلاف في الشارع. لكن فور اندلاع الحرب لم يعبر العديد منهم صراحة عن موقف مضاد للاحتلال. واكتفوا بموقف تأييد مشاركة بالحرب تحت مظلة منظمة الأمم المتحدة بدل مظلة الولايات المتحدة الأمريكية. وبكيفية مماثلة، قام قادة حزب العمال بالبرازيل بدور بالغ الأهمية في بناء المنتديات الاجتماعية العالمية الثلاث في بورتو اليغري. لقد جعل انخراطهم من تلك الأحداث نقط تجميع لكل الناشطين بأمريكا اللاتينية وخارجها. ومن هؤلاء الأشخاص من يوجد اليوم بحكومة تطبق السياسات النيوليبرالية عبر اتفاقات مع صندوق النقد الدولي. لكن بفضل قوة دفع المنتديات الاجتماعية العالمية، تمكنت الحركات المتحدرة منها من تحدي تلك السياسات.

الاتجاهات المستقلة

لما شرعت الحركة «عفويا» في تجاوز مرحلتها الأولى الخاصة، أمكنت معاينة تنامي اتجاهات غالبا ما توصف بكونها «استقلالية».

يضم هذا التعبير الفضفاض جدا عديدا من مواقف إيديولوجية وتحركات ملموسة بالغة التباين: بناء حركات اجتماعية جماهيرية، والعمل في المنظمات غير الحكومية، والمشاركة في أنشطة مباشرة غير عنيفة، والإصرار على تنظيم الجماعة communauté على الصعيد المحلي، وأنماط حياة بديلة من نوع « do your own thing » ، وأشكال إنتاج تعاونية، ثم على الهامش، يستعمل التعبير أيضا للإشارة إلى النضالية الأقلوية لـBlack Blocks، الموجه ضد الشرطة والمِلكية. ويمكن على أي حال إبراز سمتين أساسيتين تميزان كل تلك الأشكال التي ينطبق عليها التعبير.

تتمثل السمة الأولى في رفض ممارسات التسويات والمناورات داخل الطبقة السياسية وداخل كل أشكال السياسة الإصلاحية التي تسمح بتلك الممارسات. و تكمن إحدى خاصيات التيارات المستقلة في ما توليه من أهمية لدور الفعل من أسفل ولكيفية إقدام الناس على معارضة الأجهزة البيروقراطية. وتشيد تلك التيارات المستقلة بواقع أن الناس الذين ينخرطون في النضال يبدؤون في إبداء قدرات مذهلة على الإبداع والابتكار، وفي علاقة بذلك، قدرة متنامية على التنظيم الذاتي كفيلة بتحدي مفاهيم التراتبية القائمة.

لكن التيارات المستقلة ترفض، في الآن ذاته، فكرة حزب ثوري منظم حول أهداف إستراتيجية، وموجه ضد النظام بمجمله. و تشهر باليسار الثوري بعنف يضاهي ما تبديه إزاء المبررات الوصولية للطبقة السياسية. وتتهم الثوريين بكونهم طليعيين ومتلاعبين واستبداديين، بل حتى كليانيين. وترى أن السياسة محكومة حتما، سواء كان هدفها إصلاح النظام أو إطاحته، بالبقاء مفصولة عن الحركة. طبعا ثمة تيارات مستقلة، (يمكن وصفها بـ«مستقلة معتدلة») ترى إمكان اضطلاع الأحزاب السياسية بدور على الصعيد الانتخابي. لكن يلزم أن يبقى ذاك الدور خارج الحركة، على نحو يجعل فعل الحركة الاجتماعية وفعل الأحزاب السياسية يتمان بشكل متواز. وعلى الأحزاب السياسية ألا تتدخل في الحركة.

تكمن قوة التيارات المستقلة في ما تولي من أهمية للنشاط من أسفل، وفي رفضها الأخلاقي لكل تسوية مع النظام. لكنها تجد صعوبة في تجاوز ذلك الطور. وترى أن النظام فظيع وتستدعي محاربته تطوير أشكال فعل تضمن استقلالية كلية عن كل سمات النظام. وتعتقد بإمكان محاربة النظام بمجرد تجميع مختلف المجموعات التي تتنظم ذاتيا.

نادرا ما تعبر تلك التيارات عن أفكارها نظريا. ففي الواقع، غالبا ما ترتبط النظرية بالحرص على صياغة إستراتيجيات، بينما التيارات المستقلة، بحكم تعريفها، رافضة للإستراتيجية بمبرر قيامها على أولوية بعض أشكال الفعل على أخرى. غير أن ثمة مؤلفين سعى كتابهما إلى تنظير مواقفهم، وكان لهما تأثير كبير.

المؤلف الأول بعنوان الإمبراطورية، للكاتبين، مايكل هاردت وتوني نيغري، غالبا ما ُيستشهد به أكثر مما ُيقرأ فعلا (تجدر الإشارة إلى أنه كتب بلغة مبهمة في الغالب). إن «الإستراتيجية» المفصلة فيه هي أساسا لا إستراتيجية، حيث سمي تجميع مختلف النضالات المستقلة بـ«الحشد»، وهو مفهوم مبرر باستنادات ميتافيزقية الى سبينوزا. وإن اقترحت تلك النظرية شكل ما من التراتبية، فذلك بإيلاء دور هام لـ «لعمال الإعلام». يرن هذا بالأحرى كتعظيم لانتقاء ضيق لحركات مستقلة تلقى أعضاؤها تكوينا جامعيا.

و ثاني الكتابين هو تغيير العالم دون الاستيلاء على السلطة للكاتب جون هولوواي. كتاب أسهل قراءة من كتاب الإمبراطورية. و رغم مصطلحات طريفة خاصة به، يعرض كاتبه في بعض المقاطع أفكار ماركسية متينة حول الاستغلال والاستلاب، يكملها ببعض الأفكار حول الطبقة العاملة. وبفعل تنديد الكاتب بأشكال تنظيمية استبدادية وستالينية، وجد أنصارا في بلدان (في آسيا الجنوبية وأمريكا اللاتينية) حيث هيمنت أمدا طويلا أشكال التنظيم تلك منتحلة صفة حركات ثورية. مهما كان الأمر، توصل هولوواي، فيما يخص الإستراتيجية، إلى خلاصة هاردت ونيغري عينها: رفض الإستراتيجية. وعلى حد قوله، ستقوم مختلف المجموعات التي تعارض رعب النظام بصيحات غضب، بالتكتل بكيفية غير معلومة لفك علاقات الإخضاع التي تربطنا جميعا بالنظام، وقد يتيح ذلك حتى حل الدواليب المسلحة للدولة. وبناء على ذلك، لا داعي للاستيلاء على السلطة لأن الدولة ستنهار ببساطة لحظة حلول المستقلين.

ليست حجج هولوواي في الواقع سوى صياغة جديدة للنظرية الإصلاحية القديمة. ثمة في كلتي الحالتين افتراض أن الطبقة السائدة ستضطر، إذا كان الراغبون في تغيير المجتمع ُكثرا، إلى تسليمهم السلطة دون أدنى طلقة نار. تدفع شعبية تلك النظرية، لاسيما ضمن بعض المجموعات بأمريكا اللاتينية، إلى التفكير بأن على تلك المجموعات (وهولوواي) تذكر ما فعله الجنرالات بحركات العمال والفلاحين والسكان الأصليين المستقلة بالفعل، بالبرازيل عام 1964 أو الشيلي عام 1973 على سبيل المثال.

غير أن نظرية هولوواي لا تؤكد على انحلال الدولة العفوي في مستقبل مفترض، أو على قدرة الحركة تحقيق الأمور الآن و هنا، دونما حاجة إلى الاهتمام بالدولة ولا بالمستقبل. إن نموذجها القدوة هو الزاباتيون بالمكسيك، الذين قدموا على حد قوله، مثالا عن إمكان الحصول على استقلالهم مع بقاء جهاز الدولة على حاله.

لكن الواقع، مع الأسف، مغاير تماما. إذ كان الزاباتيون في البدء حركة مسلحة موجهة ضد الدولة. واكتسوا أهمية في العام 1994 لما نظموا انتفاضات مسلحة بعدة أماكن بالتشياباس جنوب المكسيك. ولقي عداءهم المعلن للعولمة النيوليبرالية صدى عبر العالم برمته، وقدم أحد أوائل نقط التقاء الحركة التي برزت بسياتل. والحال أن الانتفاضات ذاتها أخفقت، واضطر الزاباتيون الى التراجع، متحولين إلى منظمة تدافع عن السكان الأصليين في منطقة غابات لكاندون. ومنذئذ تمكنوا أحيانا من التفاوض مع حكومة المكسيك لصالح حقوق الشعوب الأصلية، ولأجل الحق في انتخاب سلطاتهم المحلية الخاصة. و نجحت تلك المفاوضات بوجه خاص لما حصل الزاباتيون على دعم أوسع من مجموعات عمال وفلاحين مكسيكيين أخرى، كما جرى خلال المسيرة نحو ميكسيكو قبل ثلاث سنوات. لكن الأمر تعلق في جميع الحالات بتفاوض لأجل إصلاحات في إطار نظام قائم ُيفقرهم. قبل عام، وصف صحفي مقرب من الحركة الزاباتية يشتغل بالجريدة اليومية اليسارية لاخورنادا La Jornada الوضع بالعبارات التالية:

إن بنية حياة الجماعة communauté ذاتها قيد الانهيار تحت ضغط الحياة الخارجية، ضغط قوي بوجه خاص في مرحلة نيوليبرالية، وانحسار اقتصادي وهجرة كثيفة... يتعذر على المنطقة المنتفضة الانعزال عن سوق البن، والمنتجات التقليدية، والزراعة، والخشب، و غيرها من الموارد. هذا لأن الذرة والمنتجات الغذائية غير قادرة على تأمين المعيشة سوى ثلاثة أشهر، ولأنه يلزم شراء الباقي –الغذاء والأدوية والألبسة- من السوق بالمال.

إن جماعات السكان الأصليين مطوقة في الواقع بوحدات الجيش المكسيكي التي تقوم بدوريات بالطرق المؤدية إلى الغابة. أدى ذلك بدوره إلى عسكرة داخلية معينة للزاباتيين، جعلت القائد ماركوس ذاته يقول إن البنية العسكرية لجيش التحرير الوطني الزاباتيEZLN أصابت على نحو ما بالعدوى تقاليد تلك الجماعات في الديمقراطية والتسيير الذاتي. لا يصح أن نرفض بلا تقييم الإصلاحات الطفيفة التي حققها السكان الأصليون. لكن اعتبارها حلا ُمرضيا لما يسببه لهم النظام العالمي من أهوال إنما يعادل الاستسلام لأحط أشكال الإصلاحية. إن هولوواي يقترب، إذ يبجل هذا النوع من الحركة «المستقلة» كهدف بحد ذاته، من إدوارد برنشتاين، منظر الإصلاحية الاشتراكية-الديمقراطية، الذي قال قبل قرن «الحركة كل شيء، الهدف لا شيء».

إن دفاع هولوواي عن ذلك لا يبعده عن مركز نظريته. إن نظرية المستقلين، بقدر ما لا تكتفي بمبالغة الايماءات الأخلاقية، بل تحرص على القيام بشيء ما ضد ويلات هذا العالم، تتحول بسهولة إلى الإصلاحية، رغم أنها إصلاحية جذرية. يعني هذا في آخر المطاف أن كل من يؤمنون بالتنظيم الذاتي للناس من أسفل، دون تراتبية، لا يمكنهم الحفاظ على ذاك المبدأ دون وضع بعض سمات النظرية المستقلة موضع تساؤل ونقاش.

الإصلاحية الجذرية

لا بد من التذكير بأن الإصلاحية تستلزم أمورا أكثر من مجرد مناورات في إطار الهيئات السياسية القائمة. إنها تعني أيضا عمل تعبئة كامل لأناس قصد الضغط على تلك الهيئات. كما يلزم التذكير أنه عندما ينسحب بعض القادة الإصلاحيين من حركة ما، يواصل آخرون دفعها إلى أمام. في بريطانيا، تواصل بعض الشخصيات تعليق آمالها على الهيئات البرلمانية. تلك حالة توني بين وجيريمي كوربين نائب حزب العمال Labour، وكرولين لوكاس نائبة الخضر بالبرلمان الأوربي. لقد اضطلعوا كلهم بدور هام في بناء وتطوير الحركة المناوئة للحرب. إنها كذلك حالة شخصين متحدرين من الحزب الشيوعي القديم. ونهض بدور مماثل في بناء الحركة على المستوى العالمي كتاب وصحفيون مثل جورج مونبيوت، وسوزان جورج ونعومي كلاين. قاموا بدور بالغ الأهمية بالمحاججة ضد النيوليبرالية والحرب، لكن لا شك أن التغيير النهائي سيكون نتيجة ضغوط على النظام القائم. يرى هؤلاء الناس أن النقاش حول الخيار الاستراتيجي بين الإصلاح أو الثورة غير ملائم في العالم الراهن، وينطوي هذا على أن الشيء الوحيد الممكن هو النضال من أجل إصلاحات.

بوجه عام، يدرك الاصلاحيون الجذريون، على نحو أوضح من أنصار الاستقلالية الصرف، أن الحركة بحاجة إلى إستراتيجية وتكتيك. ورغم ما يطبع أحيانا وجهة نظرهم حول المطلوب عمله من عناصر تلاعبية وبيروقراطية وبرلمانية، لديهم بوجه عام مفهوم ما للإستراتيجية والتكتيك. و يدركون أن بعض الأمور أهم من أخرى وأنها تستدعي الأولوية لضمان الفعالية. إنهم يعون أن الحركة تواجه أعداء سيدمرونها ( وإن حياة المناضلين ذاتها معرضة للخطر ببعض بلدان العالم الثالث)، ما لم يحسن مناضلوها اختيار اللحظة المناسبة، والوسائل الناجعة والقوى الملائمة للنضال. إنهم يبصرون بجلاء كيف لا يمكننا السماح لأنفسنا بتبني مبدأ الحركات المستقلة، مبدأ «كل شيء جيد». ومن هنا ما يبدو من تناقض في قدرة هؤلاء الإصلاحيين،في حالات معينة،على امتلاك حس أدق بما تحتاج الحركة يفوق ما لدى المستقلين الذين يبدون أكثر جذرية.

الإصلاح والاستقلالية والثورة في الحركات الراهنة

فرنسا

تنامت جدا حركات أوربا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية في السنوات الخمس الأخيرة. ولحظة كتابة هذا النص، يفوق حجم المظاهرة المناهضة لبوش بنيويورك بلا شك عشر مرات ما شهدناه في سياتل. لكن النمو لم يتخذ شكل منحى تصاعدي وحسب. ففي بعض الأحيان توقّف الاندفاع إلى أمام، ولما حدث ذلك ظن عدد كبير من الناس الحركة منتهية. وحاول البعض الآخر تحليل المشاكل واقترح حلولا. و في تلك اللحظة بدأ تفاعل التوجهات الأربع يبرز.

كانت فرنسا أول بلد بدأ بها انغراس حركة مناهضة للعولمة و للنيوليبرلية. ظهرت حركات عديدة مختصة –مسماة «حركات اجتماعية»- في مطلع سنوات 90 (على سبيل المثال حركة «المهاجرين بلا أوراق ثبوتية» من أجل تسوية وضع المهاجرين القانوني، أو حركة العاطلين)، ثم بدأت موجة إضرابات القطاع العام ومظاهرات أواخر العام 1995 تخلق شعور تضامن ضد النيوليبرالية والحكومة اليمينية آنذاك: خاطب عالم الاجتماع البارز بيار بورديو عمال سكك الحديد بمحطة قطار ليون بعبارته الشهيرة، مفادها أن معركتهم أول نضال كبير «ضد العولمة». وبينما تواصل حكومة «اليسار المتعدد»، بقيادة الحزب الاشتراكي، وعضوية الخضر والشيوعيين، سياستها النيوليبرالية، عقدت أطاك لقاء تأسيسها بجامعة سان دوني ستة أشهر قبل سياتل. كانت أول تعبئة ضخمة بعد سياتل مهرجانا في المدينة الصغيرة مييو جنوب فرنسا، خلال صيف العام 2000.

غير أنه بعد جينوة، وعاما بعد 11 شتنبر ، بدت الحركة الفرنسية زائلة من الشوارع. و ما كانت ثمة، إذا صح التعبير، حركة مناوئة للحرب ضد أفغانستان (التي شاركت فيها فرنسا بشكل مباشر)، وبرزت بها الحركة ضد الحرب على العراق أضعف مما في بلدان أوربية أخرى. كان الناس يفسرون ذلك بكون فرنسا لم تشارك مباشرة، لكن ذلك لا يمكن، بحد ذاته، أن يفسر ضعف الحركة مقارنة ببلدان أخرى غير مشاركة في تلك الحرب، مثل ألمانيا أو حتى ايرلندة (التي يقل سكانها ثمان مرات عن سكان فرنسا). كان أحد العوامل الرئيسة من طبيعة سياسية. كان الناس ينتظرون أن تتولى أطاك القيادة–لكن السياسة في أطاك أفضت إلى عدم اضطلاعها بأي قيادة. غير أن الاستياء من النظام لم يزل. ذاك ما أُثبت في أبريل العام 2002 لما صوت 10% من الناخبين -3 ملايين- لصالح مرشحين ثوريين في الانتخابات الرئاسية، ولما تظاهر أكثر من مليون شخص ضد الفاشي لوبين.

استأنفت الحركة نشاطها بسرعة في أوائل صيف 2003. إذ تظاهر 000 100 شخص قادمين من فرنسا ضد قمة البلدان الثمانية الكبار بإيفيان (قرب حدود فرنسا و سويسرا) في اللحظة ذاتها حيث كانت أكبر موجة اضرابات في القطاع العام منذ 1995 تغير المناخ. وكان مهرجان في لارزاك بعد بضعة أسابيع أهم حدث مناهض للرأسمالية في البلد حتى ذلك الحين، واضعا الأسس لحضور عشرات آلاف الأشخاص في المنتدى الاجتماعي الأوربي في باريس. لكن عاما بعد ذلك، كان ثمة من جديد مناضلون اعتبروا الحركة في طريق الزوال. على كل حال، كانت الحكومة قد قضت على موجة الاضرابات واستعملت أغلبيتها البرلمانية لفرض إصلاحات مضادة. وكانت الحركة تبدو بلا وسيلة للتصدي لذلك. وجرى داخل الحركة ابتعاد عن الغبطة «الاستقلالية» لصيف عام 2003 ، لصالح إصلاحية اليسار المتعدد فاقدة الاعتبار. وكان جوزي بوفيه، أحد قادة منظمة فلاحية مناضلة، أثار غضب حكومة اليسار بتدميره مطعم ماكدونالد، قد صرح في لارزاك أن طريق التغيير لا يمر بالبرلمان. وبعد أشهر قليلة، دعا إلى التصويت لصالح الاشتراكيين والخضر. لم يكن ذلك انحرافا معزولا. قرر ملايين الأشخاص، المشمئزين من الحزب الاشتراكي واليسار المتعدد لدرجة رفض التصويت لهما في انتخابات الرئاسة (لم يحصل المرشح الاشتراكي جوسبان، سوى على 17% من الأصوات)، أن ليس ثمة سوى بديل وحيد عن اليمين: اليسار المتعدد فاقد الاعتبار للتو. منذ اللحظة حيث بدت الحركة غير قوية بما يكفي لإفشال حكومة يمينية، قام أناس كانوا انجذبوا جهة المستقلين و صوتوا لصالح الثوريين حتى، بالتراجع نحو إصلاحية برهنت مع ذلك على عجزها عن الإصلاح.

تتمثل الحقيقة المرة في أنه ليس بوسع الحركات الاجتماعية «المستقلة» ذاتها أن تهزم الحكومة. فهي إجمالا حركات أقليات، و شبكات مناضلين كانت تسعى إلى التعبير عن مصالح شرائح واسعة، لكن ليس لها أي ارتباط عضوي بها. «ان تغلغلها في الأوساط الشعبية ضعيف بفرنسا». هذا علاوة على انفصال كل حركة عن الحركات الأخرى وعن منظمات الطبقة العاملة التقليدية، أي النقابات. كان عليها أن تتجمع بما هي «حركة الحركات» في المظاهرات الكبرى، مثل التظاهرة ضد قمة الثمانية الكبار G8، أو في منتديات اجتماعية كبرى. لكن ذلك لا يتجسد في منظمة قائمة قادرة على تطوير إستراتيجية وتكتيكات في مواجهة كبرى مع حكومة نيوليبرالية. لم يكن ثمة «وحدة عفوية بين سائقي الشاحنات والسلاحف ». إن «استقلالية» كل مكون ذاتها تمنع ذلك:

إن حركة اجتماعية بلا منظمات جماهيرية حاملة لمطالبها وحججها، قصد التدخل في النقاش العام، و توضيح المصالح المشتركة لمختلف فروع عمال الياقات البيضاء ، حركة اجتماعية وجدت نفسها عاجزة عن مواجهة إستراتيجية التقسيم لدى أعداءها.

لم يكن بوسع الحركة تخطي تلك العوائق ما لم يتحد مناضلون واعون بالمشكلة ويناضلوا من أجل وضع مقاربة مغايرة. لكن ذلك كان يعني تجاوز خطاب «الاستقلالية» دون خشية التعرض للتشهير بواسطة تهمة «النزعة الطليعية». وفي غياب ذلك، لم يكن ممكنا أن يفضي النضال إلى نصر، ولا يرى العديد من أنصاره خيارا آخر سوى أن يضعوا مجددا ثقتهم، على مضض، في السياسة الإصلاحية.

إيطاليا

كان ثمة في إيطاليا شعور مماثل بالمأزق وميل إلى انزلاق نحو الإصلاحية، هذا في بداية صيف عام 2003. كان البلد شهد جملة تظاهرات شوارع ضخمة –مواكب في كل مدن إيطاليا الكبرى في يوليو/تموز عام 2001 ضد القمع البوليسي بجنوة، ومظاهرة ثلاثة ملايين والإضراب العام يوما واحدا من اجل حقوق العمال في ربيع 2002، ومسيرة مليون شخص ضد الرأسمال والحرب على العراق يوم 15 فبراير/ شباط 2003. كانت مجموعتا ناشطين متلاقيتان مركزيتين في كل ذلك – من جهة، شبكة «المنتديات الاجتماعية» المدينية المشكلة لحركة « no-global » ، ومن جهة أخرى حزب إعادة البناء الشيوعي بأعضائه المائة ألف، وتأثيره في قطاعات مناضلين عماليين وبرلمانييه.

لكن رغم مستوى الاحتجاجات المرتفع، حقق الأمريكيون انتصارا عسكريا بالعراق وواصلت حكومة بيرلسكوني هجومها على مكاسب العمال. وانتهت محاولة أخيرة لتوسيع تلك الحقوق عبر استفتاء شعبي بمبادرة من الاتحاد النقابي الرئيسي و حزب إعادة البناء Rifondazione، الى فشل أمام عداء كافة الأحزاب السياسية التقليدية (حتى المعارضة الرسمية ليسار الوسط ضد بيرلسكوني).

اجتاح المناضلين شعور بأزمة، تم التعبير عنه جليا خلال لقاء وطني لحزب إعادة البناء Rifondazione في يونيو من هذا العام. كان المتدخلون تلو المتدخلين يستعملون كلمة «أزمة» لتوصيف الوضع، منبهين الى أنه بينما كان الحزب في مركز كل الاضطرابات، انهارت نتائجه في الانتخابات الإدارية الحديثة وتوقف نمو عدد منخرطيه، و في الآن ذاته حسنت الاشتراكية الديمقراطية ليسار الوسط نتائجها الانتخابية، رغم سياستها النيوليبرالية في الحكومة ومشاركتها الأكثر فتورا في الحركة.

كان رد أغلبية قيادة الحزب على «الأزمة» مرتكزا على الخطاب الدائر حول ضرورة مزيد من «التجديد» وعلى إعلان أنها كانت تقترب من يسار الوسط بقصد مناقشة برنامج انتخابي مشترك. وراحت الصحف اليومية الإخبارية تكثر الفرضيات حول ما قد يحصل عليه الحزب مستقبلا من وزارات في حكومة يسار الوسط. كان ذلك تطورا مفاجئا، إذ أن الحزب كان قد تشكل في سياق معارضته تأسيس اليسار الديمقراطي انطلاقا من الحزب الشيوعي الإيطالي القديم –وانفصل عام 1998 عن أقلية أعضائه التي كانت تواصل دعمها لحكومة يسار وسط تطبق سياسية ليبرالية.

كانت جذور الأزمة كامنة في حدود الحركات الجديدة، رغم الدعم الضخم الذي حظيت به. وكما فسر ثلاثة من قادة الحزب معارضين للانعطاف الجديد نحو الإصلاحية:

" فيما يتعلق بالحركة، علينا قول إن لها بجلاء حدودا. (إنها) تشتغل بشكل رمزي، مرتكزة على نقد أخلاقي للواقع القائم، ومعبرة عن أفكارها حول بعض الأحداث، لكن دون أن تتحول هي ذاتها إلى حركة دائمة، و بلا آليات تجذر قد تتيح النضال من أجل أهداف محددة. إنها تفتقر إلى أهداف جلية وبرنامج للظفر. هكذا كان الأمر في جنوة، وبعد جنوة وفي فلورنسا وبورتو أليغري. و هذه الحقيقة بديهية اليوم.لا شك أن «أناس في المنتديات» صوتوا في الاستفتاء، لكنهم لم يفلحوا في خلق تفاعل متسلسل، ولم يبنوا علاقات في البلدات، وفي مواقع العمل أو مناطق أخرى حيث قد يستطيعون«نقل العدوى» إلى باقي السكان.. لسنا إزاء حركة مماثلة لحركة سنوات 1970، متجذرة في المصانع...

كان حزب إعادة البناء الشيوعي قد قام بانعطاف بالغ الأهمية نحو الحركة أثناء حقبة جنوة، مما ميزه عن العصبوية الستالينية العقيمة التي كانت تسم بعض الأحزاب الشيوعية الأوربية الأخرى. كان قد اضطلع بدور في غاية الأهمية في الحركات العارمة بايطاليا برمتها في جنوة بعد مقتل كارلو جولياني، معلنا حق الوجود في الشوارع وفي التظاهرات الضخمة التي جابت المدن الإيطالية الكبرى خلال الأيام اللاحقة. وبذلك كان تفادى تدمير قمع بيرلسكوني للحركة، ومستقطبا عددا كبيرا من الشباب. لكن انعطافه نحو الحركة ترافق مع ابتلاع عدد كبير من الأفكار الاستقلالية المهيمنة.

وفي نقاشه حول الحزب والحركة، لم يعبر أبدا بوضوح عن أن انقسامات قد تحدث في الحركة حول شكل إحراز التقدم، وعن أن هدف الثوريين تنظيم العناصر الأكثر وضوحا لكسب رهان البرهنة. كان له بالعكس موقف من نوع «عش ودع الآخرين يعيشون» تجاه من كانوا يؤمنون بما تتبناه النزعة الاستقلالية من صيغ رمزية وأخلاقية، وشعار «قم بالأمر أنت بالذات». سيكرر فاوستو بيرتينوتي، الشخصية القائدة للحزب، أفكار المستقلين الجامدة ذاتها حول عدم جدوى النقاش حول الإصلاح والثورة بمبرر أن «الإصلاحيين عجزوا عن إتيان إصلاحات، وعجز الثوريون عن القيام بثورات». ومذاك بدأ الحزب ذاته، المواجه لحدود الحركة التي يؤثر فيها المستقلون، ينزلق نحو الإصلاحية. لم يكن الانعطاف تاما، وأبدى بوضوح بعض المتدخلين في اللقاء الوطني الرغبة في دفعه أبعد من القيادة، التي تحافظ على التزام نحو النضال النشيط مختلف جدا عن مقاربة اليسار الديمقراطي.

يكشف المشهد الإيطالي أمرا آخر. إذ كان حزب إعادة البناء الشيوعي Rifondazione مدة طويلة مثالا لما بوسع أقصى اليسار تحقيقه من نجاحات انتخابية. أتاح له نشاطه تقديم أفق وطني يساري للأقلية (زهاء 5% من السكان) المشمئزة من النهج النيوليبرالي ليسار الوسط. وأتاح له ذلك الاضطلاع بدور عام في جنوة، وفلورنسا وفي الحركة المناوئة للحرب. لكن تمثيله البرلماني لا يمنحه بحد ذاته السلطة، ولم يحل دون الشعور العام بخيبة الأمل وبالضعف الذي ظهر في بداية صيف 2003. آنذاك جاء اقتراح الممارسة التافهة القائمة على استعمال التمثيل البرلماني كقوة تفاوض حول تشكيلة حكومة يسار وسط مرتقبة، حتى ولو كانت هكذا حكومة نيوليبرالية.

شهدت الحركة تجددا في ربيع 2004، مع تظاهرة مليوني شخص ضد زيارة بوش ونزاعات صناعية هامة. لكن الانحراف المتشائم في عام 2003 أبرز أن السياسة ليست مسألة خارج الحركة بل تحددها الحركة.

الولايات المتحدة الأمريكية

المسألة واضحة جدا فيما يخص الولايات المتحدة الأمريكية. تداركت الحركة التراجع الذي شهدته خلال المرحلة التي تلت مباشرة 11 شتنبر، وذلك بتظاهرات ضخمة جدا مناوئة للحرب عام 2003 (أكبر بكثير من تظاهرات حقبة الحرب على الفيتنام في شروط مماثلة). لكن تعاظمها ذاته كان يجبرها على مواجهة المسألة السياسية المركزية حول طريقة بلوغ أهدافها على أحسن وجه. بعد فشل منع الحرب بواسطة تظاهرات ضخمة ونضالات غير عنيفة، استدارت أقسام واسعة نحو الحزب الديمقراطي بما هو البديل الظاهر الوحيد عن بوش. وفي حملة تعيين المرشح الديمقراطي، في خريف عام 2003، وضع آلاف المناضلين أنفسهم في خدمة هووارد دين أبرز المرشحين المناوئين للحرب. ثم دعموا كيري بمجرد ما حصل على أحسن نتيجة في الانتخابات الأولية -رغم أنه كان صوت لصالح الحرب منذ البداية وأيد مواصلة احتلال العراق. وخصصت مقالات عديدة في Znet ، أهم موقع مناهض للرأسمالية بالولايات المتحدة الأمريكية، لهجمات على رالف نادر لجرأته في مواجهة حزبي عالم الأعمال المناصرين للحرب، رغم أن بعض استطلاعات الرأي ترقبت حصوله على 5% من الأصوات. وأبدى مايكل مور، السينمائي الجذري الذي عمل الكثير لبناء حركات مناوئة للحرب و مناهضة لهيمنة الشركات متعددة الجنسيات على النظام، تأييده لكيري بعدما دعم في البداية ويسلي كلارك، قائد عمليات حلف شمالي الأطلسي بصربيا سابقا. ودعا نعوم تشومسكي ذاته إلى التصويت للمرشح ديمقراطي في الولايات الهامشية. وقدم حزب الخضر، الذي كان ساند نادر عام 2000، مرشحه الخاص ضده، مما أدى الى مزيد من الغموض والنقاش. إن السياسة التي تم رميها على ما يبدو من باب الحركة بسياتل، تعود عبر النافذة. لم يقض نقاش من هذا القبيل على الحركة ، كما دلت التظاهرات الضخمة بواشنطن، وشبكات المجموعات المناوئة للحرب في أماكن غير متوقعة و ما حظي به فيلم موور فرنهايت 11/9 Fahrenheit 9/11 من شعبية واسعة. لكن النقاش قد يتواصل بشكل أو بآخر، أيا كان حزب عالم الأعمال الكبير الذي سيفوز بالانتخابات ويواصل الاحتلال. و لن يغني الابتهاج لحجم الحركة وتنوعها واستقلالها عن طرح أسئلة حول ما يتوجب عليها لضمان الانتصار.

الإكوادور

لم تكن أوربا مسرح أعلى مستوى من النضالات منذ سياتل، بل أمريكا اللاتينية. حيث أدت انتفاضات عفوية ضد عواقب النيوليبرالية والأزمة الاقتصادية إلى إطاحة حكومات في ثلاثة بلدان خلال ثلاث سنوات، بدءا بالإكوادور في يناير 2000.

قال ألكسيس بونس عن الانتفاضة: «كان ذلك شبيها تقريبا بالاستيلاء على قصر الشتاء[ في ثورة اكتوبر 1917 بروسيا – م]. يا له من مشهد رائع: مئات من الجنود يدا بيد مع آلاف من السكان الأصليين». كان رئيس البلد ماهواد، وهو اقتصادي خريج هارفارد، ينهج سياسة نيوليبرالية، مختصرة في مخطط قصد استبدال العملة المحلية سوكر بالدولار الأمريكي، وذاك في مرحلة كاد مستوى البطالة يبلغ 30%. شارك السكان الأصليون في ثلاث تظاهرات نضالية العام الماضي. لم تقتصر هذه المرة منظمتهم، CONAIE، على التظاهر، بل احتلت البرلمان، وقصر العدالة والقصر الرئاسي –وبذلك حظيت بدعم غير منتظر من وحدات عسكرية. فر الرئيس، وحلت محله لجنة مكونة من ثلاثة أشخاص ضمت عقيدا متعاطفا مع الاحتجاجات، وهو لوسيو غوتييريز، وممثل عن منظمة CONAIE.

لم يدم الفرح طويلا. حل قائد أركان الحرب محل غوتييريز وعين مساعد ماهواد، نوبوا، رئيسا للبلد وأعاد الانضباط العسكري. تم اعتقال غوتييريز وجنود آخرين كانوا قد دعموا الانتفاضة، بينما تحمل نوبوا مسؤولية إعادة تطبيق البرنامج النيوليبرالي لسلفه المطرود (بما في ذلك الدولرة).

شهدت السنتان اللاحقتان تجدد حواجز الطرق، ينظمها السكان الاصليون، واضرابات مديدة، ومواجهات دامية ضد ارتفاع الأسعار. ولما أطلق سراح غوتييريز سارع إلى إلقاء خطابات نارية ضد نيوليبرالية الحكومة. وصرح في المنتدى الاجتماعي الأول عام 2001: «لا نريد أن تباع مقاولاتنا الإستراتيجية، ولا التخلي عن سيادتنا المالية، نحن نعارض مشاركة الإكوادور في مخطط كولومبيا، ونحن ضد تدنيس سيادتنا بوجود القاعدة العسكرية بمانطا». جعل منه ذاك الخطاب بطلا لدى اليسار برمته في أمريكا اللاتينية وضمن له دعم حركة السكان الأصليين كوناي CONAIE واليسار لما فاز في انتخابات عام 2002 الرئاسية. حصلت منظمة كوناي على وزارة الشؤون الخارجية، والزراعة والتعليم والسياحة، و حصلت الحركة الديمقراطية الشعبية، وهي حزب ماركسي الأصول، على وزارة البيئة. احتفى القائد الأهلي ووزير الشؤون الخارجية، باكاري «بالاعتراف بالشعوب المتجاهلة تاريخيا». هكذا فإن حركات كانت قد فشلت في تغيير المجتمع بفعل انتفاضات باتت على اقتناع بإمكان بلوغ ذلك بالانتصار الانتخابي في الإطار القائم.

كانت النتائج مفجعة. خضعت الحكومة لشروط صندوق النقد الدولي ودعمت خطة كولومبيا. استقال وزراء كوناي CONAIE و جرى استبدالهم بعناصر يمينية. «خان» غوتييريز «حركة السكان الأصليين»، كما صرح القائد اومبيرتو شولانغو. وتحدث عالم الاجتماعي الماركسي الإكوادوري فرانسيسكو هيدالغو عن «الهزيمة الأولى لحركة السكان الأصليين المعاصرة».

تبرز الهزيمة عجز سياسة لا تتجاوز الاحتفاء بالنشاط المستقل لمجموعة خاصة، حتى حيث يشكل النضال بقصد الاستقلال مرحلة ضرورية لسيرورة نضال التحرر.

ومثل حركة الزنوج بالولايات المتحدة الأمريكية في سنوات 1960، ارتكزت حركات السكان الأصليين بجمهوريات أمريكا الجنوبية على أناس يقاومون الميز والاستغلال الماديين، وفي الآن ذاته يعبرون عن اعتزاز بجذورهم- أي بعناصر ثقافية سابقة للغزو الأسباني. إن تلك الحركات تؤلف الاستغلال والاضطهاد. وبفعل طريقة تفاعل العنصريين، قد تكون ثمة في مثل تلك الحركات اتجاهات قوية لا ترى مصالحها المشتركة مع الطبقات الشعبية الناطقة بالأسبانية، الملونين، التي تتعرض لإفقار متزايد، و تشكل القسم الأكبر من نصف السكان الآخر.

يكتب بونس عن انتفاضة يناير 2000:

كان ثمة عصبوية وتشبت بالرأي منظمان... ضد... فئات شعبية ومنظمات اجتماعية لها تماثلات وتجانسات مع القضية... لكن كان ثمة إقصاء لقطاعات اجت

ماعية وسياسية أخرى. ما من عمل مسبق لخلق دعم اجتماعي للانتفاضة... لم يدمج نقابيو المدن الكبرى، كالجبهة الموحدة للعمال FUT، والمدرسون والطلاب التابعين للجبهة الموحدة صراحة في الانتفاضة، لا بل كانوا مهمشين.

وكانت النتيجة: « حظي السكان الأصليون في المحاولات الثلاث التي تلت انتفاضة عام 1969 بتهليل السكان على نطاق واسع، لكن لما وصلوا على الأقدام إلى كيتو، لم يحدث شيء من ذلك في يناير 2000».

وبعبارات أخرى، حالت انفصالية و«استقلالية» بعض قادة الحركة دون بلوغ الانتفاضة تأثيرها الأقصى، و تركتها في آخر المطاف دون دفاع أمام عزم الطبقة الحاكمة القضاء عليها. لكن سرعان ما بينت الأحداث بجلاء حاجة الانتفاضة إلى حلفاء. وإذا تعذر إيجاد أولئك الحلفاء في الفئات الشعبية، لزم البحث عنهم في مكان آخر. ذلك كان مصدر الثقة في غوتييريز في ليلة 21 يناير – والثقة الممنوحة للتحالف الحكومي معه بعد سنتين من ذلك. وكما يقول فرانسيسكو هيدالغو، «كانت منظمة السكان الأصليين الرئيسة تعاني من غياب قيادة سياسية».

وبليغ أن يصل بونس إلى نتائج مماثلة. كان قبيل الانتفاضة ، يمدح الزاباتيين الذين «غيروا» المفاهيم السياسية لـ«يسار القارة» قبل «سنوات 1980 و1990» ولم يعتبروا « السلطة السياسية مسألة مركزية».

لم يكن للنضال غنى عن تأكيد «الاستقلال»، بمعنى إمساك شعب بزمام قراراته والقطع مع 500 سنة من الخضوع للآخرين، لكنه ما كان كافيا. تظهر حتما في كل «مساحة مستقلة» مواقف سياسية متباينة فيما يخص النهج المطلوب. ويحدد المجتمع الرأسمالي حيث يوجد المضطهَدون طبيعة تلك المواقف السياسية. لا يمكن أن يقتصر النضال ضد الاضطهاد على خطابات حول إثبات الذات والاستقلال. ولا بد له، إن وجب عليه تجاوز نقطة معينة، من مواجهة المسألة الرئيسية المتعلقة بإصلاح المجتمع أو الثورة الإجمالية- وبما يستدعيه حل تلك المسألة من أشكال تنظيم مخترقة للمجتمع. إن من يدعي أن «الاستقلال» يعني عدم تدخل الأحزاب بقصد التأثير على الحركات، إنما يدعو في الحقيقة إلى وجوب التزام من يعارضون الانحراف الإصلاحي الصمت بينما يتحول النصر إلى هزيمة.

دروس الأرجنتين

كانت الانتفاضة الأرجنتينية في 10 و20 كانون الأول (ديسمبر) 2001 عفوية، دون ما كان قائما بالإكوادور في يناير عام 2000 من محور تنظيم مركزي. انفجر غضب مختلف المجموعات الاجتماعية المتراكم –عاطلي ضواحي بيونس أيرس، والياقات البيضاء بالعاصمة، وأقسام عريضة من الطبقات المتوسطة- انفجر في الشوارع وأجبر الرئيس دي لارووا على الفرار على متن طائرة مروحية. ومر شهر قبل أن يكون ما يشبه حكومة مستقرة قادرا على أن يحل محله.

برزت بعد الانتفاضة أشكال تسير ذاتي شعبية. وفي المنطقة الصناعية (وفي عدة مدن صناعية للولاية) ازداد عدد منظمات العاطلين، البيكيتروس، ونزلت إلى الشوارع طلبا للمؤونة وتعويضات «خطة العمل»، وفرص عمل. وفي بيونس أيرس، ظهرت تجمعات من 50 إلى 100 شخص في كل حي، منسقة عملها بواسطة «تجمعات التجمعات» أسبوعيا في كل أرجاء المدينة. كانت تلك الهياكل مراكز نُظمت انطلاقا منها احتجاجات متتالية وأخذت على عاتقها بعض الوظائف اليومية الضرورية لمساعدة الناس على مقاومة الأزمة: كانت مجموعات من البيكتروس تزرع خضرا في أراضي خالية، وتعد الخبز جماعيا، وتوزع ما قد تحصل عليه من إعانات الدولة. وأقامت تجمعات نواد مقايضة حيث كان الناس يتبادلون الوظائف والخدمات دون اللجوء إلى النقد الذي يعوزهم. كانوا ينظمون منتديات للناس المشمئزين تماما من الأحزاب السياسية القديمة التي دعموها حتى ذلك الحين. و بين استطلاع للرأي ،في أوج تأثير التجمعات، أن 40% من سكان بيونس أيريس ترى فيها نموذج تسيير البلد مستقبلا.

قاد مستوى التسيير الذاتي العجيب وتعظيم الحركة عددا كبيرا من اليساريين، بالأرجنتين و بالعالم، إلى استخلاص انتفاء الحاجة إلى تنظيم سياسي. وتبنى مثقفون مرموقون ببيونس أيرس أفكار هولواي ونيغري. وبلور ثامورا، التروتسكي سابقا، الذي جعلته هجماته الضارية في البرلمان ضد الحزبين الكبيرين أحد أكثر الساسة شعبية بالبلد، صيغة الاستقلالية الخاصة به. كما كانت الأفكار الاستقلالية بالغة القوة بأحد أهم منظمات البيكتروس، Coordinadora Anibal Verón . ولما كنت أحاجج مايكل هاردت، الذي شارك نيغري في كتاب الإمبراطورية، كان النموذج الأرجنتيني مثال أنصاره المستشهد به بكثرة.

ومع ذلك جرى استتباب الاستقرار السياسي حاليا (على الأقل في الوقت الحاضر)، وما عادت التجمعات قائمة مطلقا، ويواجه البيكتروس نارا كثيفة من وسائل الإعلام ودرجة قمع متعاظمة من الدولة، وفي الآن ذاته من مجموعات متنفذة مرتبطة بالبيرونية.

كانت لحركات العامين 2001 و2002 قدرة شل أنشطة الدولة ودفع الطبقات الرأسمالية الأرجنتينية إلى موقف دفاعي. كما استطاعت التلويح بشبح تسيير مغاير للمجتمع. لكنها لم تكن واضحة كفاية بشأن ما تريد تحقيقه أو تنسيقه لإطاحة الطبقة الحاكمة وإرساء بنية اقتصادية واجتماعية جديدة مرتكزة على التسيير الذاتي الديمقراطي من أسفل والإنتاج لتلبية الحاجات وليس الأرباح. يتمثل فشلها الذريع في عجزها عن تطوير إستراتيجية تجذب أقسام الطبقة العاملة المستخدَمة إلى النضال. كان الخوف من فقدان العمل يبعد تلك الفروع من الانخراط في نضالات العاطلين، بينما كان البيروقراطيون البيرونيون المتحكمون في الاتحادين النقابيين الرئيسين يضطلعون بالإنابة عن الحكومة المؤقتة التي شكلها في آخر المطاف أدولفو دوهالدي شهرا بعد الانتفاضة. ظل نصف الطبقة العاملة المحروم من العمل تابعا للحكومة للحصول على التعويضات (مهما كانت هزيلة) التي تتيح البقاء على قيد الحياة. استعمل دوهالدي بعض تلك التعويضات لإخماد فتيل أقسام من البيكتروس. واستعمل بعضها لإعادة بناء شبكاته الخاصة. أُستكمل الاستقرار السياسي بانتخاب بيروني آخر، كيشنر، في منتصف عام 2003. و بعد ثمانية عشر شهرا من الإخفاق في إتيان حل للأزمة خاص بها، انضمت إليه أقسام من الحركة بصفته ممثلا للبديل الوحيد الذي يبدو ذي مصداقية قياسا باليمين(وبوجه خاص الرئيس السابق منعم). وكان يحظى خلال تنصيبه بدعم الاتحاد النقابي الثالث CTA، المفترض أنه يسار غيره، وبعض منظمات البيكتروس مثل باريوس دو بي و MIJD لراوول كاستيلس، وقسم منظمة أمهات ساحة مايو التي تقودها هيبي بونافيدي ومجموعات حقوق مدنية أخرى. كانوا يرون أن «كيشنر ينافس شافيز المحبب إليهم على لقب الرئيس الأكثر يسارا في القارة، وحامل صورة أكثر "تمردا" من صورة لولا».

لم يكن بوسع «استقلال » الحركة التي أطاحت الرئيس دي لارووا إتيان بديل عنه، فكان الناس، بفعل ذلك، يميلون في آخر المطاف إلى الاعتقاد بأن الخيار الوحيد قائم بين تنويعات النظام القديم. لم يمكن إبقاء السياسة خارج الحركات. وكانت المسألة الحاسمة متمثلة في معرفة أي سياسة قد تنتصر. وكما حدث في الإكوادور، ما لم ينجح ثوريون ذوو إستراتيجية توحيد للحركات وتوسيع لها في استقطاب المناضلين الأكثر نشاطا وعزما، تنتصر الإصلاحية، ومعها رجوع «الركام القديم» بكامله. إن من كانوا يقتصرون على تقديس الحركات، أو يعلنون بإلحاح ضرورة استبعاد الأحزاب السياسية، تصرفوا على نحو منح الغلبة للأفكار الأقل تهديدا «للحس السليم» للمجتمع البرجوازي.

بوليفيا

تكتسي نتائج الانتفاضة البوليفية في تشرين الأول /أكتوبر 2003 عددا كبيرا من أوجه الشبه مع الأوضاع بالإكوادور والأرجنتين. فر الرئيس «غوني» لوزادو، من البلد أمام محاصرة المقرات الحكومية بالعاصمة لاباز من قبل عشرات آلاف المتظاهرين،منهم مجموعات من مدينة الفقراء إل ألتون بضاحية العاصمة، وفلاحون ومزارعو الكوكا وعمال مناجم مدججون بالمتفجرات. لكن نائبه ميزا تمكن من الانتصار وإقناع المتظاهرين بالعودة إلى ديارهم.

صرح أليكس غالفيز، ممثل نقابة نسيج ، في تجمع موسع للاتحاد النقابي COB بعد يومين من ذلك:

ميزا أداة بيد البرجوازية. وعلاوة على ذلك، تهيمن نفس الأحزاب النيوليبرالية على الكونغريس. تخلصنا من الرئيس، لكن مازال شركاؤه بالسلطة. أطيح غوني، لكن يبقى النموذج الرأسمالي النيوليبرالي ساريا. انتصرنا في معركة، لكننا لم ننتصر في الحرب.

وبعد تسعة أشهر، ما بقي ميزا في السلطة وحسب، بل نجح في الفوز في استفتاء شعبي حول المسألة المركزية التي أثارت الانتفاضة، مسألة بيع غاز بوليفيا الطبيعي لشركات أجنبية متعددة الجنسيات.

كانت الانتفاضة ذروة موجة نضال من ثلاثة مكونات أولية. كانت ثمة حملة ضخمة لعمال وفلاحين ضد خصخصة الماء (والزيادة في سعره) بمنطقة كوتشابمبا، بقيادة النقابي اوسكار اوليفيرا. وكان ثمة حركة مزارعي الكوكا بقيادة إيفو موراليس وحزبه، الحركة نحو الاشتراكية MAS. وكانت ثمة الحركة لأجل إثبات حقوق السكان الأصليين بقيادة فيليب كيسبي من كونفدرالية الفلاحين.

كانت منهجية كيسبي تركز على المطالبة بقيام أمة أيمارا مستقلة ومتمتعة بحكم ذاتي، و كان يشهر بالماركسية بما هي تعبير للفكر «الأوربي» بل «الأبيض». وكان إيفو موراليس –أحد نجوم عدة اجتماعات للحركة المناضلة من أجل عولمة بديلة –ينزع نحو الانتخابوية (حقق نفس نسبة 21% التي حصل عليها لوزادا في انتخابات عام 2002 وحسم الكونغريس مسألة من المنتصر). كان أوسكار اوليفيرا مناضلا عماليا حازما، لكن كان يرفض كل خطاب حول الثورة. وهذا لم يمنعهم من الاضطلاع بدور حيوي في اضطرابات أعوام 2000 و2001 و2002، مع سلسلة اضرابات متوالية، وإغلاق طرقات وتظاهرات ومواجهات ميدانية مع قوى الدولة. لكن حدودهم برزت عام 2003. رغم أن مجمل ضاحية لاباز الضخمة ، إل ألتو، كانت تحت رقابة شعبية و كان عمال المناجم المسلحين قد انخرطوا في النضال، ما من أحد أمكنه معارضة استبدال لوزادا بميزا. إن بنيات وأفكارا كانت بدت كافية لما كان الأمر يتعلق ببناء حركات جماهيرية «مستقلة»، ما عادت تصلح لأي شيء لما طرحت مسألة الجواب عن سؤال ما العمل لما كانت سلطة الدولة في الميزان.

وجدت الحركة نفسها، بعد الأشهر التي تلت أعظم انتصاراتها، متخبطة في بلبلة عميقة. دعم إيفو موراليس و حزبه MAS الحكومة الجديدة، ودعيا إلى التصويت بنعم لصالح الاستفتاء الشعبي. وانتظر قادة آخرون مترقبين ما قد يحدث، بينما كان مناضلون نقابيون بالعاصمة لاباز وإيل ألتو يتحدثون عن النضال للاستيلاء على السلطة، لكن دون أن توجد حولهم القوى التي تتيح ذلك.

خلص عدد كبير من المشاركين في الاجتماع الموسع للاتحاد النقابيCOB إلى أن «بعد المشاركة في انتفاضة اجتماعية كبيرة خلفت 70 وفاة مأساوية، لم ينتزع العمال والفلاحون والأمم المضطهَدة والطبقات المتوسطة المفقرة السلطة من الطبقات المهيمنة لأن ما كان بوسعهم الاعتماد على حزب ثوري». من الصعب إيجاد إثبات أوضح لحدود فعالية «استقلالية» الحركات. ورغم كل شيء، يترك ذاك الإثبات دون جواب مسألة البديل، أي «الحزب الثوري» وسبل بناءه.

بادرة تاريخية أولى: ألمانيا 1919

عادة ما يعتقد أناس منخرطون في نضالات كبرى أن فعلهم شيء جديد تماما. وغالبا ما يطورون فعلا أشكال نضال جديدة. لكن ثمة أيضا دوما ترسيمات تطور شبيهة بتلك التي شوهدت سابقا. وبوجه خاص، يواصل فكر عدة أشخاص مشاركين في المعارك الجديدة انطباعه بكيفية نظرهم إلى المجتمع الذي يناضلون ضده. إن موقفهم خليط من احترام الأفكار القائمة ومن تجذر متأت من اكتشافهم التدريجي لقدرتهم الجماعية. إن وعيهم متناقض، ثوري جزئيا و إصلاحي جزئيا.

يوجد المثال الكلاسيكي في أوربا خلال مرحلة المد الثوري في سنوات 1918-1920. كانت أغلبية القيادات الإصلاحية القديمة قد دعمت الحرب العالمية الأولى، وحاربت بكره التجذر الجديد الذي كان ينتشر في الطبقة العاملة تحت تأثير الثورة الروسية وانهيار الإمبراطوريات القديمة بأوربا الوسطى. كان نوسكيه القائد الاشتراكي الديموقراطي الألماني يقول:«أمقت الثورة كما الطاعون». ولا تفاجئ رؤية عدد كبير من العمال يهجر قادة من ذاك القبيل. لكن اليسار الثوري كان صغيرا جدا ( 000 3 مناضل بألمانيا أثناء انهيار الإمبراطورية) وغير منظم. أضف الى ذلك أن الكتلة العريضة من العمال، حتى المتحمسين لفكرة الثورة، لم تترسخ لديهم بعد ثقة كبيرة في قدرتهم على القيام بالثورة بنضالاتهم الخاصة. وما كان تحقيق ذلك ممكنا سوى كنتيجة لنضال مديد. كان وعيهم بالتالي خليط مفاهيم ثورية وإصلاحية.

في أهم الحالات، أي ألمانيا، برز حزب سياسي جديد خلال الحرب[ الاشتراكيون الديمقراطيون المستقلونUSPD] تعبيرا عن تلك الأفكار الغامضة. كانت قيادته شخصيات سابقة في الحزب الاشتراكي الديموقراطي القديم طُردت لعدم مشاطرتها نفس حماس تأييد الحزب للحرب. لكن الحزب الجديد ما كان ثوريا بجلاء. كان يضم شخصيات يسارية مثل كلارا زتكين، ولكن أيضا ممثلين من التيار الوسطي في الحزب القديم مثل كارل كاوتسكي، وحتى مسالمين متحدرين من اليمين «المراجعاتي» مثل إدوارد برنشتاين. كان الموقف الرسمي للحزب يرتكز على موقف وسطي بين الإصلاح والثورة (سمي ذاك الموقف آنذاك «الوسط» أو الموقف «الوسطي»)- داعيا على سبيل المثال إلى إدراج المجالس العمالية في الدستور الجديد كغرفة ثانية موازية للبرلمان القائم. كانت قيادة الحزب، سواء بحفز من رغبة الحفاظ على تأثيرها على الأنصار أو بالأقل في بعض الحالات، أو بفعل غموض أفكارها، تلقي خطابات وتكتب مقالات وتنشر برامج تثمن التجربة الروسية والنزعة البرلمانية على حد سواء. وكانت بذلك تضم إلى صفوفها عددا متعاظما من العمال. انتقل عدد أعضاء حزبها، الحزب الاشتراكي الديموقراطي المستقل من 000 300 عضو في مطلع عام 1919 إلى 000 800 في متم عام 1920، وأصواتها الانتخابية من 2.3 إلى 4.9 (بعد 5 مليون صوت حصل عليه الحزب الاشتراكي الديمقراطي القديم). وفي الآن ذاته، ثمة الثوريون المنتمون للحزب الشيوعي المؤسس حديثا، ورغم أن الشهيدين الثوريين الأكثر شهرة، كارل ليبكنخت وروزا لوكسمبورغ، قاما ببنائه، فإنه لم يتجاوز 000 50 عضوا.

كانت السياسة المعتدلة لقيادة حزب الاشتراكيين الديمقراطيين المستقلين كارثية في لحظات النضال الرئيسية. إن كونهم مهيئين للانضمام بسرعة إلى حكومة اشتراكية ديمقراطية فور اشتعال ثورة تشرين الثاني (نونبر) عام 1918 أتاح للحزب الاشتراكي الديمقراطي تهدئة أقسام عمالية هامة مع السعي لوضع حد للثورة. وعلى نحو مميَّز، خلال 18 شهرا من شبه الحرب الأهلية التي تلت، تمكن قادة حزب الاشتراكيين الديموقراطيين المستقلين USPD من الانعطاف يسارا تحت ضغط أعضاء الحزب، مقدمين شعارات فعل نضالي، ثم التراجع فجأة، متخليين عن القاعدة المناضلة دون دفاع بوجه انتقام الدولة. وقد لخص الثوري اوجين لوفيني دورهم قبيل إعدامه على إثر دوره في جمهورية السوفييتات ببافيير: «ينطلق الاشتراكيون الديمقراطيون، ثم يفرون ويخونوننا، ينخدع المستقلون وينضمون إلينا ثم يتركوننا، ونحن الشيوعيون من يوضع بوجه الجدار. نحن الشيوعيون موتى في إجازة».

لكن الحزب الاشتراكي الديمقراطي المستقل كان أيضا حلبة يختبر بها عدد كبير من العمال أفكارهم بوجه الواقع –ويجدونها أكثر فأكثر ضعفا. وفي ذروة نمو الحزب وتأثيره بالضبط ، احتدم نقاش في صفوفه حول اتجاه سيره، وصوتت الأغلبية في متم عام 1920 لصالح اندماجه في الحزب الشيوعي لتشكيل حزب كبير، موحد وثوري بجلاء.

فسر ليون تروتسكي فيما بعد كيف كانت الأفكار «الوسطية» المبلبلة لقادة مطلع عام 1919 مطابقة لتبلبل أفكار عدد كبير من العمال الألمان. لكن بينما كانت البلبلة عيبا «طبيعيا» لقادة عاجزين عن فعل سياسي خارج إطار شكل أو آخر من البرلمان (أو مفاوضات نقابية)، فإنها كان مجرد مرحلة في تحول وعي العمال المنتقل من رؤية إصلاحية إلى منظور ثوري. لم يحدث ذاك التحول في الوعي عفويا. كانت تجربة النضالات الصعبة تخلق مجال تطوره. أثار ذلك تقاطبا عفويا وسط الحركة. لكن ما كان ممكنا تجاوز التقاطب سوى عبر نقاش دائم بين اتجاهات سياسية. تدخل لينين وتروتسكي ولوكسمبورغ ( في الأسابيع القليلة قبل اغتيالها في منتصف كانون الثاني (يناير) من العام 1919 ) في النقاش، منتقدين من كانوا يرفضون تبني موقف ثوري كامل، ومفسرين بوضوح أن على الثوريين أن يكونوا ضمن فرق حراسة الإضراب وفي المتاريس مع رفاقهم.

السابقة التاريخية الثانية: الولايات المتحدة الأمريكية في سنوات 1960

ويتمثل مثال آخر ملائم اليوم في حالة الحركة الطلابية بالولايات المتحدة الأمريكية في النصف الثاني من سنوات 1960. إن المنظمة الرئيسية، طلبة من أجل مجتمع ديمقراطي SDSبدأت نضالاتها بمعاداة شديدة لما كانت تعتبره السياسة «القديمة». كانت مقاربتها مختصرة جيدا في تقرير مؤتمر شيكاغو عام 1969:

قبل بضع سنوات، كانت منظمة الطلبة من أجل مجتمع ديمقراطي SDS في غالبيتها الساحقة مناهضة للمركزة وللإيديولوجية. وحده الممارسة كانت مهمة. كانت الماركسية مرفوضة بما هي «يسارية قديمة». وكانت الطبقة العاملة غير موجودة، وعديمة الفائدة وخائنة. كان تنظيم الجماعات communautés والديمقراطية بالمشاركة الجملتين الرئيسيتين المحددتين للمنظمة.

وفي الشهور التي تلت تظاهرة 100000 شخص أمام البانتاغون في أواخر عام 1967، لوحظ تجذر في منظمة الطلاب من أجل مجتمع ديمقراطي SDS، لكن مع رفض دائم للـ«إيديولوجيا». شهد ذاك الطور انفجارا لكل أنواع الأفكار اللاسلطوية، مع مجموعات مثل Yippies و Motherfuckers إلخ –وهو ما قد نسميه حاليا «الاستقلالية». لكن بعد هجمات الشرطة العنيفة على التظاهرات أمام مؤتمر الحزب الديمقراطي بشيكاغو، وموجة قمع تضمنت اغتيال أعضاء حزب الفهود السود Black Panthers Party، تبين لمناضلي اليسار الجديد أن «القيام بالأمور على طريقتهم» لم يعد كافيا.

كان النضال ضد الحرب على فيتنام ومن أجل تحرر السود يكشف طبيعة الدولة الرأسمالية الأمريكية ويقود إلى إدراك ضرورة إطاحتها. إن ما بدأ كحركة تشبه كثيرا حرب أطفال فائقة المثالية لانقاذ العالم أصبح أكثر فأكثر خطورة وجدية. هكذا ازدادت الرهانات، مما أجبر الحركة الجذرية على حمل ذاتها، وبالتالي أفكارها، على محمل الجد... وبينما كان مناضلو منظمة طلاب من أجل مجتمع ديمقراطي SDS يشرعون في البحث عن تعريفات سياسية خلال مرحلة المد السريع تلك، كانت جهودهم الأولى مطبوعة بسمة اليسار الجديد المناهضة للإيديولوجية. كان كل طور جديد لمختلف الحركات المنبثقة من المجتمع الأمريكي، ولكل مرحلة من تطور الأزمة، يُحلل بما هو خاصية من الخصائص الدائمة للعالم... وسرعان ما تحولت الإيديولوجية «المناهضة للإيديولوجية» إلى إيديولوجية «البحث عن الإيديولوجية». وانتشرت على نطاق واسع أسطورة مفادها أن منظمة طلاب من أجل مجتمع ديمقراطي SDS كانت، بفعل تجربتها الخاصة، على وشك تطوير توليف سياسي جديد تماما وأمريكي محض. ولما غدا واضحا بأن ذاك التوليف الكلي والأصيل ما كان على وشك الظهور، بدأت الحركة البحث عن إمكانات الاستيراد.

آنذاك انضمت مجموعة كان يبدو أنها تقدم الإيديولوجية المفقودة إلى منظمة الطلاب من أجل مجتمع ديمقراطي SDS. تلك المجموعة هي المنظمة الدوغمائية الماوية الستالينية Progressive Labour PL.

«كان أول رد الفعل على منظمة PL بين أعضاء منظمة طلاب من أجل مجتمع ديموقراطي SDS معارضا للغاية». لكن سرعان ما «كان واقع أن منظمة PL تحمل نظرة للعالم منسجمة اسما على الاقل ميزة هامة». بدا أنها تقدم إجابة قوية ومتماسكة على وضع اليسار الجديد المتفاقم. كان الرد الوحيد الممكن لقيادة منظمة طلاب من أجل مجتمع ديموقراطي SDS –ولآلاف الأنصار- هو تبني خط متزايد التشدد. ومنذ مؤتمر عام 1969، كانت مجموعة من المناضلين الذين كانوا ينهجون ما قد نسميه حاليا سياسة «استقلالية» استسلمت لصيغة أو أخرى من «الماركسية» الستالينية. وبمجرد إسقاط قناع الإمبريالية الأمريكية، كان الناس يرغبون في النضال –وبالتي بحاجة إلى أفكار ومنظمة. تمثلت المأساة في أن اليسار الماركسي حقا كان ضعيفا جدا (و اقترف أخطاءه الخاصة به)، تاركا المجال شاغرا لمن كانت أفكارهم ومنظمتهم خاطئة تماما.

فرص وتحديات

النموذج الحزبي السيئ

لا يكفي إدراك ضرورة الحزب. يجب أن يكون حزبا من النوع الجيد، حزبا يتطور في الحركة ويوحدها، لا حزبا يحبسها مفرغا إياها من طاقتها وإبداعيتها. وذلك بوجه الدقة ما قامت به غالبا بعض نماذج الأحزاب المنتشرة جدا. إذ بدل اجتذاب أفضل المناضلين، قامت بإبعادهم، مقوية بذلك الاستقلالية والإصلاحية.

هذا، ما حدث على سبيل المثال مع بعض المنظمات الثورية بأمريكا اللاتينية. كان ثمة في الإكوادور تاريخ منظمات ماركسية حاولت الحلول محل الحركات- من جهة مجموعات حرب غوار صغيرة تناضل خارج كل حركة جماهيرية، ومن جهة أخرى، في حالة أحزاب شيوعية خاضعة لموسكو، دعم أحد الحكام الطغاة. وفي الأرجنتين بلغت عصبوية أكبر منظمتين انبثقتا من إحباط سنوات 1990 حدا باتت به كل منهما تناور لفرض شعاراتها على حركة البيكتروس والتجمعات عام 2002 - و انتهى بهما الأمر إلى المواجهة الجسدية في تجمعات جماهيرية و توجب على الحشد تفريقهما. وفي بوليفيا، كان وضع الانتفاضة في السنوات الأربع الأخيرة مغايرا لنضالات سنوات 1950 و1980 بعناصر جديدة، تأكد من أن حزب العمال الثوري POR التروتسكي عاجز عن الارتباط بها.

تنجم هكذا مقاربات عن نموذج مشترك لحزب خارج النضالات الواقعية والملموسة. حزب يعتبر نفسه تجسيدا للوعي الاشتراكي وتُختصر مهامه في إقناع العمال بالسير خلفه.

إن الصيغة الكلاسيكية لذلك المسعى هي الاشتراكية الديمقراطية قبل الحرب العالمية الأولى. اعتقد ابرز منظريها على الصعيد العالمي، كارل كاوتسكي، أن الاشتراكية ستتحقق لما يقنع الحزب أغلبية العمال بالتصويت له. ليست مهمة الحزب، بناء على ذلك، قيادة النضالات المباشرة، بل القيام بالدعاوة المتأنية لأفكاره حتى بلوغ الهدف. إن غلبة تلك الرؤية للحزب، حتى لدى الاشتراكيين الديمقراطيين اليساريين، هو الذي قاد إلى السلبية بوجه حالات المد الثوري، مثل احتلال المصانع في إيطاليا عام 1920. اعتبر أصحاب تلك الرؤية عدم تصويت مجموع الطبقة العاملة لصالح الثورة استحالة للثورة.

يوجد معادل ثوري لتلك الرؤية، يعتبر الحزب الثوري طليعة صغيرة يتوجب عليها حماية صفاءها من أحزاب أوسع غير ثورية قائمة في الطبقة العاملة، فيما ينتظر أن تدفع الأحداث الشعب الى الاستدارة نحوه. إنذاك ُيفترض أن يتيح له صفاءه الإقدام على إطاحة ثورية للرأسمالية لصالح العمال. عبر القائد الأول للحزب الشيوعي الإيطالي، أماديو بورديغا، عن تلك المقاربة على نحو أوضح. ووصف أنطونيو غرامشي ما يعني ذلك عمليا:

جرى اعتبار مشاركة الجماهير في نشاط الحزب وحياته الداخلية، خارج المناسبات الكبرى والمراسيم الشكلية للمركز، خطرا على وحدة الحزب ومركزيته. لم يكن يُنظر إلى الحزب بما هو نتيجة سيرورة جدلية تتضافر فيها الحركة العفوية للجماهير الثورية وإرادة المركز المنظِّمة والموجهة. كان الحزب كأنه معلق في الهواء، حاملا لتطوره الخاص المستقل والمتكَون ذاتيا، شيئا تنضم إليه الجماهير لما يكون الوضع جيدا، والموجة الثورية في ذروتها أو لما يقرر مركز الحزب شن هجوم و يجنح إلى الجماهير لتعبئتها و اقتيادها إلى الفعل.

غالبا ما ظهرت اتجاهات من ذلك النوع منذ بورديغا. وشجعتها الستالينية بفكرة وجوب انتظار الحزب الأوامر من موسكو. لكن شجعتها أيضا عزلة منظمات ثورية فعلا خلال مراحل هزيمة وإحباط الطبقة بمجملها. انطلاقا من أهمية ُتولى عن حق لمسألة الحفاظ على التقليد الثوري في فترات ندرة العمال المهتمين، كان من السهل الوقوع في اعتقاد أن الحزب مجسد للوعي «الحقيقي» للطبقة وأن الثورة مرتبطة بقدرته على فرض أفكاره على المنظمات العامة للطبقة العاملة بطريقة أو بأخرى. نموذج الحزب هذا هو ما يجعل الناس في الحركة، يرفضونه. أنهم يعتقدون أن تدخل الأحزاب يعني مقاربة تراتبية حيث يُخضع الحزب الحركة لأوامره.

ثمة رغم كل شيء نموذج حزب مغاير تماما. إنه يعظم كل حركة نضال عفوية إلى هذا الحد أو ذاك وينخرط فيها. لكنه يقر أيضا بما قد تثيره سبل التقدم من خلافات بين من يناضلون. سيختار البعض طريقا توفيقيا يبدو سهلا. وسيرغب آخرون في دفع النضال أبعد وربطه بنضالات أخرى. يسعى الحزب الثوري إلى إضفاء تماسك على المجموعة الثانية. إنه نموذج الحزب الذي نجد في كتابات لينين وفي كتابات أحد أوائل قادة الشيوعية الإيطالية، أنطونيو غرامشي (الذي قطع مع بورديغا عام 1924). يلح غرامشي على أن الحزب ليس الطبقة برمتها. «يجب التمييز بجلاء بين مفهومي "الطبقة" و "الحزب"». إنه «عنصر من الطبقة العاملة، عنصرها الأكثر تقدما، والأكثر وعيا وثورية من الناحية السياسية» ويسعى للعمل مع الطبقة، محاججا ضد التيارات الإصلاحية، لكسب الناس إلى منظوراته. و يقر بأن خلافات تنشأ كل لحظة بين الراغبين في دفع النضال إلى أمام ومن يريدون الغوص في الأفكار المبتذلة. ذاك ما يعنيه مصطلحا «الطليعة» و«المؤخرة» المعرضين غالبا لانتقادات المستقلين والإصلاحيين. لا يستتبع مسعى بناء الحزب فرض شيء ما على الحركة من خارج. إنه محاولة ربط العناصر الأكثر التزاما في كل نضال، لتتمكن من تنسيق جهودها والعمل لكسب عناصر أخرى إلى آراءهما فيما يتعين فعله. إن ما يُجلب إلى الحركة «من خارج» هو، من جهة، معرفة النضالات سواء من زمن أو مكان آخر، معرفة ليست في متناول الناس المباشر، ومن جهة أخرى، الرغبة في زعزعة رواسب أفكار النظام في أذهان الناس (العنصرية والميز الجنسي، احترام المالكين، على سبيل المثال). إن كل من يبدي اعتراضا على قيام الحزب بذلك لا يدفع الحركة إلى أمام، بل يكبحها.

ثمة في التراث الثوري كتابات تتناول بدقة مسألة كيفية ارتباط الأقلية المناضلة التي بلغت خلاصات ثورية بالحركات الأوسع وبالنضالات –إن نص لينين "مرض الشيوعية الطفولي"، ونص تروتسكي" سنوات الأممية الشيوعية الخمس الأولى"، ونص غرامشي، "أطروحات ليون"، من الكتابات الرئيسية بهذا الصدد. إنها تشير إلى كل الخطر الكامن في مقاربة عصبوية قوامها الابتعاد عن النضال، وما يلازمها من قصوية يحاول بها الثوريون فرض آرائهم على النضالات من خارج. تتجلى هكذا مقاربة عندما يطبق الثوريون صيغا جاهزة ويُكبون على تشهير مجرد لا يرتبط بوعي الجماهير قيد التحول، عوض انخراطهم في المشاكل الحقيقية بما هم مشاركون في نضالات قيد التطور. غالبا ما تتحول عمليا تلك المقاربة إلى عكسها الظاهري، أي الانجرار خلف الحركة، وهو ما سمي غالبا «اقتفائية». يحدث ذلك حين لا يفسر الثوريون «بأناة» لأفضل المحيطين بهم مقتضيات النصر في الأمد البعيد، ولا يطرحون مسألة المرحلة التالية. يمثل هذا، مثل العصبوية، إخفاقا في بناء المنظمة الثورية في النضالات، ورفضا للإقرار بإمكان اجتذاب عناصر جديدة إلى السياسة الثورية.

طور النضال القادم

بلغت كل الحركات التي شهدنا تطورها في السنوات الخمس الأخيرة انعطافات أصبحت بها مسألة القيادة السياسية هامة. وأدى إخفاقها في الإجابة عن تلك المسالة إلى مواجهتها كلها لمشاكل. لكنها لم تتكبد بعد هزائم فادحة في أي مكان.

لم تتمكن انتفاضات أمريكا اللاتينية من تركيع رأسمالية تلك البلدان، ولا منعت هجمات جديدة على العمال والفلاحين وفقراء المدن والشعوب الأصلية. لكن الحكومات لا تشعر بعد بقوة كافية لفرض عودة إلى الوضع السابق لتلك الأحداث. إنها مجبرة على التذبذب بين الضغط من أسفل من الطبقات الشعبية التي أدركت قوتها و الضغط من أعلى من الرأسمالية المحلية ومصالح إمبريالية مثل صندوق النقد الدولي. لن تواصل هذا السعي إلى التوازن إلى ما لا نهاية، وفي وقت ما ستستأنف تلك الحكومات هجماتها المباشرة. لكنها ستفعل ذلك في ظروف حيث سيكون انبعاث النضالات محتملا جدا. لا شك أن الحركات بالأرجنتين وبوليفيا والإكوادور (وفنزويلا، كما يبين مايك غونزاليس في مكان آخر من هذه الجريدة) وتأثيرها في بلدان أخرى لم تقل كلمتها الأخيرة بعد. شهد الصيف الماضي مواجهات جديدة بين متظاهرين وقوى الدولة. إن أمريكا الجنوبية برمتها، من جزر الكاريبي إلى أرض النار، باستثناء الشيلي ربما، في وضع عدم استقرار سياسي.

لم تكن الحركة المناوئة للحرب قادرة على وقف العدوان الأمريكي على العراق. لكنها سببت مشاكل عويصة لتحالف بلير-بوش، ويفاقم صعود المقاومة بالعراق تلك المشاكل. اجتاحت الولايات المتحدة الأمريكية العراق بقصد فرض تحكمها بالمركز الاستراتيجي لمنطقة تنتج أهم مادة أولية بالعالم. و ذلك سيمدها بوسائل السيطرة على باقي الرأسمالية العالمية في إطار «قرن أمريكي جديد». وبدل ذلك، أوحلت في حرب استعمارية تزعزع استقرار باقي المنطقة. وسيكون كل تراجع إهانة لها –حتى إن أُستبدلت باحتلال إمبريالي متعدد الأطراف تحت رعاية الأمم المتحدة. وقد تؤدي محاولة البقاء إلى همجيات جديدة ومغامرات عسكرية جديدة، من شأنها إحياء الحركة المناوئة للحرب. وبرزت استمرار مركزية الحرب في استفاقة الحركة المفاجئة باسبانيا مع تأثيرها الحاسم على الانتخابات.

حققت الحكومات الأوربية نجاحا في جهودها لفرض إصلاحات مضادة نيوليبرالية – انتصارات بيرلسكوني في تقليص حقوق الأجراء، وانتصارات شيراك- رافران بفرنسا في هجماتهما على معاشات التقاعد بالقطاع العمومي، أو شرودر بألمانيا في تقليص هام لتعويضات البطالة. لكن أيا من تلك الانتصارات لا ُيقارن بما تكبدت الحركة العمالية البريطانية خلال سنوات حكم تاتشر من هزائم مدمرة ( سحق الأقسام العمالية الثلاث الأشد كفاحية واحدة تلو الأخرى -عمال المناجم وعمال المطابع وعمال الموانئ). لكنها لم تكف لتمكين الرأسماليين الأوربيين من بلوغ نسبة الاستغلال (ومستويات المنافسة) لدى منافسيهم الأمريكيين والآسيويين (يزيد متوسط ما يشتغل الناس بتلك المنطقتين بـ 400 أو 500 ساعة عما في فرنسا وألمانيا ).

باتت الحكومات الفرنسية والألمانية والإيطالية، لحظة كتابتي لهذا النص، معدة لخطط هجوم جديد على شروط العمل. و في هكذا ظروف، قد يضطر حتى الأكثر إصلاحية من القادة النقابيين إلى الدعوة إلى التحرك –كما جرى لما نظم القادة اليونانيون والإيطاليون والأسبان إضرابات عامة من 24 ساعة عام 2002. سيسعى القادة النقابيون إلى حصر تلك النضالات في تظاهرات رمزية، لكن لن يمكنهم منع تجربة ملايين العمال الفاعلين معا، بحد ذاتها، من مد النقابيين العاديين بالثقة للتقدم أكثر. مازلنا لم نشهد في بريطانيا إضرابا عاما من 24 ساعة، لكن الالتزام الإيديولوجي لحزب العمال الجديد مع الهجمات على شروط العمل، وبوجه خاص في القطاع العام، أدى في السنوات الخمس الأخيرة إلى بروز سلوك بعض القادة النقابيين الذين يستعملون لغة الصراع الطبقي، رغم أن الأغلبية لا تطبقها.

تقدم إيطاليا وألمانيا فكرة مسبقة عما يمكن توقعه في مكان آخر. إن التأليف بين انبعاث احتجاجات شعبية ضد الحرب وبين نضالات صناعية جديدة (وبوجه خاص بمناسبة احتلال معمل فياط الجديد في ميلفي الذي شل كل إنتاجه) في الربيع الماضي أزال إلى حد كبير سقوط معنويات أقصى اليسار في السنة الماضية. وكذبت الأحداث من اعتبروا تراجعات هزيمة نكراء. وفي ألمانيا، نجح فرع جمعية أطاك، بالاشتراك مع نقابيين في تنظيم موجة ضخمة من إضرابات أسبوعية ضد اقتطاعات الحكومة من تعويضات البطالة، وبوجه خاص في ألمانيا الشرقية.

إن للضغط على البيروقراطية النقابية تأثير آخر حيث يوجد الاصلاحيون في السلطة، إذ يؤدي إلى انشقاقات في الأحزاب الإصلاحية التقليدية القديمة، مما يضعف تأثيرها على فئات عمالية عريضة. يمثل أغلب القادة النقابيين الوطنيين مصدر تهديد فيما يخص علاقاتهم مع الأحزاب التي تقود تلك الحكومات، أو تتذلل إزاءها. لكن في الفئات السفلى يطفح الاستياء في شكل إنهاء للولاء السياسي. ويوجد في ألمانيا عدد من بيروقراطي المستويات الوسيطة يدعمون نداءات بناء حزب جديد معارض للحزب الاشتراكي الديمقراطي SPD بقيادة شرودر ويتعاونون مع نشطاء الحركة المناهضة للرأسمالية لترشيح حزب جديد في انتخابات عام 2006، اسمه عماليون من أجل بديل انتخابي والعدالة الاجتماعية. علاوة على ذلك، قاد الغيظ ضد بلير ببريطانيا نقابتين (عمال السكك الحديدية في RMT ونقابة المطافئ FBU) إلى القطع مع حزب العمال، ودفع عدة فروع هامة إلى دعم التحالف الاتحادي Respect أو الحزب الاشتراكي الاسكتلندي Scottish Socialist Party.. ثمة إمكانات حقيقية للغاية لكي يمارس اليسار الجديد الذي ينبثق من حركات مناهضة الرأسمالية ومناوئة للحرب تأثيره على فئات واسعة من الناس تماثلت تقليديا مع الأحزاب الإصلاحية الرئيسية.

وفي الآن ذاته، يأتي صعود نضالات صناعية، رغم تقلصه ومحدوديته، بإمكانية جذب اليسار لعدد أكبر من العمال المنظمين ، وبوجه خاص الشباب غير الحاملين ندب الهزائم السابقة، التواقين للنضال بشكل يصطدم غالبا مع البيروقراطية النقابية. هكذا بات عدد كبير منهم يتأثر بالحركة المناوئة للحرب. يوجد بناء منظمات قاعدية داخل النقابات القائمة على جدول الأعمال على نحو غير مسبوق في سنوات 80 و90. وتظل النقابات أكبر المنظمات الطوعية بأكبر البلدان الغربية، رغم تراجع عدد منخرطيها خلال العقدين الأخيرين.

سياسية توسيع الحركات

إن مبادرات من ذاك القبيل قادرة على مد ناشطي الحركات المتحدرة من سياتل بفرص هامة. تمثلت قوة تلك الحركات في شدة تحديها لتدمير النظام لحياة البشر. وكان ضعفها في اكتساء ذاك التحدي أساسا شكل أحداث كبرى، وتظاهرات ومنتديات ضخمة، دون ارتباط مستمر وعضوي بجماهير الناس ضحايا ذلك التدمير حيث يعملون ويعيشون. تقترح المبادرات وسائل تجاوز هذا البون وجمع مناضلين من نضالات مختلفة ثم جذب عدد أكبر من العمال اليهم. لكن بناء مجموعات من ذاك القبيل لن يجري عفويا، بمجرد تكرار الخطابات حول «استقلالية» الحركات. بل يتطلب ممن يشعرون بالحاجة إلى مجموعات مناضلة مركزية أن يتنظموا للقيام بحملة لصالحها، ويحاججوا آخرين في ذاك الاتجاه –ويساجلوا من لا يشاطرونهم الرأي. سيجري ذلك بأكبر فعالية حيث يوجد تنظيم - في شكل حزب- للعناصر الأكثر ثورية في الحركة.

و كلما نجحت هكذا مبادرات، تبرز نقاشات جديدة. فمثلا، تضم الشبكات القاعدية في بعض النقابات والصناعات حتما أناسا لهم قدر من الثقة بالقادة النقابيين يساريي الخطاب –أو بمناضلين نقابيين معروفين تواقين إلى الحلول مكانهم. يعني هذا أن ثمة دوما ضغوطا للاستدارة نحو الأجهزة النقابية القائمة، التي تقوم بنيتها على تراتبية متفرغين يرتكز وضعهم على مفاوضات التسوية مع أرباب العمل والحكومات. لا بد من جهد واع للسير في اتجاه مغاير، قائم على خلق شبكات مناضلة على صعيد الورشة أو المكتب، تعارض التذبذبات الممكنة من مسؤولين على استعداد للخضوع لضغوط أرباب العمل أو ما تبقى من البيروقراطية. إن بإمكان الثوريين المنظمين كأقلية تحاجج لصالح منظوراتها الخاصة داخل شبكات واسعة الإسهام في تفادي تلك الأخطار.

إن انشقاقات انتخابية في الأحزاب التقليدية ناتجة حتما عن فعل مناضلين رافضين سياسة الحكومات القائمة، دون أن يقطعوا مع التصور الإجمالي للاشتراكية البرلمانية. فيظل إمكان عودة قسم كبير منهم إلى الحزب واردا إذا بدل سياسته أو قيادته فقط. وكما رأينا، ذاك ما حدث مع الشخصيات الأبرز في الحزب الاشتراكي الديمقراطي المستقل بألمانيا بعد عام 1920، وكذا مع من كانوا غادروا حزب العمال لتأسيس حزب العمال المستقل عام 1932.

ويشكل حزب التحالف في نيوزيلندا مثالا أحدثعن الظاهرة عينها. تأسس الحزب عام 1991 ردا على تجربة مريرة لحكومة عمالية كانت وراء زيادة مذهلة في نسبة البطالة، وخفض نسبة تعويضات الحماية الاجتماعية وخصخصة كل ما يتحرك. جرى انشقاق في حزب العمال، بقيادة جيم أندرتون، رئيس الحزب سابقا، واتحد مع الخضر وحزب ماوري (ماوري: من السكان الأصليين بنيوزيلندا) ومجموعة أخرى قصد مواجهة العماليين والحزب الوطني المحافظ معا. كان مؤسسو التحالف يفتخرون بأن « لم تظهر بأي مكان بالعالم الغربي الناطق بالإنجليزية قوة بذلك الحجم على يسار الطيف السياسي ». استفاد الحزب في البداية، على نطاق واسع، ممن خاب ظنهم في حزب العمال، محققا نسبة 18,7% من الأصوات في انتخابات عام 1993 التشريعية و10,3% عام 1996. فحصل بالبرلمان على مقاعد كافية ليشكل قوة هامة –و سبب مشاكل جسيمة لما شكل الحزب المحافظ تحالفا حكوميا مع اليمين المتطرف. كان ثمة ضغط هائل على حزب التحالف Alliance Party لتليين معارضته لحزب العمال قصد التخلص من اليمين، و شكل حزب التحالف في آخر المطاف تحالفا مع حزب العمال عام 1999، وعين أندرتون نائبا للوزير الأول. و بعد أن استرد حزب العمال طهارته المفقودة بدعم من التحالف، ساند حرب بوش على أفغانستان- وزكى أندرتون كل ذلك، مؤديا إلى انهيار الحزب الذي أسس.

ما من أمر محتوم في ذاك النوع من المسار. يبين فقط أنه ثمة، عندما تسوء الأمور، ضغط بين المناضلين المتحدرين من الإصلاحية التقليدية نحو العودة إلى طرق التحالفات البرلمانية. والحاسم هو وجود قوى أخرى بجنبهم، قوى واعية بأن ليس الحساب البرلماني هو الأهم في آخر المطاف، بل ميزان القوى في المجتمع برمته.

وفي ألمانيا عام 1920، أبعد مستوى النضال خارج البرلمان، ووجود منظمة ثورية منخرطة في معركة وحدوية بجانب الحزب الاشتراكي الديمقراطي المستقل، أغلبية هذا الحزب عن القادة الذين عادوا إلى الحزب الإصلاحي التقليدي. وفي سنوات 1930، تم كسب معظم الأعضاء الأكثر نشاطا في الحزب الاشتراكي الديمقراطي المستقل إلى الحزب الشيوعي (وعدد صغير جدا إلى التروتسكية) قبل انضمام القادة إلى الحزب الاشتراكي الألماني SPD بكثير. ليست الكارثة في نيوزيلندة ناتجة عن حزب جديد تقوده شخصية ظلت وفية لأفق إصلاحي كليا، بل كان سببها غياب اتجاه ثوري منظم في الحزب، مناضل معه في جبهة موحدة طالما كان يفتح آفاقا سياسية يسارية لمن خاب أملهم في حزب العمال، لكنه ساع في الآن ذاته الى كسب الناس إلى رؤية تمكنهم من مقاومة كل تراجع.

لا توجد صيغة سحرية لمنع الناس الذي قطعوا مع حزب في الحكومة من السقوط في أوهام جديدة عندما يغير هذا الحزب لغته في المعارضة. أبرزت ذلك الضغوط على حزب إعادة البناء الشيوعي بإيطاليا لعقد اتفاق مع تحالف «الزيتون» من يسار الوسط. وكما صرح أحد المتدخلين في اللقاء الوطني خلال السنة الماضية: «تظل هيمنة اليسار الديمقراطي على الطبقة العاملة كما هي إجمالا». و قد بينت انتخابات حديثة في أوربا تجدد دعم الاشتراكية الديمقراطية ببعض البلدان بينما يتراجع على نطاق واسع ببلدان أخرى. ففي أسبانيا، عاد ملايين الأشخاص، بعد رفض دعم الحزب الاشتراكي العمالي الأسباني PSOE في الانتخابين العامين الأخيرين، الى التصويت عليه نفورا من حكومة أثنار اليمينية. وفي فرنسا صوت 10% من الناخبين على المرشحين الثوريين في انتخابات عام 2002 الرئاسية. وفي عام 2004، انخفضت نسبة الأصو

Repost 0
Published by تيار اليسار الثوري في سوريا
commenter cet article
31 octobre 2013 4 31 /10 /octobre /2013 08:50

نعم لاستمرار الثورة، لا لمؤتمر جنيف

نشر في‫:‬الاربعاء, تشرين اول 30, 2013 - 
الكاتب: غياث نعيسة.
ترجمه‫ الى العربية‫:‬ وليد ضو      
المصدر‫:‬ 
     

منذ إقرار، في 27 أيلول، القرار رقم 2118 في مجلس الأمن بشأن تدمير أسلحة النظام السوري الكيميائية، يبدو أن البلد قد دخل مرحلة جديدة على المستوى الإقليمي.

فالتقارب بين الولايات المتحدة والحكومة الإيرانية لم يرضِ النظام السعودي، وتتوافق جميع الأنظمة الإمبريالية على أن الحل الوحيد الممكن في سوريا يكمن في حل سياسي بين النظام و"المعارضة"، من أجل التوصل إلى "جهاز تنفيذي انتقالي" يتشكل من الطرفين. وهذا الجهاز يتم التوصل إليه من خلال مؤتمر "سلام"، "جنيف 2"، المتوقع انعقاده في تشرين الثاني.

وخفتت أصوات طبول الحرب التي سبقت الاتفاق الأميركي- الروسي. ومُسِحت كل الخطوط الحمراء التي أعلن أوباما وزعماء الدول الإمبريالية عنها، من ضمنها الجرائم التي ارتكبها النظام السوري، عبر استخدام الغازات الكيميائية ضد الشعب في ريف دمشق في 21 آب والذي قتل بسبب المئات من المدنيين.

وتتحدث التقارير الصادرة عن وزارات الخارجية ووسائل الإعلام المهيمنة عن مدى محنة السوريين: المجازر، والقصف، والمناطق المحاصرة حيث يموت السكان خاصة الأطفال وكبار السن ليس فقط علي يد النظام إنما بفعل المجاعة. هذا ما يحصل في الغوطة الشرقية ومخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين. في دير الزور، أعلن أحد ضباط النظام أنه سيهدم المدينة لتحويلها إلى حقل لزراعة البطاطا.

الديكتاتور يجب أن يرحل
ومن سخرية الأقدار، أن النظام السوري، بتنازله عن الأسلحة الكيميائية، حصل على تفويض ضمني لمواصلة حربه ضد الشعب. فأكثَرَ من إطلالاته الإعلامية، التي قدمته كمنتصر، معلنا أنه سيترشح إلى الانتخابات الرئاسية في مقابلة أجريت معه في 21 تشرين الأول. وبما خص جنيف 2 والمفاوضات مع المعارضة، أعلن: "لم يتم تحديد تاريخ معين، والظروف لم تجتمع إذا أردنا نجاح المفاوضات..."

وعقدت مجموعة الدول الـ 11 الغربية والعربية، "أصدقاء سوريا"، مؤتمرا في لندن في 22 تشرين الأول للتعبير عن عدم رغبتهم في استمرار بشار الأسد في الحكم ولكن أيضا للضغط على الائتلاف الوطني السوري الذي يشهد عدة خلافات بما خص موضوع المشاركة في جنيف 2. لأن التفاوض في جنيف مع النظام يشكل منذ شهر خطا فاصلا للنزاع وسط المعارضة السورية. جزء من الائتلاف بزعامة ميشال كيلو يوافق على التفاوض، وهيئة التنسيق الوطنية أيضا. أما المجلس الوطني السوري، المكون الرئيسي للائتلاف، فقد أعلن رفضه المشاركة في المؤتمر إذا لم يوضع شرط رحيل بشار الأسد ونظامه كشرط مسبق. كما أعلن الجيش السوري الحر، الذي بات يقاتل على طرفين، النظام من جهة والمجموعات الجهادية من جهة أخرى، عن رفضه المشاركة في أي تفاوض دون ضمان رحيل بشار ونظامه.

هذا الموقف هو انعكاس للحركة الشعبية الذي عُبِر عنه خلال المظاهرات الأخيرة، وعلى الرغم من حالة الرعب التي يعيش الشعب السوري في ظلها، ومن خلال رفعهم لشعار "الحل في لاهاي لا في جنيف" الذي يحدد مسار الثورة خاصة وأنه يعبر عن رغبتهم في محاكمة المسؤولين. الشعب نفسه وفي المناطق المحاصرة أعلن في المظاهرات عينها "نموت جوعا أفضل من الاستسلام". الحركة الشعبية تؤكد على إرادتها في إسقاط النظام من أجل الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية. الثورة الشعبية في سوريا مستمرة، وهي تحتاج إلى تضامننا.

 

عن النشرة الأسبوعية للحرب الجديد المناهض للرأسمالية- فرنسا

Repost 0
Published by تيار اليسار الثوري في سوريا
commenter cet article
30 octobre 2013 3 30 /10 /octobre /2013 11:02

logo cgr p

بقلم: ليون تروتسكي

في دكرى ثورة أكتوبر 1917 المجيدة، ننشر نصا لتروتسكي ينشر معربا لأول مرة

 

أقبل بحماسة اقتراح فريد زيلير (1) إعطاء مقال لجريدة ثورة، بمناسبة الذكرى الثامنة عشرة لانتفاضة أكتوبر. الحق يقال، ليست *ثورة* جريدة يومية "كبيرة"، إذ تبذل قصاراها كي تصبح أسبوعية وحسب. قد ينظر إليها بيروقراطيين مرموقون باحتقار. لكن غالبا ما سنحت لي فرصة معاينة كيف آلت منظمات "قوية"، ذات صحافة "قوية" إلى غبار تحت صدمة الأحداث، وكيف بالعكس تحولت في ظرف وجيز منظمات صغيرة، ذات صحافة ضعيفة تقنيا، إلى قوى تاريخية. لنتوخَّ الأمل بصلابة في أن يكون هذا هو المصير الذي ينتظر جريدتكم ومنظمتكم. في مجرى العام 1917، كانت روسيا تجتاز الأزمة الاجتماعية الأشد خطورة. يمكن فقط القول بكل يقين، بناء على كل دروس التاريخ كلها، إنه لو لم يكن ثمة حزب بلشفي، لتم استنفاذ طاقة الجماهير الثورية الهائلة في انفجارات مشتتة، ولانتهت تلك الأحداث العظيمة إلى أشرس ديكتاتورية مضادة للثورة. صراع الطبقات هو المحرك الرئيس للتاريخ. انه يستلزم برنامجا صائبا وحزبا حازما، وقيادة جديرة بالثقة ومفعمة بالجرأة – ليس أبطال صالونات وجمل برلمانية، بل ثوريين، متأهبين للسير حتى النهاية. هذا هو درس ثورة أكتوبر الرئيس. البلاشفة، أقلية في البداية بيد أنه يتعين علينا التذكير بأن الحزب البلشفي لم يكن، في مطلع العام 1917، يقود سوى عددا ضئيلا جدا من العمال. في سوفييتات الجنود، وحتى في سوفييتات العمال، لم يكن التكتل البلشفي يشكل بوجه عام سوى 1 إلى 2 %، وعلى الأكثر 5 %. وكان خلف الأحزاب القائدة للديمقراطية البرجوازية الصغيرة – المناشفة و"الاشتراكيون الثوريون" المزعومون- ما لا يقل عن 95% من العمال والجنود والفلاحين المشاركين في النضال. كان قادة هذه الأحزاب يعاملون البلاشفة في البداية بما هم عصبويين، ثم عملاء ...القيصر الألماني. لكن لا، لم يكن البلاشفة عصبويين ! كان كامل اهتمامهم متجها نحو الجماهير، وفضلا عن ذلك، ليس نحو أعلى شرائحها ، بل نحو أعمقها، ، نحو ملايين وعشرات ملايين الأشد عرضة للاستغلال، التي عادة ما ينساها الثرثارون البرلمانيون. إن اكتساب المقدرة على قيادة بروليتاري وأشباه بروليتاريي المدن والقرى هو بالضبط ما جعل البلاشفة يرون من الضروري أن يتميزوا بوضوح عن كل تكتلات البرجوازية ومجموعاتها، بدءا بأولئك "الاشتراكيين" الزائفين الذي ليسوا في الواقع غير وكلاء البرجوازية. تمثل النزعة الوطنية العنصر الأساسي لتلك الأيديولوجية التي تسمم بها البرجوازية وعي المضطهدين الطبقي وتشل بها الإرادة الثورية، لأن النزعة الوطنية تعني خضوع البروليتاريا للأمة التي تستقر فوقها البرجوازية. كان المناشفة والاشتراكيون الثوريون وطنيون، حتى ثورة فبراير، نصف مختبئين، وبعد فبراير على نحو صريح ووقح. كانوا يقولون:"الآن لدينا جمهورية، هي الأكثر حرية بالعالم؛ وحتى جنودنا منظمون في سوفييتات؛ يجب علينا الدفاع عن هذه الجمهورية ضد العسكريتارية الألمانية." وكان البلاشفة يردون:" لا جدال في أن الجمهورية الروسية هي اليوم الأكثر ديمقراطية، لكن هذه الديمقراطية السياسية السطحية قد تتناثر غبارا بين عشية وضحاها لأنها قائمة على قاعدة رأسمالية. طالما لم يصادر العاملون، بقيادة البروليتاريا، ملاكيهم العقاريين ورأسمالييهم، ولم يمزقوا معاهدات قطاع الطرق المبرمة مع دول الوفاق ، لا يمكننا اعتبار روسيا وطنا لنا، ولا الاضطلاع بالدفاع عنها." وكان خصومنا يغتاظون أكثر فأكثر: "إن كان الأمر على هذا النحو، فلستم مجرد عصوبيين، إنكم عملاء لآل هوهنزولرن (2) ! إنكم تخونون لصالحهم الديمقراطيات الروسية والفرنسية والانجليزية والأمريكية !" كانت قوة البلشفية تكمن في قدرتها على ازدراء مغالطات "الديمقراطيين" الجبناء الذي يتسمون اشتراكيين لكنهم في الواقع يخرون سجودا أمام الملكية الرأسمالية. كانت الجماهير الكادحة حـَكم ذلك النقاش. وبقدر ُمضي الوقت، كان حـُكمها يزداد ميلا لصالح البلاشفة. لا غرابة في الأمر. كانت السوفييتات، آنذاك، تجمع حولها جماهير البروليتاريين والجنود والفلاحين المستيقظة إلى النضال والتي يتوقف عليها مصير البلد. كان "الجبهة الموحدة" للمناشفة والاشتراكيين الثوريين تهيمن في السوفييتات، وكان السلطة في الواقع بين أيديهم. وكانت البرجوازية مشلولة سياسيا كليا منذ اصطف عشرة ملايين جندي، منهوكين بالحرب، مسلحين من القدم إلى الرأس، إلى جانب العمال والفلاحين. لكن أشد ما كان يخشاه قادة "الجبهة الموحدة" هو "إفزاع" البرجوازية، و"دفعها" إلى معسكر الرجعية. لم تكن "الجبهة الموحدة" تجرؤ على المس بالحرب الامبريالية، ولا البنوك، ولا الملكية الإقطاعية، ولا المعامل، ولا المصانع. كانت تراوح المكان وتصب عموميات، فيما صبر الجماهير ينفذ. لا بل أسوأ من ذلك، إذ نقل المناشفة و الاشتراكيون الثوريون السلطة إلى حزب الكاديت (3) الذي كان العمال ينبذونه ويحتقرونه. كان الكاديت حزبا برجوازيا امبرياليا، مستندا على الشرائح العليا من الطبقات "الوسطى"، لكنه وفي لمصالح الملاكين "الليبراليين" بصدد كل المسائل الأساسية. يمكن، إن شئتم، مقارنة الكاديت بالراديكاليين الفرنسيين: القاعدة الاجتماعية ذاتها، أي الطبقات الوسطى، و نفس السياسة القائمة على تنويم الجماهير بجمل جوفاء، ونفس الخدمة المخلصة لمصالح الامبريالية. وعلى غرار الراديكاليين تماما، كان للكاديت يمينهم ويسارهم: اليسار من أجل تشويش الشعب، و اليمين للسياسة "الجدية". كان المناشفة والاشتراكيون الثوريون يأملون كسب دعم الطبقات المتوسطة بالتحالف مع الكاديت، أي مع مستغلي الطبقات الوسطى والنصابين عليها. بفعلهم ذاك، وقع الاشتراكيون الوطنيون شهادة وفاتهم. كان قادة المناشفة والاشتراكيين الثوريين، المشدودين طوعا إلى عربة البرجوازية، يسعون إلى إقناع العمال بتأجيل نزع ملكية الملاكين، وفي انتظار ذلك ... الموت في الجبهة من أجل " الديمقراطية" أي من أجل مصالح تلك البرجوازية ذاتها. "يجب ألا ندفع الكاديت الى معسكر الرجعية"، هكذا كان الانتهازيون يرددون، مثل ببغاوات، في اجتماعات عامة لا تحصى. لكن، لم يكن بوسع الجماهير ولا بمشيئتها أن تفهمهم. كانت وضعت ثقتها في الجبهة الموحدة للمناشفة والاشتراكيين الثوريين، وكانت متأهبة في كل لحظة وحين للدفاع عنها، بقوة السلاح، ضد البرجوازية. لكن في غضون ذلك، كانت أحزاب الجبهة الموحدة، وقد نالت ثقة الشعب، تدعو إلى السلطة الحزب البرجوازي وتختبئ خلفه. إن الجماهير الثورية المنتفضة لا تغفر أبدا الجبن والخيانة. في البداية، اقتنعت بروليتاريا بطرسبورغ، وبعدها بروليتاريا البلد برمته، وبعد البروليتاريا اقتنع الجنود والفلاحون من تلقاء أنفسهم، بتجربتهم، أن البلاشفة كانوا على حق. على هذا النحو، في بضعة أشهر، أصبحت حفنة "العصبويين" و"المغامرين" و "المتآمرين"، "عملاء آل هوهنزولرن"، الخ، الحزب القائد لتلك الملايين المستيقظة من البشر. الإخلاص للبرنامج الثوري، وعداء لا توفيق فيه للبرجوازية، والقطع التام مع الاشتراكيين الوطنيين، والثقة العميقة في قوة الجماهير الثورية، تلكم هي دروس أكتوبر الرئيسة. قامت الصحافة كلها، حتى جرائد المناشفة والاشتراكيين الثوريين (تفاديا لكل سوء تفاهم، نؤكد أن لاشيء يجمع هذا الحزب المعادي للماركسية بالاشتراكية الثورية)، بحملة خداعية، لا مثيل لها على الإطلاق، ولا سابق لها في التاريخ، ضد البلاشفة. كانت آلاف وآلاف أطنان ورق الجرائد مليئة بتقارير مفادها أن البلاشفة كانوا مرتبطين بالشرطة القيصرية، ويتلقون شحنات ذهب من ألمانيا، وأن لينين كان مختبأ في طائرة ألمانية، الخ. وفي الأشهر التالية لفبراير فاض سيل الأكاذيب هذا على الجماهير. وهدد بحارة وجنود، ما من مرة، بطعن لينين والقادة البلاشفة الآخرين بالحربة . وبلغت حملة الافتراء ذروتها في يوليو 1917. وارتعب العديد من المتعاطفين اليساريين، أو أنصاف اليساريين،، لا سيما لدى المثقفين، بضغط الرأي العام ذاك. كانوا يقولون:" أكيد أن البلاشفة ليسوا عملاء آل هوهنزولرن، لكنهم عصبيون، وتعوزهم اللباقة، ويستفزون الأحزاب الديمقراطية، ويستحيل العمل معهم". هكذا كانت، على سبيل المثال، نبرة الجريدة اليومية الكبيرة لمكسيم غوركي (4)، التي التفت حولها كل ضروب الوسطيين وأنصاف البلاشفة وأنصاف المناشفة، اليساريين جدا نظريا، لكن الخائفين أشد خوف من القطع مع المناشفة والاشتراكيين الثوريين. لكن من يخاف الاشتراكيين الوطنيين يصبح حتما وكيلا لهم، هذا قانون. في غضون ذلك، كانت تجري داخل الجماهير سيرورة معاكسة تماما. فبقدر ما تتبدد أوهامها حيال الاشتراكيين الوطنين الخائنين مصالح الشعب باسم صداقتهم للكاديت، بقدر ما ُتنصت باهتمام لخطابات البلاشفة، وتقتنع بأنهم كانوا على صواب. كان يغدو جليا، بنظر العامل في مشغله، والجندي في خندقه، والفلاح الجائع، أن الرأسماليين وخدامهم كانوا يفترون على البلاشفة بالضبط لأن هؤلاء كانوا مخلصين بثبات لمصالح المضطهدين. تحول غيظ الجندي والبحار ضد البلاشفة إلى تفان متحمس وإلى عزم منزه على نهج طريقهم حتى النهاية. وبالعكس، انتقل حتما بغض الجماهير لحزب الكاديت إلى حلفائه المناشفة والاشتراكيين الثوريين. لم ينقد الاشتراكيون الوطنيون الكاديت، بل اضمحلوا معهم. جعلت القطيعة النهائية في ذهنية الجماهير، والتي حدثت في ظرف شهرين أو ثلاث (أغسطس-سبتمبر)، انتصار أكتوبر أممرا ممكنا. كسب البلاشفة السوفييتات، وظفرت هذه بالسلطة. قد يقول السادة المتشككون:" لكن ثورة أكتوبر افضت، في نهاية المطاف، إلى انتصار البيروقراطية. فهل يستحق هذا العناء؟" يجب تكريس مقال خاص، وربما مقالين، لهذه المسألة. نقول هنا باختصار: التاريخ لا يتقدم في خط مستقيم، بل بالمداورة. فبعد وثبة هائلة إلى أمام ثمة دوما، كما بعد طلقة مدفع، ارتداد إلى وراء. ومع ذلك، يسير التاريخ ُقدما. لا شك بتاتا أن البيروقراطية قرحة بشعة تهدد في الآن ذاته مكاسب ثورة أكتوبر والبروليتاريا العالمية. لكن، فضلا عن حكم البيروقراطية المطلق ، يملك الاتحاد السوفييتي شيئا آخر: وسائل إنتاج مؤممة، واقتصادا مخططا، وتجميع الزراعة، التي تقود كلها البلد، رغم المصيبة المسخية المتمثلة في البيروقراطية، إلى أمام على الصعيد الاقتصادي والثقافي فيما تتقهقر البلدان الرأسمالية. لا يمكن أن تتحرر ثورة أكتوبر من آفة البيروقراطية إلا بتطور الثورة العالمية، التي سيؤمن انتصارها فعلا بناء مجتمع اشتراكي. أخيرا، وهذا لا يخلو من دلالة، تكمن أيضا أهمية ثورة أكتوبر في ما أعطت من دروس نفيسة جدا

للطبقة العاملة العالمية. فليستوعبها بعزم الثوريون البروليتاريون بفرنسا وسيصبحون ممتنعين على الغلب.

ليون تروتسكي (4 نوفمبر 1935)


 

المصدر: سلسلة أعمال ليون تروتسكي بإشراف بيار برويه ، الجزء السادس (أكتوبر 1935-ديسمبر 1935) ؛ صفحات 62 إلى 67 باريس / دار نشر EDI ،

باريس تعريب المناضل-ة

إحالات: *- صدر هذا المقال بجريدة *ثورة*، 7-14 ديسمبر 1935. كانت *ثورة* جريدة الشبيبة الاشتراكية في السين

Seine ،التي غدت الشبيبة الاشتراكية الثورية. 1- فريد زيلير Fred Zeller : (ولد عام 1912)، طالب فنون جميلة، كان أمينا لوفاق الشبيبة الاشتراكية في السين، ومحرك اتجاه الشبيبة الاشتراكية الثورية عندما طُرد في كونفرانس ليلLille مع اثني عشر من رفاقه. زار تروتسكي في هونيفوس مساعدا إياه في عمله، ومواصلا معه نقاشات مديدة. كان تروتسكي يخشى تفجر الأزمة في الفرع الفرنسي، ويبحث عن عناصر جديدة يستند عليها. نلاحظ الجهد التربوي الخاص في هذا المقال لتفسير تطور الثورة الروسية، ومن خلال هذا التحليل، استخلاص استنتاجات حول الوضع آنذاك، لا سيما ضرورة فهم الثوريين للدلالة المضادة للثورة لسياسة الجبهة الشعبية.2- آل هوهنزولرن كانت السلالة البروسية التي سادت ألمانيا منذ 1871 و كان آخر ممثليها على العرش غيوم الثاني الذي تنازل عنه في العام 1918. 3- الكاديت: الحزب الدستوري الديمقراطي في روسيا 4- مكسيم بيشكوف المدعو غوركي (1868-1936)، روائي روسي، كانت بلشفيا ثم ابتعد عن لينين أثناء الثورة، وكان يدير في أكتوبر 1917 جريدة نوفايا جيزن (الحياة الجديدة) المنشفية اليسارية الساعية إلى "التجميع"

Repost 0
Published by تيار اليسار الثوري في سوريا
commenter cet article
27 octobre 2013 7 27 /10 /octobre /2013 15:56

سوريا: ثورة من أسفلrevsyr

موقع الاشتراكيون الثوريون

الناشر وحدة الترجمة - مركز الدراسات الاشتراكية ترجمة هالة أسامة

سوريا: ثورة من أسفل

غياث نعيسة

الأحد 27 أكتوبر 2013

تعمل "المجالس" على تأمين الاحتياجات اليومية للسكان مثل الخدمات الصحية والمدارس والخبز يطرح غياث نعيسة أن اللجان المحلية والمجالس وكتائب الجيش السوري الحر التي خرجت من رحم الثورة تُعد دليلًا على الطبيعة الشعبية للثورة. إن اللجان التنسيقية هي شكل تنظيمي لتوجيه النضال اليومي للجماهير، وتنشط في كافة أنحاء سوريا، حتى في المناطق التي لا تزال تحت سيطرة النظام؛ ففي كل حيٍ أو محل عمل أو قرية صغيرة توجد شبكة من اللجان، تعمل تلك اللجان سويًا وحين يتعاونون على مستوى أحد الأحياء أو القرى يُطلق عليهم "لجنة محلية"، وحين تعمل مجموعة من اللجان سويًا أو تشكل لجنةً مشتركة يُطلق عليها "لجان تنسيقية". وعلى المستوى المحلي يتم تنظيم اللجان التنسيقية في اتحاد اللجان التنسيقية للثورة، أو كما يُطلق عليها أحيانًا "اللجان التنسيقية المحلية"، ويُطلق عليها أسماء أخرى من بينها "أحرار ثورة الكرامة". هناك عدة شبكات وطنية للجان التنسيقية، ويفسر ذلك أمرين، وهما: الصعوبات التي يواجهها النظام في سحق النضال الجماهيري من الأسفل، ولكنها علامةً على ضعف الثورة مع غياب تركيز حقيقي للنضال على مستوى الوطن كله. ينصب جزء من عملهم على الإعلام مثل التصوير والنشر على موقع "يوتيوب" وإرسال التقارير لوكالات الأنباء وإصدار البيانات عن الأحداث اليومية وتنظيم التظاهرات وإعداد اللافتات والتأكد من إمكانية خروج التظاهرات بأمان، وتأمين المنطقة بشكلٍ عام من التفجيرات والهجمات التي تقوم بها قوات الأمن في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام. أما في المناطق المحررة، فإذا كانت هناك تظاهرة فربما يكون من الضروري الاحتجاج على بعض ممارسات التنظيمات الجهادية أو الإسلامية. إن التنسيقيات هي شكل نضالي لتنظيم النضال اليومي للجماهير، ولا يمكن أن تزعم أي قوة سياسية أنها تملك سيطرةً تامةً عليها، فهي شكل تنظيمي تشكّل من الجماهير؛ أي أنها أحد أشكال التنظيم الذاتي. المجالس المحلية توجد في المناطق المحررة مجالس محلية تشكّلت أيضًا من الجماهير بدلًا من الأحزاب السياسية، ويُطلق عليها في بعض المناطق "مجالس مدنية"، وهي في جميع الأحوال أشكال تنظيمية شعبية وهي موجودة في القرى والمدن الصغيرة، وهي منتخبة في معظم الحالات من قِبل السكان المحليين، أي أنها منتخبة بالدرجة التي تسمح بها الظروف. ونحن كذلك نتعلم من تلك التجربة. إن الهدف من المجالس هو تأمين الاحتياجات اليومية للسكان مثل الخدمات الصحية والمدارس والخبز وكل شيء متعلق بالحياة اليومية. ربما يكون للأحزاب السياسية وجود ولكن ليس بشكل مباشر أو علني. فالناس، على سبيل المثال، لا يتم انتخابهم على أساس تمثيلهم لهذا التنظيم السياسي أو ذاك، بل يتم انتخابهم على أساس سجلهم النضالي. وتقوم في بعض الأحيان تظاهرات ضد المجالس من قبل السكان المحليين إذا شعروا أن هذه المجالس قد خذلتهم، كما حدث في حلب وسراقب. قامت الجماعات الإسلامية الراديكالية بتأسيس تنظيماتها الخاصة، وهم قد يطيحون بالمجالس على سبيل المثال في القرى الصغيرة المعزولة. ويُطلق على التنظيمات التي ينشئونها "الهيئات الشرعية"؛ وهي تتكون من مجموعة من "الشيوخ" المزعومين ويدّعون أن هؤلاء الأشخاص يمثلون سلطةٍ شرعية، وقد رفض الناس تلك الهيئات في العديد من المناطق وخرجوا حاملين لافتاتٍ تدعو للإطاحة بها. الجيش السوري الحر إن "الجيش السوري الحر" مصطلح عام يصف النضال الشعبي المسلح، فعلى سبيل المثال كل المقاتلين في أحد الأحياء أو البلديات وكل السكان الحاملين للأسلحة يمكن أن يُطلق عليهم هذا الاسم. ففي ريف دمشق توجد كتائب "عبد الرحمن الشهبندر" التابعة للجيش السوري الحر وهناك العديد غيرها، ويمكن لكل هؤلاء المقاتلين أن يطلقوا على أنفسهم "الجيش السوري الحر"؛ وهو ما يعني فقط أنهم مقاتلين مختلفين عن جيش الديكتاتور، أما "الجيش السوري الحر" الرسمي الكائن خارج البلاد فيختلف عن تلك التنظيمات المحلية. تتضمن معظم المجالس ممثلًا عن المقاومة الشعبية؛ "الجيش السوري الحر"، في مجلس عسكري حتى يستطيعوا التنسيق مع المقاومة المسلحة. إن المقاتلين هم ذات الأشخاص الذين كانوا يتظاهرون من قبل والذين يحملون الأسلحة اليوم، باستثناء بعض البلديات والمناطق التي يحاول فيها الجهاديون الاستيلاء على السلطة، ولكن هناك بينهم عددٌ قليل من الجنود، حيث أن حوالي ثلاثين بالمائة من المقاتلين كانوا قد انشقوا عن النظام.

* غياث نعيسة: كاتب ماركسي وعضو بتيار اليسار الثوري في سوريا * المقالة منشورة باللغة الإنجليزية في مجلة "الاشتراكي" الشهرية، أكتوبر 2013، يصدرها حزب العمال الاشتراكي البريطاني

Repost 0
Published by تيار اليسار الثوري في سوريا
commenter cet article
27 octobre 2013 7 27 /10 /octobre /2013 15:42

ترتيب المحافظات السورية حسب عدد المنازل المدمرة وتكاليف بنائها

 

كشفت دراسة حديثة لـ "لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا" (الاسكوا)، أن ما يقرب من مليون ونصف المليون منزل تعرض للدمار في سورية، منها 315 ألف منزل تعرض للدمار الكامل، و 300 ألف منزل تعرض للدمار الجزئي، مع دمار البنية التحتية كالمياه والكهرباء والصرف الصحي. وبينت الدراسة التي صدرت حديثاً أنّ مايقرب من 7 مليون شخص تأثروا بالدمار، وأنّ 3 ملايين شخص اضطروا للنزوح، وفقد مليون مواطن ممتلكاتهم بشكل كامل. وتصدرت حلب المحافظات التي تعرضت لدمار المنازل بسبب الأحداث التي تشهدها سورية، حيث دمر مايقرب من نصف منازلها وتقدر بـ 424 ألف منزل مدمر كلياً او جزئياً، تحتاج لحوالي 187 مليار ليرة سورية لبنائها، تلتها ريف دمشق بدمار نصف منازلها أيضاً، والتي قدرت بـ 303 ألاف منزل، تحتاج لـ 145 مليار ليرة سورية لبنائها. واحتلت حمص بحسب الدراسة المرتبة الثالثة في دمار المنازل بحوالي 200 ألف منزل مدمر، تحتاج لحوالي 97 مليار ليرة سورية لبنائها. ثم جاءت إدلب في المرتبة الرابعة بحوالي 156 ألف منزل مدمر، وتحتاج لـ 57 مليار ليرة سورية لبنائها. ثم جاءت محافظة درعا في المرتبة الخامسة بتدمير حوالي 105 آلاف منزل، تحتاج لـ 46 مليار ليرة سورية لبنائها. وفي المرتبة السادسة دير الزور التي دمر فيها حوالي 82 ألف منزل، تحتاج لحوالي 37 مليار ليرة سورية لترميمها. ثم جاءت محافظة حماة في المرتبة السابعة بدمار حوالي 78 ألف منزل، تبلغ تكلفة بنائها حوالي 32 مليار ليرة سورية. وفي المرتبة الثامنة محافظة الرقة بدمار 59 ألف منزل تحتاج لـ 21 مليار ليرة سورية للبناء، ثم اللاذقية في الترتيب التاسع بدمار 57 ألف منزل تحتاج لـ 25 مليار ليرة سورية، تلتها في المرتبة العاشرة الحسكة بدمار 56 ألف منزل تحتاج لحوالي 20 مليار ليرة سورية لبنائها. ثم جاءت دمشق في الترتيب الحادي عشر بدمار نحو 37 ألف منزل، تحتاج لحوالي 17 مليار ليرة سورية لبنائها من جديد. وفي الترتيب الثاني عشر جاءت طرطوس بدمار نحو 12 ألف منزل، تكلفتها حوالي 6 مليارات ليرة سورية، ثم السويداء بحوالي 5 آلاف منزل تحتاج حوالي 2.5 مليار ليرة سورية وحلت في الترتيب الثالث عشر، ثم القنيطرة في الترتيب الرابع عشر والأخير بدمار نحو 900 منزل وتحتاج لحوالي 300 مليون ليرة سورية لبنائها. وبحسب الدراسة فإنّ مجموع تكاليف إعادة بناء المنازل وحدها تحتاج حتى الآن إلى حوالي 700 مليار ليرة سورية.

Repost 0
Published by تيار اليسار الثوري في سوريا
commenter cet article
27 octobre 2013 7 27 /10 /octobre /2013 11:05
بقلم أشرف عمر
افتتاحية مجلة أوراق اشتراكية – العدد 24
الثورة المصرية.. المصاعب والتحديات
السبت 26 أكتوبر 2013
من مسيرة "الشارع لنا" التي نظمتها جبهة ثوار، السبت 26 أكتوبر، ضد قانون منع التظاهر والاعتصام

مرحلة جديدة صعبة تمر بها الثورة المصرية اليوم. في كافة المراحل الحرجة السابقة، ظل سؤال "هل انتهت الثورة المصرية؟" يتردد بين الثوار، الذين يجيبون عليه بشك وريبة وقدر من الإحباط، وفي الإعلام الفلولي حيث يؤكد رجال الثورة المضادة وقادتها في كل مرة وبغرور شديد على انقضاء الثورة إلى غير رجعة وأنه قد حان الوقت لتحقيق "الاستقرار" وبناء "ما بعثرته الثورة" - دولتهم ونظامهم هم.

وبالرغم من كل المراحل الصعبة السابقة، طيلة العام 2011 تحت القمع العنيف للمجلس العسكري، وبعد ذلك أثناء مأزق الانتخابات الرئاسية، وخلال عام من حكم مرسي، إلا أن الثورة كانت، في كل مرة أيضاً، تستعيد حيويتها - برغم التناقضات والصعوبات - بموجات جماهيرية هادرة كان آخرها في 30 يونيو الماضي.

كانت هذه الموجة الثورية مفعمة بالطاقة والثقة والأمل في انتصار الثورة بإسقاط محمد مرسي. لكن نتائجها أتت بغير ما يتطلع إليه الثوار والجماهير. فبدلاً من الحرية والديمقراطية، شهدنا أضخم وأبشع المجازر في فض اعتصامات الإخوان، ويعود استبداد دولة مبارك على نحو أكثر شراسة في تكميم الأفواه بالقوانين والقرارات القمعية التي كان آخرها قانون منع التظاهر والاعتصام، وتُهاجم الإضرابات العمالية والمظاهرات الطلابية بالقوة، ويتصدر الفلول المشهد السياسي برمته. وبدلاً من العدالة الاجتماعية، تتزايد حالات الفصل التعسفي للعمال وترتفع الأسعار، بالتوازي مع خداع حكومة الببلاوي النيوليبرالية ومتاجرتها بأحلام الفقراء والعمال بقرارات ملتوية للحد الأدنى والتسعيرة الجبرية وغيرها.

لقد خلت الساحة في موجة 30 يونيو من بديل ثوري قادر على قيادة الجماهير إلى النصر، بالأخص مع خيانة قيادات محسوبة على الثورة بتحالفهم مع الفلول منذ تشكيل جبهة الإنقاذ. وبالتالي جاءت الفرصة سانحة أمام المؤسسة العسكرية لخطف الموجة وتوجيه الغضب الجماهيري نحو الإخوان وحدهم لتجنب أي تهديد حقيقي للنظام ككل، ومن ثم الانقلاب على الثورة ذاتها بعد الإطاحة بالديكتاتور مرسي غير المأسوف عليه.

كانت المؤسسة العسكرية وأغلب قطاعات الطبقة الحاكمة في البداية قد راهنوا على الإخوان المسلمين ورئيسهم لاحتواء الثورة المصرية وخنقها. لكن استمرار الغضب الشعبي ضد سياسات مرسي، التي استكمل بها طريق مبارك، بموجات من المسيرات الجماهيرية والإضرابات العمالية وغيرها، قد قاد مؤسسات الدولة، وعلى رأسها المؤسسة العسكرية، إلى فقدان رهانهم على مرسي وجماعته بعد فشلهم في استيعاب الثورة وتمرير مشاريع الليبرالية الجديدة واستقرار النظام رغماً عن الجماهير. لذا فقد قررت الدولة التخلص من مرسي الذي فشل في المهمة المرسومة له، من أجل رأب كافة التصدعات التي أربكت الطبقة الحاكمة في مواجهة الثورة طوال عام من حكم مرسي.

في 30 يونيو، كانت الجماهير حقاً تحتفل عملياً بسقوط مرسي في مشهد كان الملايين يجتاحون فيه الشوارع والميادين في ظل ارتباك شديد في مؤسسة الرئاسة. لكن، في غياب القوى الثورية التي تستطيع الحسم مع مرسي، علّقت قطاعات واسعة من الجماهير ثقتها على السيسي وجيشه في ذلك، واستجابت لأوهام الإعلام الفلولي والمخابراتي التي يروّجها حول انحياز مؤسسات القمع للثورة. بل وسعت هذه المؤسسات لحشد التأييد الجماهيري لذبح الإخوان المسلمين والفتك بهم، ليس حمايةً للثورة بل لقتلها. والمشاهد الدموية لفض اعتصامات الإخوان تعلق كالكابوس في أذهان كل من يريد التحرك من الجماهير لتحقيق مطالب الثورة وأهدافها في الحرية والعدالة الاجتماعية - سواءاً كان ممن دُفعوا إلى تأييد السيسي لمواجهة الإخوان أو ممن يعارضوه.

هذا التناقض في الوعي الجماهيري، بين الطموح إلى مطالب الثورة وتأييد رموز الثورة المضادة العسكرية، هو ما يعقّد المشهد ويربك الحركة الجماهيرية، ويرسّخ كذلك حالة من الإحباط والتخبط السياسي في صفوف الثوريين الذين لا يراهنون على المؤسسة العسكرية ولا يريدون عودة الإخوان المسلمين إلى السلطة. ويزيد على ذلك الهيمنة العسكرية والأمنية على كافة مقاليد الأمور والتشويه المكثف لثورة يناير وأهدافها ورموزها. فميدان التحرير والأربعين، وغيرهما من ميادين الثورة، التي كانت تمتلئ بمئات الآلاف والملايين في الموجات السابقة من الثورة، صارت الآن في حراسة وتحت مصادرة دبابات الجيش ومدرعات الداخلية. والمصانع والشركات التي كانت تموج بالإضرابات والاعتصامات، والتي وصلت إلى معدلات قياسية في شهري أبريل ومايو الماضيين، تسود بها اليوم حالة من الصمت والسكون التام، حتى بالرغم من بقاء نفس المطالب التي رفعتها قطاعات عريضة من الطبقة العاملة المصرية خلال ما يقرب من ثلاثة أعوام من الثورة.

وبالرغم من أن هذا التراجع طبيعي في ظل ضباب "الحرب على الإرهاب" التي يرسي بها السيسي سلطته القمعية شديدة العداء لمطالب الجماهير، إلا أنه مؤقت ولا يعني نهاية للثورة المصرية. فالثورة ذاتها عملية طويلة من موجات الصعود أحياناً والهبوط في أحيان أخرى. والثورات بعمق الثورة المصرية لا تنتهي هكذا بسهولة دون مقاومة شرسة. هناك أيضاً الثقة والخبرة والوعي الثوري الذي اكتسبته قطاعات كبيرة من الجماهير خلال موجات الثورة. كل ذلك يبقى تحت السطح من أوهام وخداع وزيف الثورة المضادة التي يقودها السيسي ورجاله في الإعلام ومؤسسات الدولة.

عامل آخر لا يقل أهمية هو استمرارية وعمق الأزمة الاقتصادية التي لا يظهر الآن أي أفق لتجاوزها بما يسمح لحكومة الثورة المضادة بتقديم تنازلات اقتصادية كبيرة لاستيعاب الفقراء والعمال. وتزداد الطينة بلة مع حالة الفزع العالمي مما سيتسبب فيه احتمال إفلاس الولايات المتحدة الأمريكية. كل هذا سيدفع كتلاً من الجماهير للتحرك شيئاً فشيئاً من جديد سعياً وراء مطالب الثورة التي تدهسها الدبابات.

هذا ما يصعّب مشروع الثورة المضادة في السيادة والقضاء الكامل على الثورة و"إرساء الاستقرار" على مدى طويل.

أما على صعيد الساحة السياسية، فتستمر أزمة الأحزاب الإصلاحية - اليسارية والليبرالية - وتتعمق مع تطور الأحداث. فأغلب قيادات هذه الأحزاب قد سلموا مبادئهم على طبق من ذهب للسيسي وثورته المضادة. وبدلاً من بناء بديل جذري يحمل مطالب الثورة، تحالفوا مع المؤسسة العسكرية وأيدوا القمع الهمجي للدولة في مواجهة الإخوان، ذلك القمع الذي سرعان ما امتد للتحركات الطلابية والعمالية فبرروه أو أنكروا وجوده أو آثروا الصمت حفاظاً على ما تبقى من ماء الوجه. بالأخص أولئك الذين شاركوا في حكومة الثورة المضادة برئاسة الببلاوي ليحركهم السيسي كالدمى.

هذا الارتماء في أحضان المؤسسة العسكرية يفجر أزمات كبيرة داخل هذه الأحزاب، مما يوفر الفرصة لجذب الآلاف من الثوريين إلى مسار الثورة، الذي يسعى السيسي لدفنه ولا يعبر عنه الإخوان المسلمون. بل أن هذه المواقف المتذيلة للدولة وقوى الثورة المضادة تخلق فراغاً تاريخياً على يسار الساحة السياسية والاجتماعية. وهذا الفراغ ينبغي العمل على الفور من أجل ملئه بجبهة ثورية مناضلة في مواجهة السيسي وحكومته.. جبهة ثورية لا تتهاون في النضال السياسي ضد السلطة العسكرية، بل تربط هذا النضال بمطالب العدالة الاجتماعية للعمال والفقراء والطلاب وغيرهم، وتكافح ضد اضطهاد الأقباط والنساء وأهالي النوبة والبدو.. تحارب ضد ميول الإحباط والتفكك وتجذب المزيد ممن تصيبهم هذه الميول من الثوار.. جبهة جذرية لاستكمال الثورة حتى لا تُترك الساحة خاوية للإخوان المسلمين وحلفهم في السعي لاستعادة شرعية مرسي التي أسقطتها موجة 30 يونيو قبل أن ينقلب السيسي على الثورة.

وبرغم الفرص، لا ينبغي التهوين من صعوبة هذه المرحلة في تاريخ الثورة، بل النظر في المهام التي تفرضها على الثوريين. فصحيح أن هناك فرص حقيقية في المستقبل، إلا أن هذه الفرص مُحاصرة الآن بتحديات ومخاطر عصيبة. ومن الضروري مواجهة الثورة المضادة ومشاريعها وقمعها وزيفها وهجومها بشكل موحد وبدون انتظار. فمن المضر للغاية أن يؤدي التردد في اختيار التكتيك والشعارات السياسية إلى حالة من الشلل تحجز الثوريين عن الدفاع عن الثورة التي تتعرض للهجوم العنيف على كافة الأصعدة. فكل يوم يمر تسدد الثورة المضادة بقيادة المؤسسة العسكرية ضربة أخرى وتخطو خطوة جديدة ترسخ بها قبضتها الباطشة.. المواجهة فوراً ودون انتظار للبناء من أجل الموجة الرابعة من الثورة المصرية. 

* المقالة منشورة في العدد 24 من مجلة أوراق اشتراكية 

 

Repost 0
Published by تيار اليسار الثوري في سوريا
commenter cet article