Overblog Suivre ce blog
Administration Créer mon blog
26 janvier 2013 6 26 /01 /janvier /2013 19:30

 

 

 

 

 

الفصل السادس

الحركات الوطنية في العالم الثالث

 

ثلاثة آراء حول للثورة 

 

بلور ليون تروتسكي  HYPERLINK "http://www.e-socialists.net/node/1900" نظرية الثورة الدائمة على خلفية الثورة الروسية عام 1905. كان جميع الماركسيين في هذا الوقت، من كاوتسكي إلى بليخانوف إلى لينين، يؤمنون بأن الدول الصناعية المتقدمة هي الوحيدة المؤهلة للثورة الاشتراكية، حيث جادلوا بأن قوة وتماسك السلطة العمالية عند قيام ثورة اشتراكية في بلد ما، تتوقف بالأساس على مدى التقدم الصناعي والرأسمالي في هذا البلد. وبالتالي فإن  HYPERLINK "http://www.e-socialists.net/node/5725" البلدان المتأخرة سوف ترى مستقبلها في مرآة البلدان المتقدمة. وفقط عبر عملية تاريخية طويلة من التقدم الصناعي والحكم البرجوازي البرلماني سوف تنضج الطبقة العاملة بما فيه الكفاية لتخطو خطوها في اتجاه الثورة الاشتراكية.

 

جميع الاشتراكيين الديمقراطيين الروس –سواء المناشفة أو البلاشفة- افترضوا أن روسيا مقبلة على ثورة برجوازية ديمقراطية، ناتجة من الصراع القائم بين قوى الإنتاج الرأسمالية من جانب، وبين الحكم الأوتوقراطي والإقطاعية من جانب آخر. ومن هذا المنطلق، استنتج المناشفة أن البرجوازية لابد بالضرورة أن تقود الثورة وأن تأخذ السلطة السياسية بين يديها. وبالتالي فإن الاشتراكيين الديمقراطيين سيكون عليهم أن يؤيدوا البرجوازية الليبرالية في الثورة، وفي نفس الوقت أن يدافعوا عن المصالح الخاصة بالعمال في ظل الرأسمالية، مثل تحديد يوم العمل بـ8 ساعات في اليوم وزيادة الأجور وغيرها من الإصلاحات الاجتماعية.

 

اتفق لينين والبلاشفة على أن الثورة القادمة ستكون ذات طابع برجوازي، حيث أنها ستقضي على الأوتوقراطية والإقطاع لكنها لن تتجاوز حدود الرأسمالية. حيث أن "الثورة الديمقراطية لن تتخطى إطار العلاقات الاقتصادية والاجتماعية للبرجوازية"، هكذا أوضح لينين الفكرة في عام 1905. "هذه الثورة الديمقراطية في روسيا لن تضعف بل ستقوي سيطرة البرجوازية".

 

لقد تمسك لينين بتلك الرؤية لفترة طويلة، ولم يتخل عنها إلا عند قيام ثورة فبراير 1917. في سبتمبر 1914، على سبيل المثال، كان لازال يصر على أن الثورة في روسيا سيكون عليها أن تحصر نفسها في إطار ثلاث مهام رئيسية: "تأسيس جمهورية ديمقراطية (حيث المساواة في الحقوق وإطلاق حق تقرير المصير لكل الأمم المضطهدة تحت سيطرة الامبراطورية الروسية)، تأميم أراضي كبار الملاك، وتطبيق يوم العمل محدداً بـ8 ساعات في اليوم". 

 

ما كان يميز لينين بالأساس عن المناشفة هو إصراره على ضرورة النضال من أجل استقلالية حركة الطبقة العاملة عن البرجوازية الليبرالية، من أجل أن تنضج الثورة البرجوازية إلى ثورة اشتراكية ضد البرجوازية نفسها. 

 

أما  HYPERLINK "http://www.e-socialists.net/node/6050" تروتسكي، فقد كان مقتنعاً مثل لينين بأن البرجوازية الليبرالية أضعف كثيراً من أن تتولى مهام الثورة. وأن الإصلاح الزراعي الجذري، حيث مصادرة الأراضي من كبار الملاك وتوزيعها على الفلاحين الفقراء، لا يمكن أن يتم إلا بتحالف الطبقة العاملة مع الفلاحين. لكن تروتسكي لم يتفق مع لينين في إمكانية قيام حزب سياسي مستقل للفلاحين، وجادل بأن الفلاحين مقسمين بشدة فيما بينهم إلى أغنياء وفقراء، وأن هذا الانقسام لا يجعلهم قادرين على تأسيس حزب سياسي موحد ومستقل يمثل مصالحهم. 

 

كتب تروتسكي أن "كل الخبرة التاريخية توضح لنا أن الفلاحين غير قادرين تماماً على لعب دور سياسي مستقل". جادل تروتسكي أن في كل الثورات على مدار التاريخ، أيد الفلاحون هذا القسم أو ذاك من البرجوازية. أما في روسيا، فإن قوة الطبقة العاملة ورجعية البرجوازية ستدفعان الفلاحين لتأييد البروليتاريا الثورية. لن تنحصر الثورة في المهام البرجوازية الديمقراطية، لكنها ستمتد سريعاً إلى الإجراءات الاشتراكية التي ستقودها البروليتاريا.

 

اعتمدت أفكار تروتسكي على أن استيلاء البروليتاريا على السلطة لا يعتمد على تقدم قوى الإنتاج وتقدم الرأسمالية بقدر ما يعتمد على مستوى الصراع الطبقي وعلى الأوضاع الدولية، وأخيراً يعتمد على بعض العوامل: تراث النضال ومبادرة البروليتاريا فيه واستعدادها له.

 

ولذلك فإن البروليتاريا في البلدان المتأخرة اقتصادياً، قد تأتي إلى السلطة قبل أن يحدث ذلك في البلدان المتقدمة. في 1871، استطاعت البروليتاريا في باريس أخذ زمام السلطة في باريس البرجوازية الصغيرة، صحيح أن ذلك استمر لشهرين فقط، لكن ذلك لم يحدث حتى لساعة واحدة في أي من المراكز الرأسمالية المتقدمة مثل إنجلترا أو الولايات المتحدة. أما وجهة النظر التي تفترض أن وصول البروليتاريا للسلطة يعتمد بشكل أوتوماتيكي على درجة التقدم الاقتصادي في البلد، فإن وجهة النظر هذه مجحفة للغاية ومستمدة من النظرة المادية الاقتصادية الضحلة لمسار التاريخ. وتلك النظرة لا علاقة لها بالماركسية. 

 

لقد خلقت  HYPERLINK "http://www.e-socialists.net/node/848" الثورة الروسية الظروف المناسبة من أجل استيلاء البروليتاريا على السلطة حتى قبل أن تستطيع البرجوازية الليبرالية بناء وترسيخ دولتها الخاصة. 

 

هناك نقطة جوهرية أخرى في نظرية ليون تروتسكي، ألا وهي الطبيعة الأممية للثورة الروسية المقبلة. فقد رأى تروتسكي أنه صحيح تماماً أن الثورة الروسية سوف تبدأ داخل المحيط القومي، لكنها لا يمكن أن تصل إلى نصرها النهائي إلا إذا انتصرت الثورة في بلاد أخرى أكثر تقدماً. 

 

لكن كيف تتجاوز البروليتاريا الروسية بسياساتها الاشتراكية الوضع الاقتصادي المتأخر لروسيا؟ هناك شيء واحد يمكننا ان نقوله بكل تأكيد، وهو أن البروليتاريا لا يمكن أن ترسخ سلطتها في ظل الظروف الاقتصادية المتردية لروسيا، دون دعم مباشر من الطبقة العاملة في بلدان أوروبية أكثر تقدماً. 

 

يمكننا أن نلخص العناصر الأساسية لنظرية الثورة الدائمة لليون تروتسكي كالتالي:

 

لا يمكن أن تقدم البرجوازية في البلدان المتأخرة أي حلول ثورية وديمقراطية للمشاكل التي تواجه بلدانها من سيطرة الإقطاع والاضطهاد الإمبريالي، ولا يمكنها القضاء على الإقطاع ولا الأتوقراطية الحاكمة وإرساء نظام ديمقراطي. وبينما كانت البرجوازية طبقة ثورية في البلدان الرأسمالية المتقدمة منذ قرن أو اثنين سبقوا، كفت الآن عن أن تكون كذلك سواء في البلدان المتقدمة او المتأخرة اقتصادياً، وتحولت إلى قوى محافظة ترتمي في أحضان الرجعية بمجرد أن تبدأ الموجة الثورية. 

 أما الدور الثوري الحاسم فلا يمكن أن تقوم به سوى البروليتاريا، حتى وإن كانت حديثة النشأ وصغيرة الحجم في البلدان المتأخرة.

وبالنسبة للفلاحين، فهم غير قادرين على تحقيق استقلالهم السياسي ولذلك سيتبعون القيادة الثورية للبروليتاريا الصناعية في المدن.

والحل الحاسم لكل من المسألة الزراعية، والمسألة القومية، والتحرر من القيود الإمبريالية التي تعوق التقدم الاقتصادي، فسوف يتطلب ذلك تخطي حدود الملكية البرجوازية الخاصة ومصادرتها. الثورة الديمقراطية إذن ستنضج سريعاً لتغدو ثورة اشتراكية، ومن هذا المنظور تصبح  HYPERLINK "http://www.e-socialists.net/node/4262" الثورة دائمة

استكمال الثورة الاشتراكية "في إطار الحدود الوطنية، أمر غير معقول. وهكذا تصبح الثورة الاشتراكية ثورة دائمة بمنظور جديد وأوسع للكلمة، بحيث يمكن للثورة الاشتراكية أن تنجز مهاما كاملة فقط مع انتصار المجتمع الجديد على كوكبنا". وإنه لمن ضيق الأفق والرجعية محاولة إنجاز "الاشتراكية في بلد واحد". 

وكنتيجة لكل ذلك، فسوف تقود  HYPERLINK "http://www.e-socialists.net/node/909" الثورة في البلدان المتأخرة لاضطرابات واسعة في البلدان المتقدمة. 

 

صعود ماو للسلطة 

 

لم تلعب الطبقة العاملة أي دور في انتصار ماو تسي تونج ووصوله إلى السلطة في الصين، كما أن التركيب الاجتماعي للحزب الشيوعي الصيني لم يكن هو الآخر عمالياً على الإطلاق. وفي الحقيقة كان صعود ماو داخل الحزب الشيوعي متزامن مع تحول التركيب الاجتماعي للحزب عن العمال. مع نهاية 1926 كان على الأقل 66% من أعضاء الحزب عمال، 22% مثقفين، وفقط 5% فلاحين. وبحلول نوفمبر 1928، فقد الحزب حوالي أربعة أخماس أعضائه من العمال، ويُذكر أن أحد التقارير الرسمية من الحزب الشيوعي الصيني في ذلك الوقت قد اعترف بأن "الحزب لم يعد يملك نواة حزبية قوية واحدة بين العمال الصناعيين". كما اعترف الحزب لاحقاً أن العمال قد شكلوا 10% من عضويته في 1928، 3% في 1929، هبوطاً إلى 2.5% في مارس 1930، إلى 1.6% فقط من العضوية في سبتمبر من نفس العام، وعملياً لم يعد لدى الحزب عامل صناعي واحد مع نهاية العام. ومنذ ذلك العام حتى انتصار ماو واستيلائه على السلطة السياسية في الصين، لم يملك الحزب أي عمال ليتحدث باسمهم.

 

لم يهتم الحزب الشيوعي الصيني بالعمال كثيراً، ولم يكن العمال على خريطة الاستراتيجية السياسية للحزب خلال فترة صعود ماو للسلطة، إلى درجة أن الحزب لم يجد من الضروري أن يجتمع بالنقابات العمالية في أي مؤتمر عام خلال 19 سنة، منذ مؤتمر النقابات الذي عُقد في 1929. في ديسمبر 1937 عندما أقرت حكومة حزب الكومنتانج عقوبة الإعدام للعمال الذين يضربون عن العمل أو يحرضوا على الإضراب أثناء فترة الحرب، صرح المتحدث الرسمي باسم الحزب لأحد الصحفيين أن الحزب "راضي تماماً" عن الإجراءات التي تعتزم الحكومة اتخاذها أثناء الحرب. وحتى بعد اندلاع الحرب الأهلية بين الحزب الشيوعي وحزب الكومنتانج، لم يكن هناك منظمات تابعة للحزب الشيوعي في المناطق التي سيطر عليها الكومنتانج، التي احتوت المراكز الصناعية في الصين.

 

إن غزو ماو تسي تونج للمدن الصينية من خارجها في 1949 يوضح بجلاء مدى الفراق بين الحزب الشيوعي والطبقة العاملة في المدن. القادة الشيوعيون وقتها بذلوا أقصى جهدهم لمنع أي انتفاضات عمالية في المدن التي كانوا يغزونها. قبل سقوط تاينتسن وبكين، على سبيل المثال، أصدر الجنرال لين بياو، قائد الجبهة، تصريحاً بأن "من أجل الحفاظ على النظام، فإن كل مسئولي الكومنتانج أو رجال البوليس أو أي شخص يعمل في مؤسسة حكومية أو مقاطعة أو مدينة أو قرية، سيبقون في مناصبهم". 

 

وعند عبور نهر يانجتسي، قبل الوصول إلى المدن الكبرى في جنوب ووسط الصين (شانجهاي، هانكو، كانتون) كان ماو ورفيقه تشو تيه أصدروا هم أيضاً نداءاً آخر.. "نأمل أن يظل كافة العمال والموظفين في أماكنهم وأن يستمروا في أعمالهم كما هم، فسوف يمضي عملنا بشكل عادي. كل المسئولين التابعين لحزب الكومنتانج في الحكومة المركزية أو في البلديات أو في القرى -مهما كانت مستوياتهم- ونواب الجمعية الوطنية وأعضاء المجلس التشريعي والمجلس السياسي، ورجال الشرطة، وزعماء منظمات باو تشيا، نأمل أن يبقى كل هؤلاء في مناصبهم، وأن يحترموا أوامر جيش التحرير الشعبي والحكومة الشعبية".

 

بالنسبة للطبقة العاملة، فلقد التزمت وظلت ساكنة كما هي. ويوضح لنا التقرير التالي من مدينة نانكنج في 22 أبريل 1949، بعد استيلاء جيش التحرير الشعبي على المدينة، الوضع بشكل دقيق: "لا توجد أي علامة تدل على إثارة الفوضى من قبل سكان نانكنج. شوهدت تجمعات من الأهالي عند حائط النهر لمشاهدة تبادل إطلاق النار عند الضفة المواجهة من النهر. لكن كل شيء يسير كما هو معتاد دائماً. أُغلقت بعض المحال التجارية، لكن ذلك كان نتيجة ضعف حركة البيع". 

 

وبعد شهر، كتب مراسل النيويورك تايمز من شانجهاي التقرير التالي: "المدرعات الحمراء تسير في الشوارع، والجنود يعلقون أوراقاً على الحوائط في الشوارع تخبر الناس بأن عليهم الهدوء وأن ليس هناك ما يخافون منه". وفي كانتون: "عندما دخل الشيوعيون المدينة، تواصلوا مع الضباط في قسم الشرطة وأخبروهم بأن عليهم البقاء في مناصبهم لكي يحافظوا على النظام". 

 

ثورة كاسترو 

 

لم تلعب لا الطبقة العاملة ولا الفلاحين أي دور جاد في صعود كاسترو للسلطة في كوبا، لكن وحدها الطبقة الوسطى هي التي استطاعت ملئ الفراغ في ساحة النضال. ويوضح حديث تم بين "ليستريانكي" وقادة الثورة – وهو حديث موثوق بصحته ورد في كتاب لـ "رايت ميلز" – كل ما لم تكن عليه الثورة:

 

"لم تكن الثورة صارعًا بين العمال الأجراء والرأسماليين، فثورتنا هي ثورة لم تقم بها النقابات العمالية أو العمال الأجراء أو الأحزاب العمالة أو أيًا من هذا القبيل.. فلم يكن العمال الأجراء في المدينة واعين بأي من الطرق الثورية، فنقاباتهم ليست فحسب إلا هي كم النقابات الأمريكية الشعبية تسعي لمزيد من المال والشروط الأفضل، وهذا كل ما كان يحركهم، وفي بعض الأحيان تكون فاسدة تماماً مقارنة بنقابتكم". 

 

ويكتب بول باران – أحد داعمي كاسترو – بعد مناقشات سادة كوبا، حول الدور الضئيل للبروليتاريا في الثورة: "يبدو أن قسم الأجراء من الطبقة الصناعية في سلبيًا في مجمله طوال الفترة الثورية، مشكلاً الجزء (الارستقراطي) في البروليتاريا الكوبية، فهؤلاء العمال شارك في أرباح العمليات الاحتكارية – الأجنبية والوطنية – بأجور جيدة وفقًا للمقياس الأمريكي اللاتيني وتمشوا بمستوى حياة مرتفع إلى حد بعيد مقارنة بمستوى جماهير الشعب الكوبي. وحركة الإتحاد النقابي "القوية إلى حد بعيد كان مسيطرًا عليها من قبل موظفي النقابات على نموذج الولايات المتحدة، ومخترقة بتمكن من المبتزين والمحتالين".

 

وتفسر لامبالاة البروليتاريا الصناعية فشل دعوة كاسترو إلى إضراب عام في 9 ابريل 1958، بعد حوالي ستة عشر شهرًا من بدء الثورة وقبل ثماني شهور من سقوط الديكتاتور الكوبي باتيستا. فالعمال كانوا غير مهتمين، والشيوعيون قد دُمروا – كان هناك وقت قبل أن يوافقوا على الانحياز إلى جانب كاسترو وقد علق مؤكدًا على ذلك تقرير ل "رايت ميلز" أثناء العصبان المسلح على دول الفلاحين في وصل كاسترو وللسلطة:

 

"لعب الفلاحون الدور الكبير مع صغار المثقفين، وأصبحوا هم الجيش الثوري الذي فاز بالعصيان المسلح. فالطرف الحاسم كان هو المثقفين والفلاحين، فتشكل الجنود الثوريين من الفلاحين يقودهم صغار المثقفين". من هؤلاء الفلاحون؟.... "إنهم نوع من العمال الأجراء الزراعيين، الذين لا يجدون عملاً معظم السنة" على هذا النحو كان أيضًا تقرير بأن:

 

"كان الأجر الزراعي لهؤلاء مصدر دخلهم ولكنهم ليسوا صغار ملاك. فالريف الكوبي لم يكن أبدًا بالنسبة لطبقة البرجوازيين الصغار من أصحاب الملكيات الضئيلة بيئة منتجة للأيديولوجية البرجوازية".

 

بالرغم من ذلك فهذا الوصف يكذَّب عبر حقيقتين: "بالكاد كان الفلاحون منضمون لجيش كاسترو، ففي أواخر ابريل 1958 كان فقط العدد الإجمالي حوالي 180 من الرجال مسلحون داخل مجموعته، وأرتفع فقط إلى 8.3 عند سقوط باتيستا". فكوادر عصبة كاسترو الأساسية كانت من المثقفين، ومن شارك من الفلاحين لم يكونوا أجراء زراعيين، أو ذوي اتجاهات اشتراكية كما وصفهم "باران"، و"ميلز". ويشهد على ذلك "تشي جيفارا" وهو من أنضم إلى كاسترو في "سيريا مايسترا":

 

"الجنود الذين شكلوا جيش حرب عصابات، هم أشخاص وطنيون جاءوا من جزء من طبقة اجتماعية ترى تضامنها مع وضع أكثر المناطق كفاحية، ويعبر عنهم في أكثر قائمة من الشجاعة من البرجوازية الصغيرة". 

 

يتضح من ذلك أن حركة "كاسترو" هي حركة طبقة متوسطة، فالاثنين وثمانون رجلاً الذين اجتاحوا كوبا من المكسيك في ديسمبر 1956، والإثنى عشرة رجلاً الذين قاتلوا في "سيريا مايسترا" قد جاءوا كلهم من هذه الطبقة:

 

"قدمت أضخم الخسائر من حركة مقاومة الطبقة المتوسطة المدينة، حيث أظهروا سياسة وسيكولوجية جادة هزمت القوة القتالية لباتيستا".

 

يبالغ على نحو متميز حقاً "تشي جيفارا" من ضعف وعجز الطبقة العاملة الصناعية كعنصر مركزي في كل الثورات الاشتراكية القادمة:

 

"يصنع الفلاحون بجيشهم النوع الخاص مهم من القتال لأجل أهدافهم الذاتية. ففي المقام الأول يكون توزيع الأرض هو الذي يجعلهم يأتوا من القرية لانتزاع المدن. ويحلق هذا الجيش في الريف – حيث الشروط الموضوعية ناضجة لاستخدام القوة – الإمكانيات لتحرير المدن من سيطرة الخارج".

 

"إنه لمن الصعوبة الكبيرة أن تجهز جماعات حرب العصابات في دول تحوي كثافة مالية من السكان في مدنها الكبيرة وتملك كثير من الفلسفة المتطورة والوسائل الصناعية، فالتأثير الأيديولوجي المدينة يعوق نضال حرب العصابات. بحيث أنه في هذه الدول التي تزداد فيها هيمنة المدينة. يمكن أن تتطور النواة السياسية المركزية للصراع في الريف".

 

مع الدور الهامشي للبروليتاريا الصناعية – يقول جيفارا – لابد أن تسلم حرب العصابات الفلاحية بالأساس الإيديولوجي للطبقة العاملة – الماركسية متغاضيًا عن أن أساس الماركسية هو حقيقة أن الثورة الاشتراكية هي من صنع الطبقة العاملة نفسها، وعلى ذلك فالبروليتاريا هي فاعلة التاريخ وليست المفعول به. 

 

بالنسبة لبرنامج كاسترو لم يتعد من بدايته أفق الإصلاحات الليبرالية الواسعة والمقبولة من الطبقات المتوسطة. وفي مقاله لجريدة "Oront of febreary". أعلن كاسترو بأنه لم يضع خططًا المصادرة أو تأميم الاستثمارات الأجنبية: "أنا شخصيًا أعتقد أن التأميم، في أحسن الأحوال، هو أداة بطيئة، فلا يتضح أنه يجعل الدولة أقوى، بل يضعف المشروع الخاص. والأكثر أهمية أن أي محاولة للتأميم الشامل ستعوق كثيرًا الهدف الأساسي في خطتنا الاقتصادية". 

 

في مارس 1958 أكد لكاتب سيرته "دوبويس":

 

"لم تتحدث أبدًا حركة 26 يوليو عن التحول الاشتراكي للصناعات أو تأميمها. فهذا تخوف أحمق وبسيط من ثورتنا. وقد أعلنا منذ اليوم الأول بأننا نقاتل في سبيل التقوية التامة لدستور 1940، الذي من مبادنه تدعيم الضمانات والحقوق والالتزامات لكل العناصر التي تعد جزءًا من الإنتاج. وتشمل هذه المسألة حرية المشروع ومنح المواطنة والحقوق السياسية للرأسمالية كما بالنسبة لبقية عناصر الاقتصاد الأخرى". 

 

أعلن كذلك كاسترو "للمجلس الاقتصادي لتنظيم الولايات المتحدة في "بونيس آيرس": "لا نعارض الاستثمار الخاص، بل نرى فيه فائدة وخبرة وحماسة، وستمنح الشركات ذات الاستثمارات العالية نفس ضمانات وحقوق المشروعات الوطنية".

 

يفسر ضعف كفاحية الطبقات الاجتماعية، العمال، الرأسماليون، الفلاحون وملاك الأراضي، وعجز الطبقة المتوسطة – التاريخي، وقوة ونخبة كاسترو الجديدة، والتي لم تلتزم بأي أساس نظري أو هموم تنظيمية، السهولة التي وضع بها جانبًا البرنامج المعتدل لعام 1953 – 1958 والقائم على المشروع الخاص وإحلاله ببرنامج راديكالي لملكية وتخطيط الدولة.

 

حتى في 16 أبريل 1961 لم يكن كاسترو قد أعلن بأن الثورة كانت "اشتراكية". وفي حوار مع رئيس الجمهورية د. "أوسفالد ودورتيكوس تورادو" قد قال أنه: "وفي يوم سعيد أكتشف الشعب أو صدق على أن ما كان عليه يعلن موافقته عنه هو ثورة اشتراكية". 

 

هل هناك خلل في النظرية؟!

 

لا توجد صعوبة في فهم أسباب أن طبيعة التطور المتأخر للبرجوازية، كقاعدة أساسية، هي طبيعة محافظة ومتخاذلة (النقطة الأساسية الأولى عند تروتسكي)، وكذلك في حتمية السمة الثورية للطبقة العاملة الناشئة (النقطة الأساسية الثانية عند تروتسكي). إلا أن الأيديولوجية المهيمنة في المجتمع بحيث الطبقة العاملة طرفًا كطبقة مسيطرة يتداخل فيها عدد من الأسباب. 

 

في الكثير من الحالات تؤدي حقيقة وعود أغلبية عائمة وغير متبلورة من العمال الجدد في الريف إلى صعوبات بالنسبة لتنظيمات البروليتاريا المستقلة، فتقص الخبرة والأمية تضاف إلى ضعفهم، وهذا يؤدي علاوة على ذلك إلى ضعف آخر: الاعتماد على غير العمال للقيادة: ففي الدول المتخلفة تدار غالبًا النقابات العمالية من "دخلاء"، ويوضح ذلك تقرير من الهند:

 

"تدار النقابات الهندية عمليًا من أشخاص لا يمتلكون أية خلفية صناعية "دخلاء" والكثير من هؤلاء الدخلاء يجمعون في أيديهم أكثر من نقابة واحدة. ويميز القائد الوطني ذي المكانة العالية بأنه رئيس الثلاثين نقابة تقريبًا. ولكن يضاف إلى ذلك أنه بوضوح لا يوجد ما يقدمه في العمل لأي من هذه النقابات".

 

الضعف والاعتماد على "دخلاء" تؤدي إلى عبادة الفرد:

 

"لا تزال تتسم الكثير من النقابات بالالتفات حول أشخاص. فيهيمن الشخص القوي على النقابة، ويحدد كل سياساتها وأعمالها، وتعرف النقابة باعتبارها نقابته، ويتطلع العمال إليه لحل مشاكلهم ولتأمين متطلباتهم، ويكونوا على استعداد في أن يتبعوه إلى حيث يقودهم".

 

عامل هام لعبادة البطل في هذه الحالة، هو وجود عدد من مثل هؤلاء الأبطال داخل الحركة، لمساعدة العمال في تلبية بعض احتياجاتهم، ولكن ليست المساعدة في تطوير تنظيمات ديمقراطية متعمدة على نفسها.

 

(لن تنمو مثل تلك التنظيمات دون أن يتعلم العمال أن يقفوا على أجلهم، وألا يعتمدوا بشكل مثير المشفقة على أشخاص بارزين لحل مشاكلهم).

 

الاعتماد على الدولة، هو ضعف آخر للحركة العمالية في الكثير من الدول المتخلفة، ويوضحه أيضًا تقرير من الهند:

 

"فعليًا تأخذ الدولة الكثير من الوظائف والتي تعد في مجتمع حرمن اختصاص النقابات العمالية، وتقدم باعتبارهم هبة من الدولة، ولكنها – أي الدولة – لا تعقد مساومات بين العمال وأصحاب العمل، بل تقوم هي بالجزء الكبير في تحديد الأجور وباقي شروط العمل. وهذا مما لا شك فيه يرجع بدرجة كبيرة إلى الشروط الاقتصادية وكذلك ضعف العمال ونقاباتهم العمالية". 

 

ومن "غرب أفريقيا الفرنسية":

 

"محاولات النقابات المباشرة في مواجهة أصحاب العمل نادرًا ما تثمر عن زيادة أجور حقيقية للعمال الأفارقة. ولكن في الآونة الأخيرة، كان للتشريع الاجتماعي وتأثير الحركة السياسية مسئولية في معظم الزيادة في الأجور". 

 

ومن أمريكا اللاتينية:

 

"تسعى التمثيلات النقابية إلى تحقيق أرباحها من خلال التدخل والقرار الحكومي". 

 

جزاء الاعتماد على الدولة هو الخضوع للسياسات الحكومية، وتجنب سياسات معادية للسيدات الحاكمة، كذلك تحديد نشاط النقابات العمالية في متطلبات "اقتصادية" ضيقة، أو باستخدام التعبير اللينيني، سياسات "نقابوية".

هذا يؤدي تباعًا على ابتعاد النقابات العمالية عن نضالات الكادحين الزراعيين، فالاختلاف ما بين مستوى معيشة القرية والمدينة عامة هو اختلاف كبير في الدول المتخلفة مقارنة بالدول المتقدمة. في ظل هذه الظروف ومع وجود حالة البطالة وانعدام العمل للريفيين، يكون تحقيق مستوى أجور وشروط عمل في الصناعة، معتمدًا إلى حد بعيد على المؤسسات التي لا تستخدم إلا عمالاً نقابيين، ويتم تشغيل العمال في الصناعة من خلال النقابات العمالية والحكومة – في إهمال الكادحين الريفيين. وقد كان هذا هو الوضع في أرجنتين "بيرون" وبرازيل "فارجوس". وكوبا "باتيستا".

 

ونتج عنه حركة عمالية محافظة وضيقة ومثالية.

 

العامل الأخير ولكنه لا يعني العامل الأقل في تحديده لثورية الطبقة العاملة في الدول المتخلفة من عدمها. هو العامل الذاتي، أي فعالية الأحزاب وخاصة الأحزاب الشيوعية. ومن الضروري هنا إعادة التذكير بالدور الستاليني في الثورة المضادة بالدول المتخلفة.

 

الخلاصة، إن الخبرات حتى الآن أعطت لنا صورة لكل من الدوافع الثورية بين العمال الصناعيين في الدول النامية، وضعفها الشديد، وبأنه لا يوجد ارتباط آلي بين الاقتصاد المتخلف وبين النضالية السياسية الثورية.

أصبحت الطبيعة الثورية الأكيدة للطبقة العاملة – الدعامة الأساسية لنظرية تروتسكي – مشكوكًا فيها. ونقطته الأساسية الثالثة غير متحققة، فلا يستطيع الفلاحون أن يتبعوا طبقة عاملة غير ثورية، ولكن لا يعني هذا أنه لا شيء من ذلك يمكن أن يحدث. فسلسلة من الظروف الوطنية والعالمية جعلت قوى الإنتاج ضرورية لهدم العوائق الإقطاعية والامبريالية. فالعصيانات الفلاحية لم تكن كافية بحد ذاتها لكسر عبودية ملاك الأراضي والامبريالية، بل هناك ثلاثة عوامل أخرى مساعدة:

 

1.      ضعف العالم الامبريالي نتيجة لزيادة التنافسات فيما بين قوى الإنتاج والركود. جعل من الضروري إحداث التدخل المتبادل بوجود القنبلة الهيدروجينية.

2.      نمو أهيمه الدولة في الدول المتخلفة، والذي يعد أحد سمات التاريخ، فعندما تواجه المجتمع مهمة تاريخية في ظل غياب الطبقة التي عليها التغيير، يحل محلها مجموعة أخرى من البشر، وفي الغالب ما تكون سلطة الدولة، وتلعب هذه السلطة في مثل تلك الظروف دورًا غاية في الأهمية، فهي لا تعكس فقط ما يمكن أن يبني عليه الاقتصاد اليوم.

3.      نمو الأهمية الأنتلجنسيا كقائدة وموحدة للوطن، وتكون فوق الكل كمتلاعب بالجماهير، وهذه النقطة الأخيرة تحتاج لتفصيل خاص.

 

الإنتلجنسيا 

 

أهمية الأنتلجنسيا في حركة ثورية تتناسب طرديًا مع الوضع المتخلف العام – الوضع الاقتصادي، الاجتماعي، الثقافي – للجماهير التي ترتفع هذه الأنتلجنسيا من وسطهم.

 

تميزت "الحركة الشعبية الروسية" والتي كانت مقارنة بأي حركة أخرى. تؤكد على الحاجة لتثوير الفلاحين الذين يعدون أكثر أقسام المجتمع تخلفًا، أنها بالغت بشكل استثنائي على أهمية الأنتلجنسيا "أساتذة التفكير النقدي".

 

وعلى الرغم من أن الحركة الثورية في روسيا كانت تحتوي بشكل كبير على مثقفين. فيدافع مثقفي "الحركة الشعبية" عن قضية الفلاحين، ويدافع مثقفي "الحركة الماركسية" أنه بالنسبة للعمال الصناعيين يوجد اختلاف أساسي في الطريقة التي يرون بها العلاقة ما بين "القيادات" و"الجماهير"، فالحركة العمالية كانت على الأقل منظمة أثناء أعلى مراحل الصراع – إلى حد بعيد كان المثقفون مسئولون عن الوحدة العمالية – على الرغم من ذلك فاتجاههم المتأصل – أي المثقفين – في الفصل والارتفاع بنفسهم عن الجماهير. أدى إلى كبحهم عن طريق نفس هذه "الوحدة".

 

بالنسبة لمثقفي "الحركة الشعبية" كانت البيئة المحيطة أقل تقييدًا. ومن ثم فقد أظهروا استبدادية نتيجة للميل إلى التذبذبات والانشقاقات، وكما قال لينين في هذا الوقت: (لن يكون لأحد أن ينكر ما تتميز به الأنتلجنسيا من فردية وعجز عن الانضباط والتنظيم، هو نتيجة لطبقة منتجة من مجتمع رأسمالي حديث).

 

أثبتت الأنتلجنسيا الثورية نفسها كعامل أكثر تماسكًا في الدول النامية اليوم، مقارنة بروسيا القيصرية. فكما تعرف، الملكية الخاصة البرجوازية مفلسة، والنضال الامبريالي لا يحتمل، ونمو أهمية تخطيط الدولة إضافة إلى نموذج روسيا. وكذلك العمل التنظيمي والانضباطي للأحزاب الشيوعي، أعطى كل هذا معنى جديدًا لتماسكها – أي الأنتلجنسيا. ولأنها الفئة الوحيدة غير المتخصصة في المجتمع، تكون المصدر الواضح ل "نخبة ثورية محترفة". بحيث تظهر لتمثل مصالح "الأمة" في مواجهة التناقضات الإقليمية والمصالح الطبقية. يضاف إلى ذلك أنها الجزء من المجتمع المتشرب بالثقافة القومية. فالفلاحون والعمال لا يمتلكون الوقت أو التربية التي تؤهلهم لذلك.

 

تتأثر الأنتلجنسيا أيضًا بالتحالف التكنولوجي لذواتها. فهي مقيدة بهذا التخلف الذي يمنعها من المشاركة في عالم العليم والتكنولوجيا للقرن العشرين، ويؤكد هذا الموقف من خلال "بطالة المثقفين" المستوطنة في هذه الدول. مع التخلف الاقتصادي للمثقفين تكون الوظيفة الحكومية هي الأمل الوحيد لمعظم الطلاب بالرغم من عدم وجود قدر ما يكفيهم. 

 

الحياة الدينية للمثقفين أيضًا في أزمة. ففي ظل نظام متفتت تكون فيه الشخصية التقليدية متفسخة، يشعرون بعدم الأمان، وأنعدم الجذور، ونقص القيم الراسخة. وتجعل الثقافات الحاجة ملحة إلى توحيد جديد لابد له أن يكون كليًا وديناميكيًا حتى يستطيع أن يملأ الفراغ الروحي والاجتماعي، ولابد أن يجمع ما بين الحماسة الدينية مع النضالية القومية.

 

وجد المثقفون أنفسهم تحت ضغط مزدوج قبل أن تفوز دولهم بالحرية السياسية: تمتعهم بامتيازات عن الأغلبية من شعوبهم، وخضوعهم لهيمنة الحكام الأجانب. وهو يفسر ما يتميزوا به من تردد وتدبدب بالنسبة لدورهم في الحركات القومية. لكن أصبح هؤلاء عوامل أخرى في أهدافهم – الشعور بالذنب والمديونية تجاه الجماهير "الجاهلة"، وفي نفس الوقت الشعور بالانفصال والتفوق عليهم.

 

فالأنتلجنسيا تواقة إلى الانتماء دون أن تكون متشابهة، ودون أن تكف على أن تظل مستقلة ومتسامية. فهي تبحث عن حركة ديناميكية ستوحد الأمة، وتفتح آفاقًا واسعة وجديدة. ولكنها في نفس الوقت تعطي لها – أي الأنتلجنسيا – السلطة. وهي مؤمنة تمامًا بالتنمية، بالتنمية الكاملة في مجتمع هندسي، وتأمل في الإصلاح من "فوق"، وتفضل أن تقود عالم جديد بشعب "مقر بالجميل"، وترى كذلك أن حرية نضال الوعي الذاتي وارتباط الشعب الحر، ينشأ من عالم جديد من أجلها، وهي تهتم بالكثير من عوامل دفع دولها خارج الركود، ولكن بالقدر القليل من الديمقراطية. فهي تجد القيادة من أجل التصنيع، من أجل التراكم الرأسمالي. ومن أجل الانبعاث القومي الجديد. فسلطتها في علاقة مباشرة مع ضعف الطبقات الأخرى وسياستها البطالة. كل هذا يجعل من رأسمالية الدولة الديكتاتورية هدفًا جذابًا للمثقفين. يضاف إلى ذلك أنهم "حاملي الراية" الأساسية للشيوعية في الدول النامية. (وجدت الشيوعية أعظم قبول في أمريكا اللاتينية بين الطبلة والطبقة المتوسطة).

 

في الهند كانت نسبة الأعضاء من طبقات أخرى غير البروليتاريا والفلاحين في مؤتمر الحزب الشيوعي في "أمريستار" (مارس / ابريل 1958) هي 67% (طبقة وسطى، وملاك أراضي. وصغار تجار). 72% حصلوا على تعليم جماعي. (وقد وجد أنه في عام 1943 كانت نسبة من يعملون كموظفين لوقت كامل هي 16%).

 

الثورة الدائمة المنحرفة 

 

هذه القوى التي يمكن أن تؤدي إلى ثورة عمالية اشتراكية وفقًا لنظرية تروتسكي، يمكن أن تقود البروليتاريا في ظل غياب عامل موضوعي ثوري. لألبي نقيضها، دولة رأسمالية.

 

باستخدام ما يعد صحيحًا بشكل كامل وما بعد عارضًا في النظرية – اعتمادًا على الفعالية الموضوعية للبروليتاريا – يمكن أن نصل إلى مصطلح مختلف – مع غياب مصطلح أفضل – هو: "ثورة رأسمالية الدولة الدائمة المنحرفة".

 

وكيفما كانت ثورتا 1905، 1917 في روسيا، وثورة 1925 – 1927 في الصين. إثباتًا نموذجيًا لنظرية تروتسكي، كذلك فوصول "ماو" و"كاسترو" إلى السلطة هو نموذج مثبتًا أكثر وضوحًا ونقاء لنظرية "الثورة الدائمة المنحرفة".

 

تعد ثورات التحرر الوطني الأخرى – غانًا، الهند، مصر، إندونيسيا، الجزائر – انحرافات عن القاعدة. ففي هذه الدول، منع الانسحاب السياسي والعسكري للامبريالية، بالإضافة إلى الدعم المالي للطبقات المحلية المسيطرة،  وغالبًا ما كانت هذه الطبقات هي الأقسام الأساسية للبرجوازية، وكذلك العجز الذي أصابت به "موسكو" الأحزاب الشيوعية المحلية، منع من وجود رأسمالية دولة نقية ومهيمن عليها غرديًا من قبل البيروقراطية الستالينية الجديدة. وبالرغم من انحراف "نهرو" ،الهند، و"نيكروما" غانا، و"بن بيلا" الجزائر، بشكل أكثر وأقل عن نموذج "الثورة الدائمة المنحرفة"، إلا أنه يمكن فيهم ذلك بالمقارنة والأقتراب من وجهة نظر النموذج.

 

بعض النتائج تكتسبها الحركة العمالية استنباطًا من "الثورة الدائمة المنحرفة".

 

في أي من حالات نقائها أو انحرافها:

 

أولها: في ما يتعلق بالعمال في الدول النامية، والذين عجزوا عن تحقيق الثورة الدائمة وقيادة الثورة الديمقراطية حتى حدود الاشتراكية، وتوحيد الصراع القومي والاشتراكين لابد أن يكون عليهم الآن أن يقاتلوا ضد طبقت(هم) المسيطرة – وقد برهن نهرو على ذلك بقدر ليس أقل حدة مقارنة بالحكم البريطاني عند حصاره للإضرابات العمالية.

 

برغم ذلك سيكون العمال الصناعيون أكثر وأكثر استعداد للثورة الاشتراكية، ففي ظل حكومات وطنية جديدة ستزيد أعدادهم، ومن  ثم يكتسبون في خاتمة المطاف تماسكًا وسيطرة اجتماعية محددة.

 

ثانيهما: بالنسبة للاشتراكيين الثوريين في الدول المتقدمة التغيير في الإستراتيجية يعني أنه بينما يكون عليهم أن يواصلوا المعارضة بغير تحفظ لأي ضغط وطني للشعوب المستعمرة.

 

لابد أن أيضًا أن يكفوا عن محاولتهم في إثبات الوحدة الوطنية للطبقات المستقبلية المسيطرة في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية،، وأن يستثمروا بدلاً من ذلك التناقضات الطبقية والهياكل الاجتماعية لهذه القارات في المستقبل، فيصبح شعار "طبقة ضد طبقة" حقيقة أكثر فأكثر.

 

وتظل فكرة الأساسية لنظرية "ترورتسكي" صحيحة كما كانت دائمًا، فلابد أن تواصل البروليتاريا النضال الثوري حتى تنتصر على العالم بأسره. والتقصير عن هذا الهدف لن يجعلها تحقق حريتها.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل السابع

الماركسية والاضطهاد

 

يكمن الجوهر الحي للماركسية الثورية في أن تحرر الطبقة العاملة لا ينتج سوى من حركة الطبقة العاملة ذاتها. وفي نفس الوقت كان ماركس يجادل بأن الأفكار السائدة في كل مجتمع هي أفكار الطبقة الحاكمة، وفي الأغلب تؤدي تلك الأفكار لانقسام العمال إلى قوميات وأجناس وأديان مختلفة، إلخ. بيد أن اضطهاد البيض للسود، الرجال للنساء، إلخ، يفرق صفوف الطبقة العاملة ويبعثر وحدتها، وسياسة "فرق تسد" توطد سلطة الرأسماليين. 

 

لكن كيف إذن يؤثر الاضطهاد على حياة العمال المضطهدين؟ العمال السود في بريطانيا مثلاً يتم استغلالهم كعمال، حيث يتقاضون أجوراً أقل ويعملون في ظروف سيئة، ويسكنون مساكن رديئة، كما يُحرمون من أغلب الخدمات الاجتماعية. أما الاضطهاد الواقع عليهم يزيد من قسوة الاستغلال. 

 

نفس الشيء يحدث للنساء العاملات؛ فهن يضطررن لتحمل عبء مضاعف حيث يسعين للعمل وكسب العيش وفي نفس الوقت يتحملن مسئولية تربية الأطفال والعنالية بالمنزل. إنهن يعملن في مهن يضطررن كثيراً لتركها من أجل الالتفات للأطفال. وبالنسبة لهن، فإن الاضطهاد الواقع عليهن أيضاً يزيد من قسوة استغلالهن. 

 

كيف يؤثر الاضطهاد إذن على حياة العمال الذين يمارسون ذلك الاضطهاد؟ إنهم يعتقدون بالتأكيد أنهم أعلى شأناً من العمال المضطهَدين. لكن هي يستفيدون حقاً من هذا الوضع؟ 

 

يعتقد العمال البيض في الولايات الجنوبية في أمريكا أنهم يستفيدون من اضطهاد زملائهم العمال السود، إذ أنهم يتقاضون أجوراً أعلى، لديهم مساكن أفضل، وهكذا. لكن العمال البيض يتقاضون أكثر بكثير في الشمال. وفي الحقيقة فإن حتى العمال السود في الشمال أجورهم أعلى من العمال البيض في الجنوب.

 

العمال البروتستانت في أيرلندا الشمالية يعتقدون أن مهاجمة وضرب الكاثوليك أمر جيد بالنسبة لهم، وإلا لماذا يقدمون على ذلك؟ صحيح أن العامل البروتستانتي في أيرلندا الشمالية لديه فرصة أعلى من العامل الكاثوليكي في الحصول على وظيفة أفضل كثيراً، لكن نفس العامل البروتستانتي يتقاضى أقل كثيراً من زميله في بيرمنجهام أو جلاسجو. 

 

نفس الشيء ينطبق على الرجل والمرأة العاملة. العامل يتقاضى أكثر من العاملة، لذا فهو يستفيد من كونها مضطهدة. لكن تلك الرؤية سطحية تماماً لما يبدو عليه الأمر. 

 

إذا كنت مثلاً تسافر على متن قطار رديء وقذر، مثلك مثل أي رجل أبيض في ظل الرأسمالية، سوف تجد مقعد بجانب النافذة وتجلس عليه. أما المرأة أو الرجل الأسود فسوف يجلسون بعيداً عن النافذة، وعلى مقاعد قد تكون رديئة أيضاً. المشكلة الحقيقية هنا تكمن في القطار نفسه. كلنا مضطرين لاستقلال نفس القطار وليس لأي منا تحكم على السائق الذي يقود القطار عبر النفق.

 

إن القطاعات الأكثر تعرضاً للاضطهاد من الطبقة العاملة، دائماً ما تعكس أحوالهم الفظائع الأبشع للرأسمالية.كتب تروتسكي ذات مرة أن المرء إذا كان يرغب في بناء مجتمع جديد، فعليه أن ينظر في عيون النساء المضطهدات. وإذا كان يرغب في إدراك مدى وحشية الرأسمالية، عليه أن ينظر في عيون اليهود خلال الحرب العالمية الأولى. ونحن نقول: إذا كان يريد إدراك حقيقة المجتمع البريطاني، فعليه أن ينظر في عيون نيفيل ودورين لورينز الذي قُتل ابنهما الشاب الأسود على يد خمسة من النازيين الذين حمتهم الشرطة البريطانية. 

 

كيف إذن يمكن توحيد العمال البيض مع السود، أو العمال الرجال مع زملائهم النساء؟! لقد وضع فلاديمير لينين الفكرة الرئيسية في ذلك بمنتهى البساطة في 1902. لقد أوضح بجلاء أنه عندما ينظم العمال إضراباً عن العمل من أجل أجور أعلى، فهم إذن مناضلون نقابيون جيدون. أما إذا أضربوا عن العمل من أجل منع الهجوم على اليهود أو قمع التظاهرات الطلابية، فهم إذن اشتراكيون جيدون. 

 

الإضراب الذي ينخرط فيه العمال البيض والسود جنباً إلى جنب، قد يساهم في تجاوز العنصرية. الإضراب يقوي التضامن، والتضامن قد يأخذ العمال أبعد من القضية الراهنة، أما تأثير الإضراب على نفوس العمال والتغيرات التي تلحق بهم وبأفكارهم، فتلك هي النتائج الأكثر أهمية للإضراب. 

 

يمكن للتضامن أن يبدأ بمظاهرة ضد العنصرية التي قد تخلق حالة من الوحدة بين العمال السود. كانت اللقاءات التضامنية التي تم تنظيمها لمقابلة عائلة لورينز كبيرة جداً، وقد شارك فيها أناس بيض وسود. ولا شك أن ذلك سيؤثر ليس فقط على موقف الكثير من الناس تجاه الشرطة التي حمت القتلة النازيين، بل أيضاً سيساهم في إثراء حالة التضامن بين الناس حول قضايا أخرى.

 

مرة أخرى، إن الإضراب الذي يقف فيه الرجال والنساء، كتف بكتف، يساهم في إنهاء التفرقة بينهم على أساس الجنس. يجب هنا أن نتذكر كوميونة باريس حين قاتلت النساء بكل تضحية وتفاني، إلى درجة أن أحد الصحفيين البريطانيين قد كتب أنه "لو كان كل الكوميونيين نساء، لكانت الكوميونة قد انتصرت".

 

منذ سنوات، كنت بنفسي في اجتماع حاشد في لندن، عندها كنت أقول: "عندما تأتي الثورة، لن يكون غريباً أن يصبح رئيس مجلس العمال في لندن، أنثى، صغيرة السن، سوداء". وكنت قد اخترت تلك الصفات لأنها ببساطة جميعها تتحدى الأفكار السائدة التي تزرعها الرأسمالية، حيث يتم اعتبار صغر السن، قلة حكمة. ويتم احتقار الشخص الأسود. أما المرأة فلا تفقه شيئاً مقارنة بالرجل. 

 

وبعد الاجتماع، اقتربت مني امرأة سوداء صغيرة السن، وقالت "أنا امرأة وسوداء وصغيرة. إذن أنا من تتحدث عنها". وجاء ردي عليها كالتالي: "أنتي مخطئة يا آنستي. سوف تأتي الثورة خلال 10 سنوات على الأقل، وحينها سوف تكونين أكبر سناً بكثير". وبالطبع لا يمكن أخذ كلامي بشكل حرفي، فيمكن مثلاً أن يصبح رئيس مجلس العمال في لندن، عامل أيرلندي في الـ70 من عمره وله 15 حفيد. 

 

ينبغي على الثوري أن يكون معارضاً للاضطهاد إلى النهاية. الثوري الأبيض يجب أن يكون أكثر معارضة للاضطهاد من السود أنفسهم. يجب أن يعارض الثوري معاداة السامية بقوة أكثر من أي يهودي. الرجل الثوري يجب ألا يتسامح مع أي واقعة اضطهاد للمرأة أوالتحرش بها. يجب أن يكون الثوري سنداً لكافة المضطهدين. 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الثامن

النضال ضد الفاشية

 

درس صعود هتلر للسلطة 

 

في 30 يناير 1933 أصبح هتلر رئيس وزراء ألمانيا. لكن ذلك لم يكن محتم الحدوث، وهتلر نفسه لم يتوقع أن يحدث ذلك بسهولة. قبل ذلك بشهرين فقط، أي في نوفمبر 1932، حصل الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني على 7.2 مليون صوت في الانتخابات، فيما حصل الحزب الشيوعي على 6 ملايين صوت. لذا فإن المنظمتين العماليتين قد حصلتا سوياً على 13.2 مليون صوت، بينما حصل النازيون على 11.7 مليون، أي أقل بـ 1.5 مليون صوت. وعلى الرغم من ذلك، فإنه ليس بالعدد أو الكم يمكن قياس أهمية الأمر، بل بطبيعة الجمهور الانتخابي الذي أعطى أصواته للطرفين، أو كما أوضح تروتسكي: "بالمقاييس الانتخابية، فإن ألف صوت للفاشيين يعادل ألف صوت للشيوعيين. لكن بمقاييس النضال الثوري، فإن ألف عامل في مصنع واحد كبير يمثلون قوة أكبر مائة مرة من ألف موظف أو مسئول وزوجاتهم وآبائهم. إن الكتلة الانتخابية للفاشيين ليست إلا غبار بشري".

 

وعلى الرغم من ذلك، كانت قيادتا الحزب الاشتراكي الديمقراطي والحزب الشيوعي مفلستان سياسياً بشكل كامل. بالنسبة للحزب الاشتراكي الديمقراطي، فقد كان يستند إلى الدولة الألمانية وشرطتها تحت شعار "الدفاع عن الديمقراطية". وحتى بعد صعود هتلر إلى منصب رئيس الوزراء، كان أوتو ويلز، زعيم الحزب الاشتراكي الديمقراطي، يحاول طمأنة الشعب بأن الحكومة ليست كلها اشتراكية قومية، لكنها مكونة من تحالف بين الاشتراكيين القوميين والألمان القوميين، حيث كان ثلاثة وزراء فقط من إجمالي 12 وزير في الحكومة، نازيين، والـ 9 الآخريين محافظين. صحيح أن وليهلم فريك، وزير الداخلية النازي في حكومة هتلر، قد أعلن منذ توليه منصبه أن الوزارة ترفض حظر أي حزب، وأنهم لن يتدخلوا في حرية الصحافة، لكن بعد ذلك بشهرين فقط تم حظر الحزب الشيوعي واعتقال المرشحين الاشتراكيين في الانتخابات.

 

في 30 مارس 1933، تم تمرير قانون يمنح هتلر صلاحيات وسلطة غير محدودة، عبر الريخستاج (البرلمان الألماني). فيما وقف أوتو ويلز، زعيم الحزب الاشتراكي الديمقراطي الذي أشرنا إليه سابقاً، ضد القانون، لكنه في نفس الوقت أكد أن الحزب يعمل كجزء من المعارضة الشرعية وسوف يمارس معارضته بطريقة قانونية وشرعية، طريقة سلمية ولا عنيفة. قال ويلز: "حصلت أحزاب الحكومة على أغلبية الأصوات في انتخابات الخامس من مارس، وبهذا يكون لديهم الصلاحية للحكم باسم الدستور. نحن نقبل حكمهم على أي حال كأمر واقع".

 

أما بالنسبة للحزب الشيوعي، فلم يكن أقل تناقضاً ولم تكن قياداته أقل إفلاساً؛ فلقد خطوا خطو ستالين واتهموا الاشتراكيين الديمقراطيين بالفاشية، وبهذا فإنهم قد وضعوا النازيين والاشتراكيين الديمقراطيين في سلة واحدة. وفي 14 أكتوبر 1931، صرح السيد ريميل، زعيم كتلة الحزب الشيوعي في الريخستاج، أن الشيوعيين "ليسوا خائفين من السادة الفاشيين، وسوف يسحبون البساط من تحت أقدامهم أسرع من أي حكومة سبقت". كما أن ريميل قد أكد قبل ذلك أنه عندما يتم عزل هتلر سيأتي دوره هو بالتأكيد في رئاسة الوزراء.

 

على النقيض من تلك المواقف المتناقضة، دعا ليون تروتسكي الطبقة العاملة الألمانية للتوحد في مواجهة الكارثة القادمة التي مثلها هتلر. وفي كراسة له بعنوان "ألمانيا مفتاح لفهم الموقف الدولي" صدرت في 23 نوفمبر، كتب أن: 

 

"الاتجاه الذي ستسير فيه الأزمة في ألمانيا سوف يحدد ليس فقط مصير ألمانيا نفسها (بالرغم من الأهمية الكبيرة لذلك) لكن أيضاً مصير أوروبا والعالم كله لسنين طويلة قادمة. فوصول الاشتراكيين القوميين للسلطة في ألمانيا سوف يهدد، في المقام الأول، طليعة البروليتاريا في هذا البلد، فسوف يعني تدمير التنظيمات العمالية وبالتالي استئصال ثقة الطبقة العاملة في قدراتها وأملها في مستقبلها. وإذا وضعنا في الاعتبار مدى نضج واحتدام التناقضات الاجتماعية في ألمانيا، فإن نشاط الفاشية في إيطاليا قد يبدو باهتاً وضحلاً بالمقارنة بالنشاط النازي للاشتراكيين القوميين في ألمانيا". 

 

بعد صدور هذا الكراس بثلاث أيام، كتب تروتسكي مقالة طويلة تحت عنوان "من أجل جبهة عمالية ضد الفاشية"، لشرح المهام العملية الملحة أمام البروليتاريا الألمانية: "أيها العمال الشيوعيون الألمان: أنتم مئات الآلاف، بل ملايين. أنتم لا تستطيعون مغادرة البلاد بأي حال، فليس هناك ما يكفي من جوازات السفر من أجلكم. أما صعود الفاشية في بلدكم سوف يحطم عظامكم كالدبابة المخيفة. فقط الوحدة النضالية مع العمال الاشتراكيين الديمقراطيين هي التي ستجلب النصر. ليس هناك المزيد من الوقت. إن جبهة متحدة للعمال المناضلين ضد الفاشية هي ضرورة ملحة ولا غنى عنها". 

 

وفي 28 مايو 1933 (أي بعد صعود هتلر إلى السلطة بحوالي أربعة أشهر) في مقالة بعنوان "الكارثة الألمانية ومسئوليات القيادة"، أكد تروتسكي أن "الهزيمة المدوية التي تلقتها البروليتاريا الألمانية هي بالتأكيد الحدث الأهم منذ انتصار البروليتاريا الروسية في ثورة 1917". وفي 22 يونيو 1933، استنتج تروتسكي أن "الكارثة الحالية في ألمانيا هي بلا شك الهزيمة الأكبر للطبقة العاملة في التاريخ كله". 

 

حزب العمال الاشتراكي في بريطانيا استوعب الدرس جيداً

 

بعد ثلاث سنوات من تشكيل حزب العمال للحكومة في بريطانيا عام 1974، ارتفعت معدلات البطالة من 600 ألف إلى 1.6 مليون عاطل، كما انخفضت الأجور بشكل كبير، ولأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية تنخفض مستويات المعيشة بهذا القدر. ومع تصاعد معدلات الفقر والبطالة والحرمان من الخدمات الاجتماعية، انتعشت الجبهة القومية النازية وأصبحت أكثر رسوخاً في بريطانيا. وفي 1976 حصلت الجبهة على 44 ألف صوت في الانتخابات المحلية، أما الحزب القومي (وهو الحزب النازي الآخر في الموجود في بريطانيا) حصل على مقعدين في بلاكبرن. وفي 1977، حيث انتخابات المجلس الأعلى للندن، حصلت الجبهة القومية النازية على 119 ألف و63 صوت (أي 5% من الأصوات بدلاً من 0.5 % عام 1973)، واستطاعوا بذلك هزيمة الليبراليين في 33 دائرة انتخابية.

 

وفي أغسطس 1977 نظمت الجبهة النازية مسيرة في لويشام، تلك المدينة التي تقع جنوبي شرق لندن والمعروفة بالكثافة الكبيرة للسكان السود. استطاع 2000 عضو من حزب العمال الاشتراكي البريطاني تنظيم مسيرة شارك فيها 8000 شخص من العمال والشباب الذين كانوا أغلبهم من السود، والذين استطاعوا قطع الطريق على مسيرة الجبهة النازية وإيقافها. 

 

كانت أحداث أغسطس 1977 في لويشام بمثابة قاعدة انطلاق لتأسيس اتحاد لمناهضة النازية في نوفمبر من نفس العام. وقد كان ذلك الاتحاد عبارة عن جبهة متحدة بين حزب العمال الاشتراكي وبعض نواب البرلمان على يسار حزب العمال الحاكم، وحظى الاتحاد بشعبية كبيرة جذبت الشباب المناهضين للفاشية. وحينما نظم الاتحاد أول احتفالية في أبريل 1979 قبل الانتخابات المحلية، فاق النجاح كل التوقعات، حيث شارك 80 ألف شخص في مسيرة طويلة بدأت من ميدان ترافالجار لتنتهي بحفل موسيقي في متنزه فيكتوريا على بعد 6 أميال. وقد نظم الاتحاد أيضاً، بالتعاون مع حركة مناهضة العنصرية، احتفاليات كبرى في مانشستر (حيث شارك 35 ألف شخص) وفي كارديف (5000 شخص) وفي إيدنبرج (8000) وساوث أمبتون (5000) وهارويتش (2000) وبرادفورد (2000) وفي لندن مرة أخرى (10 آلاف شخص). ونتيجة لكل ذلك المجهود، هبطت أعداد الأصوات التي أُعطت للجبهة النازية في الانتخابات؛ ففي ليدز هبطت الأصوات بنسبة 54%، وفي برادفورد 77%، وحتى في منطقة نفوذ الجبهة النازية جنوب شرق لندن فقد هبطت الأصوات بنسبة 40%.

 

تحت ضربات اتحاد مناهضة النازية، لم يستطع الفاشيون أن يحظوا بأي تأييد كما كانوا في السابق. ففي الانتخابات المحلية الأخيرة في انجلترا في 17 مايو 1998، كانت إجمالي الأصوات التي أعطيت لكل من الحزب القومي البريطاني والجبهة القومية، تقدر فقط بـ 3000 صوت. ويمكننا أن ندرك درجة الهبوط الكبير في جماهيرية أوالئك الفاشيين عندما نتذكر أن الجبهة القومية وحدها قد حصلت على 44 ألف صوت في انتخابات 1976، و119 ألفاً في انتخابات 1977. 

 

تركزت سياساتنا في محاربة الفاشية على مسارين أساسيين: محاربة الفئران، وتطهير البالوعات التي تتكاثر فيها تلك الفئران. إن محاربة الفاشيين ليست كافية بالتأكيد، ولذلك علينا محاربة البطالة وتدهور الأجور والحرمان الاجتماعي الذي يخلق تربة خصبة لنمو وانتعاش الفاشية. 

 

ماذا عن الفاشية اليوم؟!

 

لنقارن الآن تلك الأوضاع بفرنسا مثلاً. في انتخابات عام 1974، حصلت الجبهة القومية ذات النزوع الفاشي في فرنسا فقط على 0.74% من الأصوات، أما في 1981 فقد حصلت على نسبة أقل من الأصوات: فقط 0.5% منها. لكن مع وصول فرانسوا ميتران للرئاسة في انتخابات 1981، تغيرت الأمور بشكل كبير. كان قدر الإحباط هائلاً وتضاعفت نسب البطالة، وانتعشت الجبهة القومية في تلك الظروف كثيراً، وفي انتخابات 1984 حصلت على 11% من الأصوات، أي ما يُقدر بـ 2 مليون صوت. أما في 1986 فقد استطاعت الجبهة أن تحوز 35 كرسي في البرلمان الفرنسي، تماماً مثل الحزب الشيوعي. ظل نفوذ الجبهة القومية في اتساع متواصل خاصةً في المدن الصغيرة جنوبي فرنسا، حتى أنه في الانتخابات الأخيرة التي عقدت في يونيو 1997، حصلت الجبهة على 5 ملايين صوت، أي 15% من إجمالي الأصوات الانتخابية. 

 

لكن السؤال المهم هنا هو لماذا انحدر نفوذ الجبهة القومية النازية في بريطانيا بشكل كبير، بينما انتعش نفوذها في فرنسا هكذا، وفي نفس الفترة الزمنية تقريباً؟ وذلك بالرغم من أن نسبة السكان السود في بريطانيا وفرنسا متماثلة. ونفس الشيء بالنسبة للبطالة، ففي فرنسا وبريطانيا تتراوح نسب البطالة بين 5 إلى 6%. والأغرب أن مستوى النضالات العمالية في فرنسا أعلى كثيراً من تلك التي في بريطانيا. 

 

الفرق الذي أدى إلى صعود الجبهة القومية في فرنسا وتدهورها في بريطانيا هو ببساطة وجود اتحاد مناهضة النازية في بريطانيا، أما في فرنسا فإن المنظمة الرئيسية التي تناهض النازية فهي منظمة إس أو إس (SOS) التي تتذيل الحزب الاشتراكي الفرنسي، والتي يرفض زعيمها، هارليم ديزير، مواجهة الجبهة القومية بشكل مباشر تحت دعوى أن ذلك "سيصب في مصلحة لو بان". لذلك فإن الجبهة عندما تدعو للتظاهر فإن تلك مظاهراتها لا يتم مواجهتها من قبل إس أو إس.

 

كان دور ميتران، زعيم الحزب الاشتراكي الفرنسي، في إخصاء إس أو إس مركزياً في إنعاش الجبهة القومية النازية. ولا يمكن هنا أن ننسى أن ميتران نفسه كان مسئولاً كبيراً في حكومة مارشال بيتان أثناء الحرب العالمية الثانية، تلك الحكومة التي تعاونت مع النازيين الألمان أنفسهم في إرسال 70 ألف يهودي للإعدام في غرف الغاز. وبعدما أصبح ميتران رئيساً لفرنسا، يذهب سنوياً في ذكرة وفاة "بيتان" ليضع إكليلاً من الورود على قبره، باعتباره "قائد وطني كبير". 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Repost 0
Published by تيار اليسار الثوري في سوريا
commenter cet article
26 janvier 2013 6 26 /01 /janvier /2013 19:27

 

 

 

الفصل الثالث

أهمية النظرية الماركسية

 

لقد أكد لينين مراراً وتكراراً أن "لا منظمة ثورية بدون نظرية ثورية". والماركسية، بحسب تعريف ماركس وإنجلز، هي الاشتراكية العلمية، ومثلها مثل أي علم آخر، كالفيزياء أو الكيمياء، لا يمكن فهمها عن طريق حفظ مجموعة من القواعد أو الشعارات الثابتة، إنما يجب دراستها بجدية وعمق. 

 

أشار ماركس وإنجلز إلى أن على الثوريين أن يسعوا لتعميم الخبرة التاريخية لحركة الطبقة العاملة العالمية. إلا أن ذلك لا يمكن أن يتم إلا على أساس نظرية ثورية ودراسة متعمقة للنضالات المختلفة؛ فلا يمكن أن يعلم المرء شيئاً عن كوميونة باريس من خلال خبرة الحياة اليومية التي يعيشها، ولهذا السبب عليه أن يقرأ ويدرس التاريخ والنظرية الثورية. استطاع ليون تروتسكي أن يصيغ الفكرة بشكل مختلف حين أشار أن الحزب الثوري يمثل ذاكرة الطبقة العاملة، كما عليه أن يكون مدرسة ينشأ فيها كوادر تلك الطبقة.

 

على المرء أن يدرس الماضي من أجل الاستعداد للمستقبل، هذا أمر بديهي. وصف الزعيم البلشفي كارل راديك، في مذكراته، كيف أن لينين، في وسط كل الأحداث العاصفة عام 1917، أوصاه بقراءة أحد الكتب عن الثورة الفرنسية الكبرى حيث سيساعده ذلك في فهم وتحديد المهام الثورية في الفترة القادمة. وخلال نفس الفترة العصيبة يُذكر أن لينين قد كتب واحد من أهم أعماله النظرية: الدولة والثورة. وفي خضم الثورة الفرنسية الكبرى، بلوّر سان جوست رؤيته عما يحث بشكل واضح حينما قال أن "من يحفرون نصف ثورة، يحفرون قبورهم بأيديهم".

 

الثورة لا تبدأ وتنجز كل مهامها في غمضة عين، ولا تطيح بكل شيء بين ليلة وضحاها، بل إنها تبدأ دائماً كأنصاف ثورات، حيث يتواجد ما هو جديد جنباً إلى جنب مع ما هو قديم. هكذا استطاعت ثورة فبراير 1917 الإطاحة بالقيصر والشرطة، كما استطاعت تأسيس سوفيتات (المجالس العمالية المنتخبة)، وكل ذلك كان جديداً. وعلى الرغم من ذلك كان هناك الكثير من الأمور القديمة التي ظلت في مكانها كما هي، حيث استمر الجنرالات الكبار في أماكنهم في الجيش، وحافظ الرأسماليون على ملكيتهم للمصانع، والإقطاعيون على ملكيتهم للأراضي، كما استمرت الحرب الإمبريالية على قدم وساق.

 

في أبريل 1917، عندما عاد لينين إلى روسيا، كان هناك 10 آلاف عامل وجندي في استقباله في محطة فنلندا في العاصمة بتروجراد. في وسط الحضور، استقبله رئيس سوفييت بتروجراد وقتها، الزعيم المنشفي تشيخيدزه، بباقة من الورود، وقد صاح قائلاً: "نحن نرحب بك باسم الثورة الروسية المنتصرة". أما لينين فقد أزاح الورود جانباً والتف إلى آلاف العمال والجنود الذين حضروا لاستقباله، وقال: "أي ثورة منتصرة تتحدثون عنها؟ لقد أطحنا بالقيصر! والثورة الفرنسية أطاحت بالملك في 1792. الرأسماليون لايزالوا يمتلكون المصانع، والإقطاعيين لايزالوا يمتلكون الأراضي، والحرب لاتزال مستمرة.. فلتسقط الحكومة المؤقتة.. فلتسقط الحرب.. الأرض والخبر والسلام.. كل السلطة للسوفيتات"، هكذا يصف المؤرخ الشهير سوخانوف المشهد.

 

من السهل أن نظن أن آلاف العمال والجنود رحبوا بكلام لينين وهتفوا مؤيدين له، لكن هذا ما لم يحدث، حيث وقف العمال مذهولين ومستنكرين لما قاله لينين. كانت الجماهير منبهرة بإسقاط القيصر وجهازه البوليسي، ولم يفهم أحد لماذا يوجه لينين النقد في هذه اللحظة. أما الصوت الوحيد الذي ظهر في ظل صمت جماهير العمال والجنود، كان صوت جولدنبرج، العضو السابق في اللجنة المركزية للحزب البلشفى، حيث صاح متهماً لينين بالجنون. لقد فهم لينين ما أشار إليه سان جوست في الثورة الفرنسية جيداً، وهكذا شق، هو وحزبه، الطريق لقيادة الثورة من أجل انتصارها النهائي.

 

ومنذ 1917 حتى الآن، لا شك أن الكثير من الثورات قد اندلعت في أغلب بلدان العالم، إلا أن كل هذه الثورات توقفت في منتصف الطريق، وبالتالي انتهت بثورة مضادة قضت على المكتسبات التي حققتها.

 

لنأخذ بعض الأمثلة على ذلك. في نوفمبر 1918، استطاعت الثورة في ألمانيا الإطاحة بالقيصر وبناء مجالس عمالية مثل السوفيتات في روسيا، إلا أن الجنرالات وملاك المصانع قد حافظوا على مواقعهم في المجتمع. وفي 1919 اغتال ضباط الجيش كل من  HYPERLINK "http://www.e-socialists.net/node/4384" روزا لكسمبرج وكارل ليبكنخت وعدد آخر من القادة الشيوعيين، وبعد عدد من السنوات اعتلى النازيون السلطة في ألمانيا. هكذا تحولت ثورة الجماهير إلى ثورة مضادة عليهم. 

 

في 1979، تطورت سلسلة من الإضرابات العمالية في  HYPERLINK "http://www.e-socialists.net/node/4373" إيران إلى إضراب عام في البلاد بقيادة مجالس العمال (شورى) واستطاعت الإطاحة بالشاه. كان كل من الحزب الشيوعي الإيراني (تودة) وحركة الفدائيين، يمثلون القيادة الحقيقية للعمال، لكنهما كانا تابعين لسياسات موسكو. وللأسف قام الشيوعيون بالتحالف مع آية الله الخوميني، وهو نفسه الذي ذبحهم بعد ذلك.

 

مثال آخر من أندونيسيا. عندما نال الشعب الأندونيسي الاستقلال عن هولندا في 1949، تولى البرجوازي الوطني أحمد سوكارنو قيادة البلد. كانت أيديولوجيته ترتكز على مبادئ الـ"بانكاسيلا"، وأسسها الرئيسية هي الإيمان بالله وبالوحدة الوطنية. للأسف الشديد لم يقم الحزب الشيوعي بتحدي سوكارنو، بل على العكس اتفق معه تماما على الحاجة إلى الوحدة الوطنية. وكانت النتيجة أن كلمات سان جوست تحققت. كان لدى الحزب الشيوعي الإندونيسي من الأعضاء ما يفوق بكثير عدد أعضاء الحزب البلشفي وقت الثورة: ثلاثة ملايين عضو في مقابل ربع مليون عضو. الطبقة العاملة الإندونيسية كانت أكبر من الطبقة العاملة الروسية عشية الثورة. الفلاحون كانوا أكثر عددا في إندونيسيا منهم في روسيا. ولكن في 1965 نظم جنرال عيّنه سوكارنو، اسمه سوهارتو، انقلابا بدعم الولايات المتحدة وحكومتي حزب العمال في بريطانيا واستراليا. والنتيجة أن ما بين نصف مليون ومليون شخص تم ذبحهم.

يجب علينا أن نتعلم من تجارب الماضي من أجل الاستعداد للمستقبل. يجب، على سبيل المثال، أن ندرس الاقتصاد الماركسي لنفهم تناقضات النظام الرأسمالي التي تدفعه للسقوط في هوة أزمات وانفجارات عنيفة. 

 

 HYPERLINK "http://www.e-socialists.net/node/4307" والقيادة في النضال تتطلب وضع استراتيجيات واضحة للمستقبل، ولذلك يجب على القيادة الثورية أن يكون لديها فهم نظري عميق للمجتمع والاقتصاد والسياسة والتاريخ والفلسفة، إلخ. 

 

ليس من الجيد أن يكون الفهم النظري الذي نتحدث عنه محصوراً في إطار مجموعة صغيرة من أعضاء الحزب، وهكذا جادل لينين حول ضرورة معرفة كل عضو من أعضاء الحزب الثوري بالماركسية. بيد أن الحزب الثوري لا يمكن أن يكون نسخة موازية للمصنع أو الجيش في ظل النظام الرأسمالي. حيث أنه في المصنع يقرر الرأسماليون والمديرون كل شيء وعلى العمال أن ينفذوا القرارات فقط، وفي الجيش يصدر الضباط الأوامر وما على الجنود إلا الطاعة العمياء. أما في الحزب الثوري، يجب أن يكون لكل عضو الحق والمساحة والقدرة على التفكير والمشاركة في اتخاذ القرار وتنفيذه أيضاً.

 

يمكن بالتأكيد أن يكون هناك تفاوت في مستوى الوعي والمعرفة النظرية بين أعضاء منظمة أو حزب ثوري واحد. لكن هذه الدرجة من التفاوت يجب، بشكل إرادي، أن يتم تجاوزها عن طريق رفع مستوى وعي ومعرفة كافة الأعضاء. حيث أن أخطر شيء يمكن أن يلحق بالحزب الثوري من الداخل هو أن يسيطر على قرارات الحزب مجموعة من المثقفين المعزولين عن الواقع، وأن يدعوا أنهم يمثلون السياسة الثورية للبروليتاريا. يمكن اعتبار ذلك بمثابة إهانة حقيقية للعمال داخل الحزب، حيث أن ذلك ينفي قدرة العمال على الإمساك بالنظرية واستيعابها وبالتالي المشاركة في صياغة توجهات الحزب. 

 

قضى ماركس 26 عاماً من حياته في كتابة "رأس المال". لماذا إذن كل تلك الفترة الطويلة؟! مع العلم بأنه لم ينه الكتاب حتى وفاته. تم نشر الجزء الأول فقط أثناء حياته، أما الأجزاء الثاني والثالث فقد حررهما إنجلز بعد وفاة ماركس. لماذا أيضاً كان الماركسيون الروس ينظمون ندوات ومحاضرات ليلية طوال تسعينات القرن التاسع عشر لتعليم العمال الماركسية الثورية؟ تكمن الإجابة على هذه الأسئلة في إدراك أهمية النظرية الثورية بالنسبة للحركة الثورية.

 

أحد أهم الأعمال التي تدافع عن دور النظرية في بناء وعمل الحزب الثوري هو كتاب لينين "ما العمل؟"، الذي أنجزه عام 1902، حيث جادل لينين في هذا الكتاب ضد خصومه (الاقتصادويين) الذين كانوا يزعمون أن وعي العمال لا يمكن أن يتجاوز الوعي الاقتصادي، وبالتالي فإن نضالهم لا يمكن هو الآخر أن يتجاوز النضال النقابي من أجل رفع الأجور أو تقليص عدد ساعات العمل. كما أكد الماركسي الإيطالي، أنطونيو جرامشي، في كثير من كتاباته، على ضرورة أن يتسلح العمال بالنظرية الثورية. 

 

وعلى الرغم من أهمية أن يتسلح الثوريين ويتماسكوا على النظرية الثورية، والدور الهام الذي يلعبه المثقفون الثوريون في صفوف أحزابهم، إلا أن هناك العديد من الأمثلة التاريخية التي توضح كيف أن الكثير منهم كان في موضع هجوم شرس، فقط لأنهم مثقفون. هكذا كان الجناح اليميني في الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني يهاجم روزا لكسمبرج بكل حدة. ربما كانوا يكرهون حقيقة أنها امرأة، أو أنها ليست ألمانية (كانت روزا من أصل بولندي). وهكذا أيضاً كان الوضع مشابه لما حدث مع ليون تروتسكي منذ 1923 حينما كان لينين على فراش الموت، حيث هاجمه ستالين باعتباره "من المثقفين"، ولاحقاً قام بإبعاده تماماً باعتباره "من الغرباء" في إشارة سافرة إلى أصله اليهودي. 

 

لكن بشكل عام، فإن سوء تقدير أو تسفيه أهمية دور النظرية الثورية والتماسك عليها والتسلح بها، يعد إهانة واحتقار للعمال، حيث أن ذلك يفترض خطئاً أن العمال غير قادرين على استيعاب الأفكار الثورية أو على الأقل غير مهتمين بها. 

 

إلا أن قراءة الأدبيات أو الاستماع إلى بعض المحاضرات حول الماركسية الثورية ليسا كافيين لتماسك عضوية حزب أو منظمة ثورية على الأفكار الماركسية، فالتماسك على الأفكار يجب أن يأخذ منحى أكثر عملية في الواقع. وحينما أكد لينين على أن كل عضو في الحزب الثوري هو قائد للنضال، كان يعني أن كل عامل في الحزب ينبغي أن تكون لديه القدرة على قيادة نضال زملائه غير الأعضاء في الحزب. وبهذا المعنى ينبغي على كل عضو في الحزب الثوري أن يقدم إجابات حية لتساؤلات زملائه في العمل أو جيرانه، إلخ، حول ما يجري حولنا من أحداث. 

 

لنعطي مثالاً على ذلك: الكثير من الناس يتساءلون "لماذا نسعى لثورة.. ألم تؤدي الثورة الروسية إلى الطغيان والاستبداد؟!". في هذه الحالة، على عضو الحزب الثوري أن يكون لديه القاعدة النظرية والمعرفة التي تؤهله لكي يوضح ويشرح ما حدث لروسيا بعد الثورة، مثل هزيمة الثورة في ألمانيا مما أدى لعزلة روسيا، لانحطاط السلطة فيها، لصعود ستالين الذي قضى على الثورة وبنى رأسمالية الدولة في روسيا التي اعتمدت القهر والاستبداد السياسي والاقتصادي. وهكذا فإن الحوارات الدائمة بين الأعضاء الحزبيين والناس العاديين توضح للأعضاء ما يعرفونه وما يريدون إقناع الناس به، والأهم من ذلك، ما لا يعرفونه وما يجب أن يطلعوا عليه ويتعلموه.

 

إن جوهر الماركسية يكمن في فلسفة الجدل (الديالكتيك). لذا فإن الحوار والجدال الدائم حول الأفكار بين أعضاء الحزب وبقية الناس، أمر حيوي للغاية. لكن كيف يمكن أن ينخرط عضو الحزب في نقاشات مثل هذه مع بقية الناس غير الأعضاء في الحزب؟ قد يكون أحد الوسائل إلى ذلك هو بيع الجريدة الثورية، ليس فقط في المظاهرات وفي الشوارع، لكن الأهم من ذلك على زملائهم في أماكن العمل أو الجامعات وعلى جيرانهم، وفي الأوساط التي يتواجدون فيها بشكل طبيعي.

 

تلك هي إحدى الأفكار الأساسية للينين، حيث اعتبر  HYPERLINK "http://www.e-socialists.net/node/5728" الجريدة الثورية بمثابة الناظم الجماعي لأعضاء الحزب الثوري. 

 

 

 

 

 

 

الفصل الرابع

العولمة بين الأساطير والحقائق

 

في السنين الأخيرة، فرض مصطلح " HYPERLINK "http://www.e-socialists.net/node/1596" العولمة" نفسه على مفردات الاقتصاد والسياسة في العالم كله. والمصطلح في الحقيقة يلقى قبولاً من قبل قادة كافة الأحزاب السياسية، المحافظة أوالإصلاحية على حد سواء، وكأنه قدر على البشرية أو قدرة إلهية هبطت من السماء. كما أنه يتم ترويجه بحماسة بالغة سواء من خلال الصحف أو التلفزيون، أو الشركات الرأسمالية وحتى قادة النقابات العمالية. لكن هؤلاء الذين يروجون للعولمة كمصطلح وكسياسة اقتصادية عالمية، يفترضون دائماً أن الشركات متعددة الجنسيات أقوى من العمال، وأقوى من الدول نفسها. 

 

ومن الغريب أن نقرأ مقالة للكاتب إدوارد مورتيمر في الفاينانشيال تايمز، تلك الجريدة اليمينة المحافظة، يستعين فيها بالبيان الشيوعي نفسه ليدعم نظرية العولمة. هكذا اقتبس السطور الآتية من البيان: 

 

"إن حاجة البرجوازية إلى تصريف دائم لمنتجاتها، متسع باستمرار، تدفعها إلى كل أرجاء الكرة الأرضية. فلا بد لها أن تُعشعش في كل مكان، وأن تنغرز في كل مكان، وأن تقيم علاقات في كل مكان.

 

والبرجوازية، باستثمارها السوق العالمية، طبَّعت الانتاج والاستهلاك، في جميع البلدان، بطابع كوسموبوليتي، وانتزعت من تحت أقدام الصناعة أرضيتها القومية وسط سخط شديد من الرجعيين. فالصناعات القومية الهرمة دُمّرت و تدمَّـر يومياً لتحل محلها صناعات جديدة، أصبح اعتمادها مسألة حيوية بالنسبة إلى جميع الأمم المتحضرة، صناعات لم تعد تستعمل المواد الأولية المحلية، بل المواد الأولية من أقصى المناطق، صناعات لا تُستهلك منتجاتها في البلد نفسه فحسب، بل أيضاً في جميع أنحاء العالم. فمكان الحاجات القديمة، التي كانت المنتجات المحلية تسدُّها، تحُل حاجات جديدة تتطلب لإشباعها منتَجات أقصى البلدان والأقاليم. و محل الإكتفاء الذاتي الإقليمي والقومي والانعزال القديم، تقوم علاقات شاملة في كل النواحي، و تقوم تبعية متبادلة شاملة بين الأمم".

 

كان إدوارد مورتيمر،  بادعائه بأن ماركس هو أبو نظرية العولمة، يحاول أن يمتدح ماركس، لكنه في الحقيقة يهينه. سوف أسرد بصدد ذلك بعض الملاحظات والتعليقات للمقارنة بين الاقتصاد الماركسي والاقتصاد البرجوازي.

 

لقد أوضح ماركس عدة مرات أن يدين بشكل كبير للاقتصادي القديم آدم سميث، وبشكل أكبر لديفيد ريكاردو. لكنه أوضح أيضاً أن نظريته ليست استكمالاً عادياً للنظريات الاقتصادية الكلاسيكية، بل نقداً وتحدياً لها. هكذا كان، على سبيل المثال، العنوان الثانوي لكتاب "رأس المال" لماركس: "نقد الاقتصاد السياسي".

 

في كتاب ثروة الأمم، الذي نُشر في العام 1772، كان آدم سميث يشرح أهمية تقسيم العمل، حيث كان يصف كيف أنه في مصنع لإنتاج الدبابيس يقوم كل عامل بمهمة معينة ويقوم بتكرارها باستمرار. تقسيم العمل هذا يزيد بالتأكيد من الإنتاجية، ولقد تقبل ماركس هذه الفكرة لكنه أضاف أن تقسيم العمل يحوّل العامل إلى نصف آدمي، وفي ذلك يكمن مفهوم ماركس للاغتراب. كما أكد أيضاً أن العمال لا يشكلهم النظام هكذا كما يتشكل الصلصال في اليد، إذ يستطيعون التمرد على النظام ومحاربته أيضاً.

 

كان سميث وريكاردو يعتقدان أن السعي للربح هو نشاط طبيعي للإنسان، لكن وعلى العكس منهم، أكد ماركس أن ذلك يتغير وفق التطورات التاريخية. في السوق، حيث التنافس بين الرأسماليين أو الشركات الرأسمالية العملاقة أو الدول الرأسمالية، يندفع كل طرف لمراكمة رأس المال تحت تأثير المنافسة نفسها. وحينما يتنافس الرأسماليون فيما بينهم في السوق، فإنهم يلقون تكلفة تلك المنافسة على أكتاف العمال في صورة الاستغلال الاقتصادي، لكن العمال يناضلون ضد ذلك أيضاً. وهذا مايجعلنا نقول أن العمال ليسوا مجرد مفعول بهم في التاريخ، لكنهم أيضاً فاعلين أساسيين فيه. أما نظرية العولمة فهي ترسخ بقوة لفكرة أن السلطة والثروة يجب أن تكون في حيازة الطبقات العليا في المجتمع أما الطبقات السفلى فهي محرومة تماماً من أدنى قدر من السيطرة على السلطة. وبالنسبة لمنظري العولمة وأيديولوجيي السوق الحر، فإن هذا هو قمة العدل.

 

قوة العمال في الشركات متعددة الجنسيات 

 

في ظاهر الأمر، يبدو أن العمال في مصنع واحد مثلاً من مصانع إحدى الشركات المتعددة الجنسية العملاقة، وكأن لا حول لهم ولا قوة. فإذا كانت شركة فورد يعمل لديها ربع مليون عامل، فما إذن قوة بضعة آلاف من عمالها في بريطانيا ليقفوا ويواجهوا إدارة فورد العملاقة؟!

 

لكن الحقيقة مختلفة تماماً عما يبدو في الظاهر. فعندما أضرب نحو 3 آلاف عامل في جنرال موتورز في دايتون وأوهايو في 1996، أغلقت عمليات جنرال موتورز عبر الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، وتوقف حينئذ 125 ألف عامل في جنرال موتورز عبر العالم خلال أيام قليلة. لقد كلف الإضراب الشركة حوالي 45 مليون دولار في اليوم الواحد، وحينها كانت حكومة كلينتون مضطربة للغاية وتدعو العمال لفض الإضراب والعودة للعمل. 

 

وعندما تم تنظيم إضراب عام في الدنمارك، اضطرت شركة ساب لإيقاف الانتاجفي السويد، إذ أنه لم يعد لديها مواد الانتاج التي كانت تصلها من الدنمارك، كما توقف العمل في فنلندا وأعلنت شركة فولفو أنخطوط الانتاج في السويد وهولندا قد تأثرت بشدة.

 

عندما أضرب عمال شركة فورد في بريطانيا عام 1988، توقفت الشركة كلها عبر أوروبا خلال ثلاثة أو أربعة أيام. وهكذا، بسبب الشركات متعددة الجنسيات، أصبح العمال أكثر قوة بكثير من ذي قبل. يحتاج المرء كي يلاحظ ذلك فقط أن يقارن الأمثلة السابقة بأول إضراب عام في التاريخ، ذلك الذي وقع في بريطانيا في 1832، حيث اضطر العمال لتنظيم لجان تطوف المصانع لتحريض زملائهم على المشاركة في الإضراب.

 

يوجد خلف نظرية العولمة منطق كامل يحكمها ويضع محدداتها. وهذا المنطق يشبه كثيراً منطق البنتاجون عندما أعلن الحرب على فيتنام، حيث كان القادة العسكريين الأمريكيين مقتنعين تماماً أن القوة العسكرية للولايات المتحدة لا تُقهر. أما فيتنام فهي أضعف كثيراً ولا تستطيع الصمود في وجه البنتاجون. نتذكر أنه في القرن التاسع عشر استطاعت بريطانيا هزيمة الهند، أما القوة العسكرية الأمريكية في ستينات القرن العشرين بالتأكيد هي أكبر من القوة العسكرية لبريطانيا القرن التاسع عشر بما لا يُقاس. في نفس الوقت، فإن بلد مثل فيتنام هي أصغر كثيراً في المساحة وأقل كثيراً من حيث الكثافة السكانية من الهند. وإذا استطاعت بريطانيا الانتصار في القرن التاسع عشر على الهند، فإنه بالتالي تستطيع الولايات المتحدة الانتصار على فيتنام بسهولة بالغة.

 

ذلك هو المنطق الميكانيكي بكل فجاجته وسطحيته. فإذا نظرنا إلى الأمر بشكل جدلي سنجد الصورة على النقيض تماماً من ذلك. في انتفاضة الهند في 1857، قُتل جندي بريطاني، لكن ما الضرر الضخم الذي لحق ببريطانيا عند مقتل ذاك الجندي؟! كم تبلغ قيمة جندي أو عامل واحد بالنسبة لبريطانيا؟! لنقل 100 جنيه استرليني. القوة العسكرية للولايات المتحدة هي بلا شك كما قلنا أكبر أضعافاً مضاعفة، وقد تبلغ قيمة الطائرة الأمريكية، لنقل مليون دولار. إلا أن الولايات المتحدة قد فقدت آلاف الجنود والطائرات والدبابات في حربها ضد فيتنام، وهُزمت في النهاية بعد حرب ضروس خاضتها المقاومة الفيتنامية ضدها.

 

العولمة والدولة 

 

فكرة أخرى يستند إليها مؤيدو العولمة والمدافعون عنها، هو أن الدولة لا تستطيع أن تفعل شيئاً لزيادة معدلات التوظيف والقضاء على البطالة، وأن زمن الكينزية قد انتهى ولابد أن تحل العولمة محلها باعتبارها الخيار الوحيد المتبقي.

 

منذ بداية الحرب العالمية الثانية وحتى عام 1973، شهد العالم أطول فترة رخاء اقتصادي في تاريخ الرأسمالية، حيث استطاعت الكينزية إنقاذ الرأسمالية من الأزمات الاقتصادية طيلة تلك الفترة. كانت الكينزية تسعى إلى زيادة الإنفاق الاجتماعي وتنظيم الطلب الاقتصادي وتقليص معدلات الربح. ربما يكون التعبير الأكثر تحمساً لتأييد السياسات الكينزية كان في كتاب أنطوني كروسلاند "مستقبل الاشتراكية" الذي نُشر في العام 1956. وطبقاً لكروسلاند فإن فوضى الرأسمالية تولي بعيداً ومعها كل مظاهر الصراع الطبقي، والنظام الآن في وجهة نظره يصبح أكثر ديمقراطية وعقلانية. تذوب الرأسمالية بنفسها، وكل الكلام حول أن الانتاج يستهدف الربح ولا يستهدف الاحتياجات البشرية، كل هذا الكلام طبقاً لكروسلاند، أصبح غير مقبول. وكما يذكر فإنه قد حدثت هناك ثورة سلمية جعلت الصراع الطبقي مفهوم غير موجود حتى كي يفكر المرء فيه: "لا يستطيع أحد الآن التفكير أنه يمكن أن تتحالف الدولة مع أصحاب الأعمال ضد نقابات العمال". لقد كتب أن "بريطانيا اليوم تعيش في حالة وفرة واسعة"، أما الاشتراكيين فعليهم أن يصرفوا النظر عن الأمور الاقتصادية. إلى ماذا يلتفتون إذن؟!

 

كتب السيد كروسلاند أننا "يجب أ نوجه اهتماماتنا إلى أشياء أخرى مفيدة وأكثر أهمية على المدى الطويل، مثل السعادة والحرية والمتعة الشخصية.. إيجاد مقاهي مفتوحة وممتعة، شوارع مضيئة ليلاً، فنادق ومطاعم أفضل وأكثر راحة.. صور ومناظر جميلة في الشوارع والأماكن العامة، تصميمات أفضل للأثاث ولملابس النساء، تماثيل راقية بين البنايات السكنية، إضاءة أفضل ومصابيح أكثر أناقة في الشوارع، إلخ". 

 

إن وصف الرأسمالية في عهدها القديم بأنها كانت إنسانية وعقلانية أمر لا يمكن تصديقه بالمرة. في الحقيقة كانت الرأسمالية منذ نعومة أظفارها، بحسب كلمات ماركس، مغطاة بالطين والدم، ولم تتغير بشكل نوعي إلى يومنا هذا ولن تتغير في المستقبل. إن بربرية الرأسمالية هي اليوم أسوأ كثيراً مما كانت عليه قبل قرن ونصف مضى. ولكي ندرك ذلك علينا فقط أن نتذكر الموت في غرف الغاز أو ما حدث في هيروشيما وناجازاكي أو الـ 20 مليون طفل الذين يموتون في العالم الثالث سنوياً لأن البنوك الدولية الكبرى تعتصر ثروات بلدانهم.

 

إن البطالة في ألمانيا، التي وصلت إلى 8 مليون عاطل في عام 1932، اختفت تماماً بعد ذلك بسنتين فقط. لكن ذلك لم يكن بسبب أن أدولف هتلر قد قرأ النظريات الاقتصادية لجون ماينارد كينز، لكن في الحقيقة بسبب برنامج التسليح عكف هتلر على تفنيذه في ألمانيا. إن تفسير الرخاء الطويل الذي شهدته الرأسمالية يكمن في فهم نظرية اقتصاد الحرب الدائم. في مارس 1957، وفي مقالتي المنشورة بعنوان "اقتصاد الحرب الدائم"،حاولت أن أشرح أثر اقتصاد الحرب الدائم على استقرار الرأسمالية، وكيف أن تناقضات هذه العملية تقضي على الرخاء في النهاية. وقد شرحت أن البلدان التي تنفق كثيراً على انتاج السلاح، تفتح أسواقها وتقلل من انخفاض معدل الربح، لكن تلك البلدان التي تنفق أقل، تستفيد بشكل أكبر من الرخاء الاقتصادي أكثر من البلدان ذات الإنفاق الأعلى على انتاج السلاح، وسيكون لديهم موارد أكبر للإنفاق على تحديث الصناعة بدلاً من الإنفاق على إنتاج الطائرات الحربية والدبابات، وتلك البلدان هي التي تفوز في المنافسة في نهاية الأمر. وهذا بالضبط ما حدث؛ فبينما أنفقت روسيا والولايات المتحدة وبريطانيا بشكل جبار على الانتاج العسكري، كانت بلدان مثل اليابان وألمانيا الغربية تنفق أقل كثيراً بما لا يُقاس. لذا، فإن المارك الألماني والين الياباني أصبحا أقوى كثيراً مقارنةً بالدولار الأمريكي والجنيه الاسترليني. وفي عام 1973، بعد حرب فيتنام، انهار الدولار وارتفعت أسعار النفط بشدة، وانهارت معهما الكينزية.

 

في مؤتمر حزب العمال الحاكم في 1976، أعلن رئيس الوزراء البريطاني جيمس كالاجان الآتي: "لفترة طويلة كنا نظن أننا يمكننا الإفلات من الكساد وزيادة التوظيف عن طريق تقليص الضرائب وزيادة الإنفاق الحكومي على الخدمات الاجتماعية. لكني اليوم أخبركم بكل صراحة أن هذا الخيار لم يعد موجوداً".

 

لقد مهدت السياسات الكينزية للسياسات النقدية التي أتت بعدها والتي فرضت نفسها على مستوى عالمي. كما أن سياسات ثاتشر (رئيسة الوزراء البريطانية التي عبّدت الطريق للسياسات النقدية والليبرالية الجديدة في بريطانيا) قد أخذت شكلها وتبلورت بشكل كامل حتى قبل انتخاب ثاتشر لمنصب رئيس الوزراء. وبحسب كلمات بيتر ريدل، المحرر السياسي لجريدة الفاينانشيال تايمز: "لو كان هناك ما يُسمى بتجربة ثاتشر، فإن تلك التجربة قد أطلقها دينيس هيلي (مستشار حزب العمال لبيت المال البريطاني)".

 

في وسط الأزمات الاقتصادية الطاحنة، تبدو الإصلاحية وكأنها مثل المظلة المصنوعة من الورق في ليلة ممطرة. قد تبدو تلك المظلة مفيدة لوقت طويل طالما أن السماء لا تمطر. لكن لتحدي هجمات الرأسمالية وللدفاع عن الإصلاحات الاجتماعية، ينبغي تجاوز الإصلاحية ذاتها. فقط الثوريون هم الذين يستطيعون القتال "إلى النهاية" للدفاع عن المكتسبات والحقوق الاجتماعية ضد هجمات الرأسمالية.

 

إذا قرر أحد الرأسماليين مثلاً إغلاق المصنع، سيضطر العمال في هذه الحالة تحدي حق ملكيته للمصنع. لحل أزمة البطالة يجب أن تتقلص عدد ساعات العمل الأسبوعية بشكل كبير وأن يتم استقبال عمال جدد ليعملوا في ساعات العمل التي تم إزاحتها من على كاهل العمال الموجودين في الأصل، وفي هذه الحالة سيقول الرأسمالي أنه ليس عليه أن يدفع أكثر لعمالة جديدة من أجل أن يظل المصنع مفتوحاً وأن يستمر العمل فيه، وهنا يسضطر العمال أيضاً لتحدي حق ملكيته للمصنع.

 

هناك بين الرأسمالية والاشتراكية هوة ساحقة لأسفل، ونحن لا نصدق –مثلما يعتقد الإصلاحيون-  أنه يمكن التحول من نظام إلى آخر بشكل تدريجي. لا يمكن عبور تلك الهوة من خلال عدد من الخطوات القصيرة. وإذا كان أحد يشك في ذلك، عليه فقط أن يصعد فوق قمة أحد المباني الشاهقة في المدينة، وأن ينظر إلى المسافة التي تفصل بينه وبين قمة المبنى المجاور، إذا جح في العبور إلى القمة المجاورة عن طريق بعض الخطوات المستقيمة القصيرة، فقد تنجح الإصلاحية في الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الخامس

رأسمالية الدولة في روسيا

 

تمهيد

 

مضت الآن تسع سنوات على انهيار سور برلين وسقوط الاتحاد السوفيتي وما سُمي بانظمة الكتلة الشرقية. كنت قد توصلت في عام 1947 إلى استنتاج هام مفاده أن تلك الأنظمة الستالينية لم تمثل سوى  HYPERLINK "http://www.e-socialists.net/node/1780" أنظمة رأسمالية الدولة، وقد كتبت كتابين لبلورة هذه النظرية الجديدة. وبالطبع لا يمكن للمرء أن يتحقق من أفكاره إلا تحت اختبار الأحداث التي يمكن أن تثبت تلك الأفكار أو تنفيها. ولقد أثبتت أحداث  HYPERLINK "http://www.e-socialists.net/node/6216" انهيار الاتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية صحة النظرية بشكل عملي. 

 

وفي، الحقيقة إذا كانت روسيا دولة اشتراكية أو أن أنظمة الحكم الستاليني دولاً عمالية، أو حتى دولاً عمالية منحطة أو مشوّهة بالبيروقراطية الحاكمة، فإن سقوط الستالينية إذن كان سيعني أن ثمة ثورة مضادة حدثت. بالتأكيد سوف يدافع العمال عن دولتهم العمالية بنفس الشراسة التي يدافعون بها عن نقاباتهم، مهما بدت بيروقراطية أو يمينية التوجه، ضد أولئك الذين يحاولون تحطيمها. فالعمال يدركون جيداً، من خلال خبرتهم اليومية المعتادة، أن نقابتهم، مهما بدت ضعيفة، تمثل خط دفاع أول لهم في مواجهة الاستغلال. العمال الذين يعملون في مصانع تحت مظلة نقابية بالتأكيد يتقاضون أجوراً أعلى وفي ظروف عمل أفضل، من زملائهم الذين ليس لديهم نقابة. 

 

لكن هل دافع العمال في أوروبا الشرقية وروسيا عن أنظمة الحكم عندما كانت تتهاوى في  HYPERLINK "http://www.e-socialists.net/node/4851" 89- 1991؟! إنهم لم يحاولوا حتى فعل ذلك. كان حجم العنف في كل المواجهات التي قامت أثناء انهيار تلك الانظمة أقل من حجم العنف الذي كان في إضراب واحد في بريطانيا، هو إضراب عمال المناجم في 84- 1985. البلد الوحيد الذي تم فيه استخدام العنف على نطاق أوسع كانت رومانيا، لكن العمال لم يدافعوا عن الدولة ويحمونها من الانهيار، بل كان البوليس السري لشاوشيسكو، الديكتاتور الروماني، هو من دافع عن الدولة. 

 

ثانياً، إذا كانت هناك ثورة مضادة هي التي أسقطت تلك الأنظمة، لكان أولئك الأشخاص الذين قبعوا على قمة المجتمع قد أُزاحوا من أماكنهم. لكن ما حدث أن نفس أولئك الناس الذين كانوا يديرون المجتمع والاقتصاد ويحددون السياسات في ظل النظم الستالينية، ظلوا كما هم على القمة حتى بعد انهيار تلك الأنظمة. إذن فلم تكن أحداث الأعوام 89- 1991 تمثل بالنسبة للحكام لا خطوة للأمام ولا خطوة للخلف، بل ببساطة خطوة تنقلهم إلى طريق موازي. 

 

وهكذا من الواضح أنه ليس هناك فارق جوهري بين نظم الحكم الستالينية وبين نظم الحكم الحالية في روسيا وأوروبا الشرقية. كل ما حدث أن الدولة قد تم استبدالها برجال الأعمال في إدارة عملية الاستغلال الاقتصادي، لكن في الحالتين النظام ببساطة: رأسمالي. 

 

ميلاد رأسمالية الدولة في روسيا 

 

استطاعت الطبقة العاملة في روسيا انتزاع السلطة خلال  HYPERLINK "http://www.e-socialists.net/node/1862" ثورة أكتوبر 1917، وقد كان تأثير هذه الثورة هائلاً على مستوى العالم كله، حيث قامت ثورات عمالية في ألمانيا والنمسا والمجر، كما صعدت الكثير من الأحزاب الشيوعية ونمت بقوة في فرنسا وإيطاليا كما في بلدان أخرى. كان لينين وتروتسكي مقتنعين تماماً أن مصير الثورة في روسيا يتوقف على انتصار الثورة في ألمانيا، ومن دونها، سوف يكون مصير الثورة الروسية هو الهلاك. 

 

ولقد هُزمت الثورة في ألمانيا (1918- 1923) بشكل مأساوي نتيجة لغياب حزب ثوري ذي كوادر منغمسة في النضال الجماهيري، يستطيع أن يقود الثورة لانتصار الطبقة العاملة. ومرة بعد مرة كنا نشهد ثورات عمالية حقيقية لكنها لا تنتهي بانتصار الطبقة العاملة نتيجة لغياب أحزاب ثورية حقيقية: اسبانيا وفرنسا 1936، إيطاليا وفرنسا 44- 1945، المجر 1956،  HYPERLINK "http://www.e-socialists.net/node/4387" فرنسا 1968،  HYPERLINK "http://www.e-socialists.net/node/4613" البرتغال 1974،  HYPERLINK "http://www.e-socialists.net/node/4718" إيران 1979، وبولندا 80- 1981. 

 

أدت هزيمة الثورة في ألمانيا عام 1923 إلى انتشار التشاؤم وإلى انتعاش التيار اليميني في روسيا. وفي نفس الوقت قاد ستالين حملة شعواء بشكل علني ضد تروتسكي، وقد ساعده في ذلك غياب لينين شبه التام عن الحياة السياسية، حيث كان راقداً على فراش الموت. بينما كان تحليل تروتسكي صحيحاً تماماً، فقد استنتج أن صعود الستالينية في روسيا كان نتيجة عزلة الثورة الروسية بعد هزيمة موجة الثورات في أوروبا من ناحية، وضغوط الرأسمالية العالمية من ناحية أخرى. وهكذا فإن تحليله بأن الدولة الستالينية في ذلك الوقت تمثل دولة عمالية منحطة، كان تحليلاً ملائماً. لكن الضغط الرهيب من الرأسمالية العالمية على تلك الدولة الحديثة قد غيّر طبيعتها تماماً. 

 

إذا هاجمني مثلاً كلب مسعور بعنف، سوف أضطر لأن استخدم العنف أيضاً للدفاع عن نفسي. بالتأكيد لا أملك أسنان حادة كالتي لديه، لكن يمكن أن استخدم عصا متينة لردعه. أما إذا قتلت الكلب بالعصا، سيكون عليّ أن ألقي العصا جانباً، أو إذا قتلني الكلب، فسيكف هو عن استخدام أسنانه ضدي. لكن ماذا لو لم أكن قوياً بما فيه الكفاية لقتل الكلب ولا الكلب بالقوة اللازمة لقتلي، وقد تم حجزنا في غرفة صغيرة لشهور طويلة؟! لن يفرّق حينها أحد بيني وبين الكلب. 

 

هوجمت السلطة السوفيتية بجيوش جرارة من ألمانيا وبريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا واليابان ورومانيا وفنلندا ولاتفيا وليتوانيا، وتركيا أيضاً. تلك الجيوش التي تعاونت مع الجيش الأبيض الروسي الذي قاد الثورة المضادة، لم تستطع هزيمة الجيش الأحمر الثوري في روسيا. وفي نفس الوقت لم تستطع الحكومة الثورية في روسيا إعداد الأحزاب الثورية للقضاء على الحكومات الرأسمالية. لذا دفع الضغط المتواصل للرأسمالية العالمية الحكم الستاليني كي يكون أكثر شبهاً للرأسمالية نفسها. كانت القوانين التي حكمت الاقتصاد والجيش الروسي مماثلة لتلك الموجودة في العالم الرأسمالي. 

 

في 1928 عندما أعلن ستالين أنه في خلال 15 أو 20 عاماً ستلحق روسيا بالدول الصناعية المتقدمة، كان ذلك يعني أنه كان على روسيا أن تنجز في عُمر جيل واحد ما أنجزته بريطانيا في مائة عام من الثورة الصناعية. في بريطانيا تطلب الأمر ثلاثة قرون لتقليص الاعتماد على الانتاج الزراعي ولتطور الرأسمالية، أما في روسيا فقد استغرق الأمر ثلاثة أعوام فقط من خلال ما سُمي بـ"التجميع القسري للفلاحين". 

 

عشرات الملايين من الفلاحين تم جمعهم بشكل قسري وإرسالهم للعمل في المزارع الجماعية لإنتاج أضخم كميات من الحبوب، لتبيعها الدولة في السوق العالمية وتشتري بثمنهم ماكينات حديثة لبناء الصناعة، وأيضاً من أجل إطعام ملايين العمال الصناعيين الجدد بأسعار رخيصة على الدولة. الملايين تم إرسالهم للعمل في معسكرات العبودية في سيبريا. إن فظائع التجميع القسري لستالين يذكرنا بتشبيه ماركس الشهير في المجلد الأول من كتاب رأس المال: "إن الرأسمالية، منذ ميلادها وحتى موتها، مغطاة بالطين والدم". 

 

إن استعباد العمال في روسيا يذكرنا أيضاً بدور العبودية في الولايات المتحدة التي سهلت انطلاق الرأسمالية الأمريكية، وأيضاً بدور تجارة العبيد في تطوير الرأسمالية في بريطانيا: "إن حوائط بريستول هي الأخرى مغطاة بدم العبيد".

 

حينما بنى ستالين امبراطوريته الصناعية والعسكرية العملاقة، كان عليه أن يبدأ من أرضية أضعف كثيراً من تلك التي يقف عليها أنداده في الغرب الرأسمالي. لم تكن القوة العسكرية الجبارة التي بناها ستالين تعكس بأي قدر تطور قوى الانتاج في روسيا، وأولاً وأخيراً لم يكن لدى الفلاحين في روسيا عام 1928 أي جرارات زراعية مثلاً، في حين أنهم كانوا يستخدمون محاريث خشبية عُرفت باسم "السوخا".

 

كما أن التصنيع في روسيا كان موجهاً لبناء صناعة ثقيلة لتكون قاعدة لانتاج السلاح. وهذا ما لاحظته بعناية عندما قارنت الأهداف الاقتصادية للخطط الخمسية الخمسة الأولى في روسيا (وللعلم بالشيء، لم يكن يجرؤ أحد أن يفعل ذلك في روسيا في ظل حكم ستالين).

 

بالنسبة للصناعة الثقيلة مثلاً، كان المستهدف في الخطة الخمسية الأولى انتاج 10.4 مليون طن من الصلب، وفي الخطة الخمسية الثانية 17 مليون طن، وفي الثالثة 28 مليون طن، وفي الرابعة 25.4 مليون فقط نتيجة للحرب، أما في الخطة الخمسية الخامسة فكان مستهدف أن يتم انتاج 44.2 مليون طن من الصلب. من الواضح هنا أم مؤشر انتاج الصلب يعلو بشكل سريع، ونفس الشيء كان بالنسبة للحديد المصبوب والكهرباء والفحم، إلخ. 

 

أما بالنسبة للسلع الاستهلاكية فإن الصورة مختلفى تماماً. منتجات الأقطان كان مستهدف أن يتم انتاج 4.7 مليون متر منها في الخطة الخمسية الأولى، وفي الخطة الخمسية الثانية 5.1 مليون متر، وفي الثالثة 4.9، وفي الرابعة 4.7 مليون متر. وهكذا فإنه خلال 20 عاماً لم يرتفع المستهدف من انتاج الأقطان إطلاقاً. وبالنسبة لمنتجات الصوف فإن الصورة تغدو أكثر كآبة: كانت الخطة الخمسية الأولى تهدف لزيادة الانتاج إلى 270 مليون متر من الصوف، أما الخطة الخمسية الثانية فاستهدفت 227 مليون متر، والثالثة 177 مليون متر، قلت في الرابعة كثيراً إلى 159 فقط. يبدو لنا واضحاً إذن أن المستهدف انتاجه قد هبط بنسبة 40%. 

 

صحيح أن روسيا كانت بارعة بحق في صناعة الصواريخ الفضائية، لكنها لم تكن كذلك في صناعة الأحذية أو الملابس، إلخ.

 

الرأسمالية محكومة بهدف واحد ألا وهو تراكم رأس المال. على شركة فورد أن تستثمر باستمرار وإلا سوف تهزمها جنرال موتورز بسهولة في السوق؛ فالمنافسة على الأرباح الرأسمالية تدفع كل منهما على الاستثمار المستمر وعلى المراكمة المستمرة في رأس المال. وبالتالي فإن نفس المنافسة على الأرباح الرأسمالية في السوق تدفع كل منهما لزيادة استغلال العمال لديهما. لذا فإن استغلال العمال هو الوجه الآخر من العملة للمنافسة بين الرأسماليين في السوق. 

 

نفس الشيء ينطبق على استغلال الدولة الستالينية للعمال والفلاحين في روسيا. وذلك الاستغلال القاسي كان بكل تأكيد نتيجة المنافسة الرأسمالية في روسيا والقوى الرأسمالية الأخرى، وعلى رأسهم ألمانيا النازية. 

 

منذ عام 1947 أقلعت تماماً عن إطلاق كلمة الاتحاد السوفيتي على روسيا الستالينية، فلقد كانت تلك كذبة كبيرة فلم تكن هناك أي سوفيتات في روسيا وقتها. في كل انتخابات كان هناك مرشح واحد عن كل دائرة انتخابية، وكان الحال بالمثل في ألمانيا النازية، ولم يكن ذلك المرشح يحصل على أقل من 99% ولا أكثر من 100% من الأصوات، فيما عدا مرة واحدة، حينما حصل ستالين في انتخابات عام 1947 على 140% من الأصوات (!!). وفي اليوم التالي أن "سكان الدوائر المجاورة قد أتوا وأعطوا أصواتهم بكل حماسة لستالين". من الطبيعي أن يتم إعلان نتائج الانتخابات بعد انتهاء التصويت، إلا أن ما حدث عام 1940 كان مختلفاً (!!). في الاقتراع العام الذي عقد حول انضمام لاتفيا وليتوانيا وأستوينا للاتحاد السوفيتي، أعلنت وكالة أنباء موسكو النتائج قبل انتهاء التصويت بيوم كامل، وبالتالي أعلنت جريدة لندن تايمز النتائج نقلاً عن وكالة أنباء موسكو. وكانت النتيجة المزورة طبعاً بالموافقة على الانضمام للسوفييت.

 

لا يجوز على الإطلاق أن نسمي امبراطورية ستالين بـ "اتحاد الجمهوريات السوفياتية الاشتراكية" كما كان يُطلق عليها عادةً. فالاتحاد يتم بشكل اختياري ولا يمكن أن يكون إجبارياً. ولم يكن هناك مثلاً أي اتحاد بين جورجيا وروسيا بنفس الدرجة التي لم يكن فيها اتحاد بين الهند وبريطانيا. كما أنها لم تكن جمهوريات بل أجهزة دول تمارس القمع والاضطهاد على الجماهير. كما أنه من الناحية العملية لم تكن هناك سوفيتات. ولم تكن بأي حال اشتراكية بل رأسمالية دولة ستالينية.

 

الانتقادات الموجهة لنظرية رأسمالية الدولة 

 

هناك ثلاثة انتقادات أساسية موجهة ضد نظرية رأسمالية الدولة. أولاً، أن الرأسمالية معروفة بالملكية الفردية الخاصة، أما في روسيا فكانت أدوات الإنتاج مملوكة من قبل الدولة وليس من قبل أشخاص. وثانياً أن الرأسمالية لا تعرف التخطيط الاقتصادي، أما الاقتصاد الروسي فكان مخططاً بدقة. أما ثالثاً، فإن ما كان يجب فعله في روسيا الستالينية هو ثورة سياسية لتغيير هيكل السلطة، فقط ثورة سياسية كافية لإصلاح الأمور. أما في ظل الرأسمالية فنحن نحتاج لثورة اجتماعية وليست سياسية فقط. 

 

سوف نتعامل في السطور القادمة مع كل من هذه الانتقادات على حدا. 

 

في 1847، كتب برودون، الفوضوي الفرنسي الشهير، في كتابه "فلسفة البؤس"، أن الرأسمالية "تعني الملكية الخاصة". وقد وجه ماركس نقد حاد لهذه الفكرة في كتابه السجالي مع برودون، "بؤس الفلسفة"، وقد وصف الملكية الخاصة بأنها معنى مجرد يحتاج إلى تحديد عندما نتحدث عنه في إطار الرأسمالية. فإذا كانت الملكية الخاصة تساوي الرأسمالية، إذن فإن الرأسمالية قد وجدت في المجتمع العبودي، لأنه كان هناك ملكية خاصة للعبيد، أو أنها قد وجدت في المجتمع الإقطاعي لأنه كان هناك ملكية خاصة للأرض. إذن فقد كانت فكرة برودون هشة وضعيفة، إذ أن الملكية الخاصة لا تستطيع وحدها تحديد نمط الانتاج، لكن شكل الملكية الخاصة يمكن أن يحدد أي نمط انتاجي يعيشه المجتمع، وبالتالي شكل المجتمع ذاته. 

 

إذا كانت الملكية الخاصة يمكن أن تنطبق على مجتمع العبيد ومجتمع الأقنان ومجتمع عمال الصناعة، إذن فالعبيد يمكن أن يكونوا ملكية خاصة أو ملكية دولة. العبيد قد بنوا الأهرامات في مصر القديمة، وأولئك العبيد لم يكونوا تابعين لمالك خاص، لكنهم كانوا ملكاً للفرعون –أي الدولة. وفي العصور الوسطى، كانت علاقات الانتاج السائدة بين الخدم والأقنان وبين السيد الإقطاعي الذي كان يمتلك الحقول، لكن أيضاً كان هناك خدم يعملون في ملكية الكنيسة، والكنائس لم تكن مملوكة لأشخاص. وكون أن الكنائس ليست ملكية خاصة لأحد، لم يخفف أعباء العمل على الخدم الذين كانوا يعملون لديها. 

 

هذا بخصوص الانتقاد الأول الذي يوجهه البعض لنظرية رأسمالية الدولة، فالمجتمع الطبقي لا يرادف الملكية الخاصة فقط، بل أنه قد يرادف ملكية للدولة أيضاً كما رأينا في العصور السابقة.

 

أما بخصوص الانتقاد الثاني الذي يقول أن في روسيا الستالينية كان هناك اقتصاد مخطط، أما الرأسمالية فلا تعرف التخطيط الاقتصادي، فهذا الانتقاد غير صائب هو الآخر. 

 

إن السمة العامة للرأسمالية هي التخطيط الدقيق على مستوى كل وحدة انتاجية على حدا، في حين لا يوجد مثل هذا التخطيط بين الوحدات الانتاجية وبعضها. في أي مصنع من مصانع شركة فورد لا ينتجون مثلاً موتورين أو ثلاث عجلات لكل سيارة، لكن هناك تخطيط مركزي لإنتاج الموتورات والعجلات، إلخ. هناك إذن تخطيط في شركة فورد بكل مصانعها. لكن هناك فوضى هائلة فيما بين فورد وجنرال موتورز. صحيح أن الاقتصاد في روسيا الستالينية كان مخططاً بدقة، لكن لم يكن هناك أي درجة من التخطيط بين الاقتصاد الروسي والاقتصاد الألماني، على سبيل المثال. 

 

الانتقاد الثالث الذي يميز بين الثورة السياسية والثورة الاجتماعية، قائلاً بأن روسيا الستالينية كانت بحاجة "فقط لثورة سياسية" لإصلاح الحكم، ذلك الانتقاد يغدو تافهاً عندما تكون الدولة نفسها هي صاحبة الثروة كما كان الحال في روسيا الستالينية. 

 

في فرنسا 1830، كانت هناك ثورة سياسية أطاحت بالحكم الملكي وأسست الجمهورية. لكن ذلك لم يعن أي تغيير في البنية الاجتماعية للمجتمع، إذ أن ملاك الثروة كانوا الرأسماليين وليس الدولة. لكن حينما تحوذ الدولة الثروة الاجتماعية، فإن الاستيلاء على السلطة السياسية من الحكام يعني الاستيلاء على سلطتهم الاقتصادية، لذا ليس هناك فاصلاً في هذه الحالة بين الثورة السياسية والثورة الاجتماعية. 

 

الستالينية أجهضت حركة الطبقة العاملة العالمية 

 

بمجرد أن استولى ستالين على السلطة في الحكومة الروسية، بدأت محاولاته بشكل جدي لتسخير الأحزاب الشيوعية في كل مكان في العالم في خدمة سياسة روسيا الخارجية. وسنضرب في السطور القادمة القليل من الأمثلة على ذلك.

 

عندما كان هتلر يتقدم نحو السلطة في ألمانيا، دعا تروتسكي بناء جبهة متحدة لكافة التنظيمات العمالية، وبالأساس الحزب الشيوعي والحزب الاشتراكي الديمقراطي الألمانيين، لمواجهة الزحف النازي. أما ستالين، فقد اعتبر أن الاشتراكيين الديمقراطيين هم "اشتراكيين فاشيين"، وفرض عدم العمل المشترك معهم. كما وصف تروتسكي نفسه بالفاشية. 

 

وبعد عامين من انتصار هتلر، أتى رئيس الوزراء اليميني لفرنسا إلى موسكو ووقع اتفاقية تحالف بين فرنسا وروسيا. وفي هذه الأثناء كانت هناك نبرة جديدة من موسكو موجهة للشيوعيين الفرنسيين: يجب أن نؤيد فرنسا الديمقراطية وحكومتها الحرة. وهكذا صوّت هؤلاء الشيوعيون على الميزانية العسكرية التي عرضتها الحكومة في البرلمان. 

 

وفي أغسطس 1939 بعد التحالف بين ستالين وهتلر، فيما عُرف باتفاقية فرساي، أخذت الأحزاب الشيوعية انعطافة جديدة في سياساتها. وعندما احتلت ألمانيا القسم الغربي لبولندا واحتلت روسيا القسم الشرقي لها، صرح مولوتوف، وزير الخارجية الروسي ما يلي "طلقة واحدة من الشرق وطلقة أخرى من الغرب وستنتهي اتفاقية فرساي البغيضة إلى لا شيء". لكنه لم يضف أن هذا يعني الحرب في بولندا، وأن تلك الحرب كانت تعني أن ثلاثة ملايين يهودي وملايين البولنديين "انتهوا أيضاً إلى لا شيء".

 

لن أنسى أبداً افتتاحية جريدة البرافدا الروسية في الأول من مايو لعام 1940، التي كانت تتحدث عن الأمم محبي السلام، السوفيتية والألمانية. وكانت الجريدة تعني ألمانيا تحت حكم هتلر. وعندما قام هتلر بغزو ألمانيا في يونيو 1941، تغيرت سياسة الأحزاب الستالينية بشكل جذري، ورفعت جريدة البرافدا شعارها الشهير الذي كررته كثيراً وقت الحرب: "الألماني الجيد هو الألماني الميت". في 1943 قرأت قصة قصيرة في جريدة البرافدا كتبها إليا إيرنبرج، حيث كان يصف جندي ألماني يستسلم رافعاً يديه لأعلى في مواجهة جندي سوفيتي، حينها قال الألماني "أنا ابن حدّاد"، ماذا كان رد فعل الجندي الروسي إذن؟ يروي إيرنبرج أن الجندي الروسي قد رد قائلاً "انت لازلت ألماني دموي" وطعنه حتى الموت. 

 

سأتذكر هنا موقف شخصي آخر. بعد شهرين فقط من بداية الحرب العالمية الثانية، تم القبض عليّ، وكان الأمين العام للحزب الشيوعي الفلسطيني هو زميلي في نفس الزنزانة. كان في البداية يظن أن تلك الحرب هي حرب ضد  HYPERLINK "http://www.e-socialists.net/node/3673" الفاشية، لذلك قرر أن يتطوع في الجيش البريطاني. وبعد ذلك جاء الرد عليه متأخراً بقبول تطوعه في الجيش، حينها كان الرجل قد أدرك أن الحرب ليست ضد الفاشية كما كان يظن سابقاً، لذلك رفض مغادرة السجن للتطوع في جيش بريطانيا. لقد كان الحزب الشيوعي الفلسطيني يعاني تخبط سياسي حاد، ويمكننا أن نلاحظ ذلك بسهولة عندما نرى أن في شارع واحد في مدينة حيفا مكتوب على إحدى الحوائط "عاشت الحرب ضد الفاشية"، وعلى الحائط المقابل "تسقط الحرب الإمبريالية"، والشعاران موقعان باسم الحزب الشيوعي الفلسطيني. وعندما غزى النازيين روسيا في 1941، تبنى الحزب الشيوعي الفلسطيني شعاره الشهير "يسقط هتلر وحليفه السري تشرشل"، وبعد ذلك بفترة قصيرة جداً ظهر شعار آخر مختلف تماماً "عاش الجيش الأحمر وحليفه الجيش البريطاني". الغريب أن كل تلك الشعارات المتناقضة يرفعها نفس الحزب تعليقاً على نفس الحرب. 

 

مع اقتراب نهاية الحرب، وعندما كانت الموجة الثورية في أوروبا هائلة، عملت الأحزاب الشيوعية في أوروبا على تنفيذ سياسات موسكو وإخماد نيران الثورات. في أغسطس 1940، عندما تمكنت المقاومة العمالية المسلحة، بقيادة الحزب الشيوعي الفرنسي، من طرد الغزاة النازيين من باريس، عاد موريس توريز، السكرتير العام للحزب الشيوعي، من موسكو، وأعلن في باريس أنه يجب الحفاظ على "جيش واحد، بوليس واحد، ودولة واحدة". وهكذا تم نزع سلاح المقاومة العمالية. 

 

في إيطاليا، كانت حركة المقاومة بقيادة الحزب الشيوعي أيضاً، وكان هدفها كسر قبضة موسوليني في الحكم. ومن ثم عاد توجلياتي، السكرتير العام للحزب الشيوعي الإيطالي من موسكو، ليعلن تأييد الحزب لحكومة حلفاء الملك الذي كان قد تعاون مع موسوليني نفسه، وتأييد جنرالات الجيش، الذين كانوا أصدقاء لموسوليني نفسه أيضاً.

 

يمكننا أن نضرب في نفس السياق أمثلة كثيرة جداً عن خيانة الأحزاب الستالينية للثورة في بلدانهم. كان الفرصة الثورية التي تولدت مع نهاية الحرب العالمية الثانية، أضخم بكثير من تلك التي كانت مع نهاية الحرب العالمية الأولى، بينما لعبت الأحزاب الستالينية دوراً حاسماً في إجهاض تلك الفرصة مرة بعد أخرى، ومنعت الإمكانية من أن تبدو حقيقة. 

 

أهمية نظرية رأسمالية الدولة 

 

لأكثر من 60 سنة كانت تلك الأحزاب الستالينية تحظى بتأييد جبار في حركة الطبقة العاملة العالمية، ولقد دفعت الاشتراكية الثورية التروتسكية إلى هامش الصراع الطبقي. لكن الآن، ومع سقوط الحكم الستاليني في روسيا، تغيرت الكثير من الأمور. 

 

في فبراير 1990، سُئل إريك هوبسبام، معلم الحزب الشيوعي البريطاني، عن رأيه فيما يُقال حول أن "العمال قد أسقطوا دولة العمال في الاتحاد السوفيتي". جاء رد هوبسبام كالتالي: "من الواضح أنها لم تكن دولة عمال. لم يصدق أحد في الاتحاد السوفيتي أنها دولة عمالية. والعمال أنفسهم لم يعتقدوا يوماً أنها دولتهم". تخيلوا إذا كان هوبسبام قد أخبرنا بذلك قبل انهيار الاتحاد السوفيتي بـ50 أو حتى 20 عاماً (!!)

 

إن التحول الحاد في رأي الحزب الشيوعي البريطاني يمكن أن نلاحظه بوضوح في اجتماعات اللجنة التنفيذية للحزب وقت انهيار الاتحاد السوفيتي. قالت نينا تمبل، السكرتير العام للحزب، في إحدى تلك الاجتماعات "أظن أن تحليل حزب العمال الاشتراكي حول طبيعة الدولة في روسيا، كان صائباً، لقد كان التروتسكيون محقين في أنه لا توجد اشتراكية في أوروبا الشرقية. وأظن أننا كان لابد أن نقول ذلك منذ زمن طويل".

 

إن التصريح السابق لنينا تمبل يشبه كثيراً إذا صرح البابا في يوم من الأيام أن الرب ليس له وجود، كيف سيستمر عمل الكنيسة الكاثوليكية في مثل هذه الحالة؟! 

 

كانت الفوضى التي سادت في الأحزاب الستالينية في ذلك الوقت عارمة. أما أولئك الذين استنتجوا، منذ زمن طويل قبل انهيار الاتحاد السوفيتي، أن النظام الاقتصادي في روسيا لا يمثل الاشتراكية بل رأسمالية الدولة، لقد بنى هؤلاء جسراً يعبر بهم إلى المستقبل حاملين معهم التراث الأصيل للماركسية، تراث الاشتراكية من أسفل الذي حافظوا عليه من الانحرافات الأيديولوجية طيلة سنين عديدة.

 

كانت الأحزاب الستالينية تحظى بتأييد هائلن وقد استطاعت لفترات طويلة التأثير في قطاعات واسعة من الجماهير، كما أنها أثرت حتى على أولئك الاشتراكيين الذين لم يعتبروا أنفسهم ستالينيين أو الذين اعتبروا أنفسهم معادين للستالينية. لقد اعتبرت تلك الأحزاب ستالين كوريث شرعي للثورة الروسية وليس حافر قبرها. 

 

 

 

 

 

 

Repost 0
Published by تيار اليسار الثوري في سوريا
commenter cet article
26 janvier 2013 6 26 /01 /janvier /2013 19:22

 

 

 

عصر الثورة 

الماركسية في الألفية الجديدة 

 

توني كليف 

 

ترجمة: أشرف عمر 

 

 

مركز الدراسات الاشتراكية 

 

 

 

 

 

تعريف بالمؤلف

 

وُلد توني كليف في فلسطين في عام 1917، ذلك العام الذي اندلعت فيه الثورة الروسية. في الثلاثنيات تبنى كليف الاشتراكية الثورية وأصبح من أتباع ليون تروتسكي، وبعد العمل لبناء مجموعة ثورية صغيرة في فلسطين، سافر توني كليف إلى بريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية. انتقد توني كليف التروتسكية الأرثوذكسية بعد دراساته العميقة للاتحاد السوفيتي ودول الكتلة الشرقية، حيث توصل لاستنتاج هام مفاده أن الأنظمة الحاكمة في تلك الدول ليست أنظمة عمالية بيروقراطية كما كان يعتقد التروتسكيين الأرثوذكس، بل أنظمة رأسمالية الدولة.

 

وفي بريطانيا، أسس كليف مجموعة لتحرير مجلة الاشتراكي، التي أصبحت في الستينات "مجموعة الاشتراكيين الأمميين"، وتحولت إلى حزب العمال الاشتراكي في السبعينات. لتوني كليف العديد من المؤلفات الهامة، منها كتاب من ثلاث مجلدات عن السيرة الذاتية للثوري الروسي فلاديمير لينين، وآخر من أربع مجلدات عن سيرة ليون تروتسكي. فضلاً عن كتب أخرى مثل "التروتسكية بعد تروتسكي"، و"رأسمالية الدولة في روسيا" الذي تم ترجمته إلى اللغة العربية وقام مركز الدراسات الاشتراكية بإصداره. 

 

وقد توفى كليف في أبريل 2000، بعد أن كتب سيرته الذاتية والتي نُشرت بعد وفاته بفترة قصيرة بعنوان "مازال هناك عالم لنكسبه: حياة ثوري".

 

يضم هذا الكتاب عدداً من المقالات التي كتبها توني كليف في العام الأخير من حياته للمنظمات الاشتراكية الثورية في ألمانيا وتركيا. 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مقدمة

عصر الثورة الجماهيرية

 

في مصر، كما في أنحاء متفرقة من العالم، نعيش اليوم عصراً جديداً من الثورات الجماهيرية الضخمة التي زلزلت عروشاً لم يكن يتخيل أحد أنها يمكن حتى أن تهتز. نعم فعلتها الجماهير في تونس ومصر، ويأتي الدور على بقية الأنظمة الديكتاتورية في المنطقة العربية وغيرها. فعلتها الجماهير العريضة بنفسها دون الحاجة إلى انقلابات جيوش أو قصور أو تحرر على يد أقلية متمردة على الطغيان. 

 

لكن الثورة ليست نزهة يمكن أن تنتهي في ليلة وضحاها أو حتى في عدة أسابيع؛ فالطبقة الحاكمة بكل ما تملكه من سلطة ونفوذ لا يمكن أن تختفي بالكامل أو تخور قواها أثناء زلازل الانتقاضات بسهولة أو في وقت قصير، بل يمكنها أن تصمد وسط العاصفة حتى مع الكثير من الخسائر. وفي الوقت الذي تستمر فيه الثورة وتتقدم كل يوم خطوة على الأرض، تحاول الطبقة الحاكمة باستماتة أن تنظم صفوفها جيداً من أجل شن الثورة المضادة، وهذا بالضبط ما نشهده اليوم. 

 

هذا الوضع المليء بالتعقيدات والتشابكات ما بين الثورة والثورة المضادة يمكن فهمه، وبالتالي التعامل معه، من أكثر من منظور. فمن أراد إزاحة الديكتاتور سيتجاهل الثورة المضادة أو سيقف عملياً في صفوفها، فما أراده قد تم تنفيذه بالفعل ولا حاجة للمزيد. ومن يريد تغيير النظام "السياسي" وتطهيره من الرموز الفاسدة القديمة سيسير في طريقه، ربما إلى النهاية، لكنه سيتجاهل صخب المطالب الاجتماعية للملايين التي تنادي بتغييرات أكثر جذرية. أما من يسعى لتغيير المنظومة السياسية والاقتصادية والاجتماعية القائمة سيسعى في القلب من الملايين لاستكمال الثورة ونسف النظام من قواعده. 

 

وما يحدث اليوم ليس جديداً أو مختلفاً عن ثورات التاريخ؛ ففي كل الثورات تنفجر حالة من الاستقطاب العنيف بين الأطراف المختلفة.. الطبقة الحاكمة تسعى للإجهاز على الثورة واستيعابها حتى وإن كان بتقديم المزيد من التنازلات أو بتقديم أكباش فداء.. والإصلاحيون الذين كانوا يسخرون من قدرة الجماهير على الثورة، يتحولون إلى محافظين يعترفون بالثورة وقيمها وإنجازاتها لكن يسعون للتهدئة والحفاظ على الأوضاع ما بعد الانتفاضة ويحاولون دوماً تحويل الثورة إلى مجرد أيقونة مفرغة من المضمون.. أما الجماهير الثورية فتحاول استكمال مسيرة الانتفاضة والبناء على ما حققته من مكاسب سياسية إلى الثورة الاجتماعية. 

 

وعلى مدار القرن السابق، تناولت النظرية الماركسية تاريخ الثورات بالفهم والتحليل والاستنتاج، وقد كان لثورات القرن التأثير الأكبر في تطوير النظرية الماركسية الثورية. إلا أن ما يسعى إليه الماركسيون الثوريون ليس ثورات تستبدل أولئك الذين يقبعون على قمة المنظومة السياسية والاقتصادية بآخرين، بل ثورات تغير المنظومة كاملةً بشكل جذري. 

 

وصحيح أن فصول هذا الكتاب قد كُتبت في بداية الألفية الجديدة، أي منذ أكثر من عشرة أعوام، إلا أن الأفكار التي تقدمها يطرحها قد فتحت الثورة الجماهيري أبواباً رحبة لطرحها. وبعد أن مرت عقود من الركود والموات في الحركة الجماهيرية في مصر والعالم.. عقود استطاعت خلالها الطبقات الحاكمة في العالم أن تثبّت أوضاعها وتوطد أوصال تحالفاتها ضد الشعوب وتلغي مفردات الثورة الجماهيرية من قاموسها. لكن الجماهير عادت لتفرض هذه المفردات أمراً واقعاً على الجميع. أما النظرية الماركسية الثورية فلم تمت حتى طوال عقود الموات تلك، بل ظلت حية يصونها المؤمنون بها والواثقون في قدرة الجماهير على صنع تحررهم الثوري بأيديهم. 

 

يقدم كتاب "الماركسية وعصر الثورة" مزيجاً من الأفكار النظرية والتحليلات وخبرة الثورات في التاريخ، حيث يمكننا القول بأنه يبني نسقاً فكرياً متجانساً ومبسطاً لأفكار لا تنفصل عن بعضها، بل لا يمكن فهم أو تناول إحداها إلا في سياق نظرية متطورة وحية بحياة الجماهير والثورة.. النظرية الماركسية الثورية. 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الأول

هل مازالت الماركسية حية؟!

 

في المدرسة نتعلم التاريخ كمجموعة من القصص القديمة حول الرجال العظماء: الملوك، الأباطرة، قادة الجيوش، إلخ. أتذكر جيداً حينما كانوا يخبروننا في المنهج الدراسي أن كليوباترا كانت تستحم باللبن، لكنهم لم يخبروننا أبداً من الذي أنتج ذلك اللبن أو كم من الأطفال المصريين عانوا سوء التغذية بسبب ندرة اللبن. كانوا يخبروننا عن نابليون حينما ذهب لغزو روسيا في 1812، لكن لم يخبرنا أحد كم من الفلاحين والجنود، الروس والفرنسيين الفقراء، قُتلوا في المعارك.

 

 HYPERLINK "http://www.e-socialists.net/node/3804" البيان الشيوعي يوضح –على العكس من تاريخ الطبقات الحاكمة ورجالها- أن العامل الأساسي في صنع التاريخ هو حركة الملايين من الجماهير: "إن تاريخ أي مجتمع حتى الآن ليس سوى تاريخ الصراعات الطبقية: حر وعبد، نبيل وعامي، بارون وقن، معلم وصانع. وبكلمة أخرى، ظالمون ومظلومون في تعارض دائم، خاضوا حرباً متواصلة، تارة معلنة وطوراً مستترة، حرباً كانت تنتهي في كل مرة إما بتحول ثوري للمجتمع كله، وإما بهلاك كلتا الطبقتين المتصارعتين".

 

كما أن  HYPERLINK "http://www.e-socialists.net/node/1618" الستالينية والاشتراكية الديمقراطية هم أيضاً يتناولون الأمور من أعلى. الأمر واضح بالنسبة للستالينيين، فكلما كان ستالين يعطس، كان كل عضو بالحزب الشيوعي يشهر منديله ليعطيه إياه (!!)

 

أما الاشتراكية الديمقراطية، فهي تبدو لوهلة وكأنها ديمقراطية حقاً. ولكنها في الحقيقة غارقة في النخبوية، فهي تقوم على فكرة أساسها أن الرجال والنساء العاديين عليهم فقط أن يدلوا بأصواتهم في الانتخابات البرلمانية مرة كل 4 أو 5 سنوات، وأن يتركوا بعد ذلك كل الأمور لمن انتخبوهم. تعالوا نتأمل الأمر: إذا قام المواطن بالتصويت عشر مرات في حياته، فإنه يقضي مثلاً 30 دقيقة من حياته في المشاركة في عملية الديمقراطية. يوضح آب لينكولن الأمر قائلاً: "لا يمكن للمجتمع أن يكون نصف حر نصف عبد". وهكذا فإن القادة الاشتراكيين الديمقراطيين يفترضوا أن على الجماهير أن تعيش العبودية طيلة حياتها، في مقابل 30 دقيقة فقط يمارسون فيها الديمقراطية.

 

تناقضات الرأسمالية

 

في ظل الرأسمالية، أولئك الذين لا يعملون، يملكون أدوات الإنتاج، وأولئك الذين يعملون لا يملكون شيئاً على الإطلاق، على الرغم من أن العمل في ظل الرأسمالية يتم بشكل اجتماعي؛ حيث تعمل أعداد ضخمة من العمال في أماكنهم (مصانع، مستشفيات، محطات، إلخ). يتم الإنتاج بالمشاركة الاجتماعية، لكن الملكية ليست كذلك؛ حيث تتركز في أيدي أفراد أوشركات رأسمالية كبيرة أو دول.

 

نلاحظ جيداً التنظيم والتخطيط والتنسيق الدقيق في كل وحدة إنتاجية. لكن في نفس الوقت ليس هناك أي درجة من التخطيط أو التنسيق بين الوحدات المختلفة من رأس المال ككل. في فولكس فاجن على سبيل المثال، ينتجون موتور واحد لكل سيارة، وهيكل واحد، وأربعة عجلات (وواحدة أخرى "استبن"). هناك تخطيط جيد بين أقسام الإنتاج المختلفة للسيارة، لكن ليس هناك أي درجة من التنسيق بين فولكس فاجن وجنرال موتورز. وهكذا فإن التخطيط والفوضى هم وجهان لعملة واحدة هي الرأسمالية.

 

من الأفضل هنا أن نضع الرأسمالية في السياق التاريخي، وأن نقارنها بالإقطاع الذي سبقها وبالاشتراكية التي سوف تليها.

 

في ظل الإقطاع، كان هناك إنتاج فردي وملكية فردية. أما في ظل الاشتراكية سوف يكون هناك إنتاج إجتماعي وملكية إجتماعية.

 

في ظل الإقطاع، كان الحديث عن تخطيط الاقتصاد غير معقول سواء على مستوى الوحدة الاقتصادية أوعلى مستوى الاقتصاد ككل. أما في الاشتراكية فإن سيكون على مستوى الوحدات الإنتاجية الصغيرة وعلى مستوى الاقتصاد ككل.

 

ولأن الرأسمالية يجتمع فيها كل من الانتاجية الضخمة بجانب الفوضى في عموم الاقتصاد، دائماً ما نواجه ظاهرة خطيرة وملازمة للرأسمالية حيث الفقر والحرمان في ظل الوفرة. على مدار آلاف السنين، قبل الرأسمالية، كان البشر يعيشون فقر مدقع ويموتون جوعاً لأنه لم يكن يوجد طعام يكفي الجميع. أما الرأسمالية فهي النظام الاقتصادي والاجتماعي الوحيد الذي يموت فيه الناس جوعاً  HYPERLINK "http://www.e-socialists.net/node/5707" لا بسبب ندرة الطعام لكن بسبب وفرته.

 

في الولايات المتحدة الأمريكية يتم صنع سفن خاصة لشحن الحبوب، بحيث تستطيع أن تفتح قاعها لإلقاء الحبوب وإغراقها في المحيط، وذلك للحفاظ على أسعارها من الانخفاض. 

 

الفقر بجانب الثروة يظهرون في أشكالهم القصوى في ظل الرأسمالية كما لم يسبق في التاريخ كله. يُذكر أن أن هناك 58 ملياردير فقط يملكون وحدهم ثروات تعادل دخول نصف البشر على كوكب الأرض، وهؤلاء البشر ليسوا فقط من الفقراء بل أيضاً من أولئك القادرين على العيش.

 

التنافس واستغلال العمال

 

في ظل الإقطاع، يقوم السيد الإقطاعي باستغلال واضطهاد عبيده وخدمه وفلاحيه في سبيل أن يعيش حياة مرفهة. هكذا يشرح ماركس الأمر: "إن حدود إستغلال الإقطاعي لخدمه وعبيده تنحصر بين جدران معدته". لكن ما يدفع فورد لاستغلال العمال ليس الاستهلاك الشخصي، فلو كان الأمر كذلك لكان عبء الرأسماليين أقل. فهناك 250 ألف عامل على مستوى العالم يعملون لدى فورد، وإذا كان كل منهم يؤخذ منه دولار واحد كفائض قيمة سيكون ذلك كافياً لكي يعيش ملاك شركة فورد. لكن ديناميات الاقتصاد أكبر وأعقد بكثير من ديناميات استهلاك أي شخص أومجموعة من الأشخاص؛ إذ أن الدافع الحقيقي للاستغلال ليس الاستهلاك الشخصي للرأسمالي وليس "جدران معدته".

 

للنجاة أثناء المنافسة مع جنرال موتورز وفورد، يجب تجديد وتحديث الميكنة في المصانع، كما يجب استثمار المزيد من رأس المال. والوجه الآخر من فوضى التنافس بين الرأسماليين هو الظروف القاسية والطغيان الذي يعيشه العمال في كل وحدة رأسمالية. 

 

طبيعة الدولة الرأسمالية 

 

في كل مكان يخبروننا أن الدولة فوق المجتمع وأن الدولة تمثل الأمة. لكن البيان الشيوعي –مرة أخرى على عكس كل ذلك- يرى أن الدولة هي مجرد سلاح في يد الطبقة الحاكمة: "الدولة ليست إلا جهاز لإدارة شئون ومصالح الطبقة البرجوازية ككل". 

 

وفي موضع آخر كتب ماركس أيضاً أن الدولة ليست إلا "رجال مسلحين دائمين مزودين بكل ما يلزمهم لآداء مهمتهم" –الجيش، الشرطة، المحاكم والسجون، إلخ. لقد أطلق ماركس على مهام الجيش "صناعة المذابح"، ليس هذا فحسب، بل أن تلك الصناعة تعتمد على الصناعة الحقيقية. بكلمات أخرى، إن ما يحدد قوى التدمير هي قوى الإنتاج نفسها. 

 

هكذا يسير الأمر على مر تاريخ المجتمعات الطبقية. في العصور الوسطى مثلاً، عندما كان الفلاح يمتلك حصان ومحراث خشبي، كان الفارس يمتلك حصان أقوى وسيف حديدي. وفي الحرب العالمية الأولى، عندما كان يتم إرسال ملايين من الناس إلى الجيش من أجل القتال، كان يتم إرسال ملايين آخرين للمصانع الحربية لإنتاج البنادق وطلقات الرصاص، إلخ. واليوم، عندما يضغط إصبع على الزر لإرسال ملايين الدولارات عبر حسابات البنوك، تستطيع ضغطة زر أيضاً إبادة 60 ألف إنسان كما حدث في هيروشيما. إن صناعة المذابح والصناعة الإنتاجية تتوائمان كما يتوائم القفاز في اليد، حتى الهيكل الاجتماعي للجيش (صانع المذابح) تتوافق تماماً مع هيكل المجتمع ذاته؛ فإذا كان الجيش لديه الجنرالات والضباط الكبار نزولاً إلى الجنود، فالأمر مماثل في المصنع؛ حيث يوجد المدير ورئيس العمال ومن ثم العمال أنفسهم. إنه نظام معين في التراتب لابد أن يتوازى مع مثيله. 

 

الثورة البروليتارية 

 

من أجل تحطيم الرأسمالية، يجب على الطبقة العاملة أن تستولي على السلطة السياسية. لكن، كما جادل ماركس من قبل، لا يمكن للعمال أن يستولوا على آلة الدولة ويديرونها كما هي؛ ذلك لأن الدولة الحالية لا تعكس سوى الهيكل الطبقي للمجتمع الرأسمالي. لذلك فإن على العمال أن يحطموا هيكل الدولة وأن يستبدلونه بدولة أخرى حيث لا يوجد جيش نظامي ولا بيروقراطية تتحكم في مقدرات الأمور، وحيث يتم انتخاب كافة المسئولين ويصبح بالإمكان عزلهم بسهولة، وحيث لا يمكن لأي نائب أو ممثل للعمال أن يتقاضى أجراً أكثر من متوسط أجر العامل العادي. توصل ماركس لهذه الاستنتاجات بعد ما شهده في  HYPERLINK "http://www.e-socialists.net/node/2975" كوميونة باريس 1871 التي أنجز فيها العمال كل ذلك. وحتى من قبل الكوميونة، كتب ماركس في البيان الشيوعي: "حتى الآن، كانت كل الحركات في التاريخ إما حركات الأقلية أو حركات لمصلحة الأقليات. أما الحركة البروليتارية فهي الحركة المستقلة والواعية والقائمة بذاتها للأغلبية الساحقة في سبيل الأغلبية الساحقة".

 

لقد أوضح ماركس لماذا نحتاج ثورة: الطبقة الحاكمة لن تتخلى عن السلطة والثروة إلا إذا أُجبِرَت على ذلك بالقوة، والطبقة العاملة لن تتخلص من "وحل القرون السابقة" بدون ثورة حقيقية.

 

لكن الرأسمالية لها تأثيران متناقضان على العمال، فهي من ناحية، توحد مصالح العمال، ومن ناحية أخرى تخلق الانقسامات بينهم. التنافس على الوظائف، على السكن المناسب أوعلى الترقيات، إلخ، كل ذلك يبعثر صفوف العمال. بينما النضال ضد رؤساء وملاك العمل هو ما يوحدهم، وتصل هذه الوحدة إلى أقصاها في الإضرابات العامة للجماهير العمالية. لكن الثورة لا يمكن أن تحدث بسهولة بين ليلة وضحاها؛ فالثورة عملية طويلة من الإضرابات والمظاهرات والنضالات المختلفة التي تتوج في النهاية باستيلاء العمال على السلطة. 

 

إن السمة الأكثر أهمية للثورة تتجلى في التغيرات الفكرية والنفسية في صفوف الطبقة العاملة. الجماهير في روسيا تقدم لنا مثالاً هاماً للتدليل على ذلك، حيث كان اليهود، في ظل سيطرة القيصرية على روسيا، مضطهدين بكل قسوة وعنف. كان القيصر يدبر لهم حملات تطهير منظمة، ولم يكن لهم الحق في العيش في أي من العاصمتين (موسكو وبتروجراد) بدون تصريحات يصعب الحصول عليها، كما كان يتم التمييز ضدهم في السكن والتعليم، إلخ. وبشكل عام كان اليهود مكروهين من باقي سكان روسيا القيصرية. 

 

تعالوا نتأمل ماذا حدث عندما قامت الثورة الروسية في 1917. لقد تحولت أفكار الروس بشكل جذري تجاه اليهود وذابت الانقسامات بين اليهود وبين بقية الروس، حتى أنه تم انتخاب ليون تروسكي في منصب رئيس سوفييت بتروجراد، وبعد ذلك كقائد للجيش الأحمر. وكامينيف كرئيس لسوفييت موسكو، كما تم انتخاب سفيردلوف رئيساً للجمهورية السوفيتية. وكل هؤلاء الثوريين منحدرين من أصول يهودية.

 

سنضرب مثالاً آخر، من الثورة الروسية، على التحولات الفكرية لدى الجماهير. خلال شهر أكتوبر الذي انتصرت فيه الثورة، كان الثوري الروسي لوناتشارسكي يعقد لقاءات جماهيرية يحضرها 30 أو 40 ألف شخص لمدة ساعتين أو ثلاثة ساعات، للحديث حول مواضيع مثل الأدب عند وليام شكسبير، أو الدراما الإغريقية، إلخ. 

 

لقد لخص لينين الشروط الواجب توافرها من أجل قيام وانتصار ثورة عمالية يمكنها أن تصنع مثل هذه التحولات في البشر: 

 

الأزمة العميقة التي تشمل المجتمع بأسره.

حالة السخط لدى الطبقة العاملة التي لا ترضى بالعيش بهذه الطريقة.

حالة من فقدان الثقة لدى الطبقة الحاكمة في قدرتها على الاستمرار في السيطرة على المجتمع، ومن ثم الانقسام والصراع في صفوفها حول طريق الخروج من الأزمة.

وأخيراً وجود حزب ثوري يستطيع قيادة الطبقة العاملة إلى النصر.

 

الاشتراكية أو الفاشية

 

لقد أشرنا من قبل إلى مقولة ماركس في البيان الشيوعي حيث كان يشرح أن النضال الطبقي قد ينتهي "إما بتحول ثوري للمجتمع وإما بهلاك كلتا الطبقتين المتصارعتين". لقد توصل ماركس لهذا الاستنتاج على أساس خبرة سقوط المجتمع الروماني العبودي. لقد هُزم سبارتاكوس، ولم يستطع العبيد تنظيم أنفسهم للإطاحة بطبقة مالكي العبيد. إلا أن المجتمع العبودي قد سقط أيضاً. اختفى العبيد وحل محلهم الأقنان، وكذلك مالكي العبيد الذين حل السادة الإقطاعيين محلهم. 

 

استطاع إنجلز أن يضع صياغة أخرى لنفس الفكرة حين تحدث عن احتمالات مستقبل البشرية "إما الاشتراكية أو البربرية". واستطاعت روزا لكسمبرج تطوير الفكرة إلى أبعد من ذلك، في حين أنها لم ترى بربرية وهمجية في العالم بالقدر الذي نراه اليوم. إنجلز توفى في 1895، أما روزا فقد أغتيلت في يناير 1919، ولم يشهد أي منهما القتل في غرف الغاز، ولا الإبادة التي تمت في هيروشيما وناجازاكي، ولم يسمعوا عن مجاعات أفريقيا. لم يشهدوا أي من تلك المظاهر البشعة للبربرية. 

 

عندما كان النازيون على أعتاب السلطة في ألمانيا، كان قادة الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني يظنون أن الوضع الراهن أفضل بكثير من النازيين وأن عليهم أن يحافظوا على هذا الوضع لكي يواجهوا الصعود النازي. وهكذا قاموا بالتصويت في صالح السياسي المحافظ فيدل مارشال هايدنبرج ليصبح رئيساً للبلاد، لمجرد أنه ليس نازياً. لكن هايدنبرج استدعى هتلر، في 30 يناير 1933، ليصبح رئيساً للوزراء. 

 

الفاشية ببساطة هي حركة تعبر عن اليأس من تغيير المجتمع، بينما الاشتراكية تعبر عن الأمل في ذلك. ولذلك فإن النضال ضد الفاشية لا يستلزم النضال ضد الفاشيين وحسب، بل أيضاً النضال ضد كافة الظروف التي تقود المجتمع إلى اليأس من التغيير. من البديهي أن تطهر منزلك من الفئران، لكن يجب أيضاً أن تطهر البالوعات التي تتكاثر فيها تلك الفئران. يجب علينا النضال ضد الفاشيين، لكن يجب أيضاً النضال ضد الرأسمالية نفسها؛ فهي التي تصنع كل تلك الظروف التي تغذي الفاشية، حيث البطالة والفقر والحرمان من الخدمات والأمان الاجتماعي، إلخ. 

 

أكثر حيوية بما لا يُقاس

 

تعاني الرأسمالية اليوم تناقضات أعمق بكثير من تلك التي عاشتها حين مات ماركس في 1883. تلك التناقضات تتجلى في الأزمات الدورية العميقة، وفي الحروب التي تجتاح العالم، إلخ. وعلى الجانب الآخر أصبحت الطبقة العاملة أقوى بكثير مما كانت عليه في 1883. ومن الطريف أن نذكر أن حجم الطبقة العاملة في كوريا الجنوبية وحدها أكبر من حجمها في العالم كله حينما مات ماركس، مع العلم بأن اقتصاد كوريا الجنوبية يحتل المرتبة رقم 11 بين دول العالم. أضف إلى ذلك العمال في أمريكا وروسيا واليابان وألمانيا وبريطانيا، إلخ. وهذا لا يعني سوى أن الإمكانية والفرصة أمام تحقق الاشتراكية أعلى بكثير مما سبق. 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الثاني

لماذا نحتاج الحزب الثوري؟!

 

الطبقة العاملة هي طبقة ذات نزوع ثوري وكما يراها ماركس هي الوحيدة التي تمتلك القدرة على القيام بالثورة غير أن العمال لا يؤمنون بهذه القدرة لديهم بل ولا يحسنون الظن بطبقتهم ككل بوصفها طبقة ثورية.  

لو كان العمال مدركين لهذه القوة الكامنة داخلهم لكان الأمر في غاية السهولة فيما يتعلق بدور الاشتراكيين تجاههم، غير أن الحقيقة القائلة بان الأفكار السائدة في أي مجتمع هي الأفكار التي تبثها الطبقة الحاكمة تؤدى بان يسجن العمال كل ما يختلف من أفكار داخل رؤوسهم.

البعض (هم عادة أقلية صغيرة نسبيا) يقدس كل القيم الرأسمالية فتراهم يدافعون بشدة عن تقسيم البشر بين أناس ولدوا ليحكموا بينما آخرون ولدوا ليشغلوا منصب المحكومين، وهكذا فهم مؤمنون بكل أمراض المجتمع الرأسمالي من تصنيف الناس على أساس الجنس أو العرق أو القومية.

والبعض الآخر وهم أقلية لا تزيد كثيرا عن سابقتها يرفضون الرؤية السائدة للعالم تلك التي تكرسها وسائل الإعلام ونظام التعليم وكل المؤسسات الأخرى في المجتمع الرأسمالي، وهم بدلا من ذلك يحاولون تطوير تصور مختلف يقاوم هذه الأفكار ويقدم منظورا بديلا يتبدى من خلال العالم بشكل مغاير.

أما الأغلبية العظمى من العمال فهم معظم الأحيان لا يتبعون أيا من هذه الرؤى فتراهم  في الوقت الذي يرفضون فيه بعضا من أفكار الطبقة الحاكمة فإنهم يسلمون بالبعض الآخر، انهم ينحازون لشكل المجتمع كما هو ولكنهم في الوقت نفسه يرغبون التخفيف من بشاعته.

هذا الخليط من الأفكار يعطى انطباعاً بأنه بالرغم من أن الطبقة العاملة هي طبقة ذات توجهات ثورية محتملة فإن هناك فجوة كبيرة بين ما هو محتمل وما هو قائم بالفعل.

موقع العمال في المجتمع الرأسمالي (كطبقة مستغلة لا تملك إلا القليل من أمر معيشتها وتشعر بالاغتراب عن ما تنتجه) يقودهم إلى الإيمان بأنه لا يمكنهم تغيير ظروفهم إلا في أضيق الحدود، وفى الوقت الذي يؤهلهم فيه موقعهم لأن يكونوا منظمين بصورة جماعية من خلال النقابات العمالية والأحزاب السياسية للطبقة العاملة فإن قوة التنظيم الجماعي والعمل الجماعي ليست واضحة بالنسبة لهم.

والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة الآن هو كيف يمكن للاشتراكيين التغلب على ذلك؟ كيف يمكن للعمال التحول من السلبية والمشاركة بفعالية في تحرير أنفسهم؟ كيف يمكن للعمال أن يدركوا حقيقة انهم قادرين على التغيير كطبقة؟

إن التاريخ قد بين في أكثر من مناسبة أن العمال عند ولادة الثورة يتحركون بشكل عفوي ويتشكل الوعي لديهم كطبقة، وأشارت دروس التاريخ أيضا إلى أن العمال في حاجة دائمة إلى نظرية ثورية وإلى منظمة تتولى مهمة تخطيط الطريق لهم منذ البدايات الأولى للثورة حتى تصبح لديهم القدرة على تأسيس دولتهم العمالية الخالية من الاستغلال والقائمة على الإنتاج من اجل إشباع الحاجات، ومن هنا فمهمة الحزب الثوري تتمثل في إمداد العمال بكل من النظرية والتنظيم.

أنواع الأحزاب المختلفة 

 

الحزب الثوري يختلف تماما عن غيره من الأحزاب العمالية الأخرى في نواحي كثيرة، أهمها بالطبع هو أن الحزب العمالي الثوري يهدف إلى إسقاط الرأسمالية بالإضافة إلى انه مدرك للاختلاف في مستوى الوعي الطبقي لدى العمال هو ما يعتبر جوهر العملية التنظيمية له.

ويعد من الأمور الحاسمة أن حزب العمال الثوري مبنى بالأساس على الأقلية النشطة داخل الطبقة العاملة والتي ترغب في النضال ضد النظام، حتمية هذه الفكرة تكمن في أن أقلية فقط من العمال ينغمسون بشكل مباشر في الصراع، هذه الأقلية يتراوح عددها بين مئات الآلاف أو الملايين في إضراب عام أو أعداد ضئيلة في إضراب بمصنع ولكن بدون مجموعة ثورية تنظم حركة هؤلاء العمال المتعطشون للكفاح كل جهودهم ستضيع هباء بلا طائل.

كثير من الناس "خاصة هؤلاء المنتمين للأحزاب التي تسمى نفسها عمالية مثل حزب العمال البريطاني" يجدون أن الحزب الثوري هو ظاهرة غير مفهومة ومن ثم فانهم يتناقشون حول لماذا لا يكون الحزب الثوري جزءا من الحزب الكبير الذي يضم كل العمال؟!!.

إن نظرة متأنية لحزب العمال البريطاني على سبيل المثال تكشف خطأ مثل هذا الطرح، فهذا الحزب يعد ممثلا لكل العمال على اختلاف أفكارهم ونظرا لوجود التفاوت في الطبقة العاملة في ظل الرأسمالية فان تمثيل الطبقة بشكل عام يعنى تمثيل هؤلاء المقتنعين بأفكار الطبقة الحاكمة تماما كهؤلاء الرافضين لأفكارها.

هذا ما يجعل حزب العمال دائما (كمعبد فسيح) يضم بين أروقته العنصريين، وأيضاً يضم هؤلاء الذين يرفعون شعارات ضد العنصرية. ورغم أن ذلك قد يجعل منه منظمة ضخمة إلا أنها تكون زيادة كمية غير قادرة على النضال من أجل مصالح أعضاء الحزب، نظراً لأنها لا غير موحدة على فكرة واحدة، بل أفكار متناقضة في أحيان كثيرة.

بشكل عملي يعنى ذلك أيضا أن حزب من هذا النوع لا يمثل في الواقع الطبقة العاملة ككل على الإطلاق بل هو يتواطأ لصالح الصفوف الخلفية للعمال ولا يعمل من اجل كل أو حتى معظم صراعات الطبقة العاملة فهذه الصراعات عادة ما تبدأ خارج حزب العمال وهى في أحيان قليلة ما يتم تأييدها بشكل فردى من قبل أعضاء الحزب الذين لا يلقون سوى التأييد السلبي من الحزب نفسه.

على النقيض من ذلك فان الحزب الثوري الحقيقي دائما ما يطالب أعضائه بالعمل على تشجيع وتوسيع مستوى الصراع الطبقي بشكل إيجابي الأمر الذي يتطلب وجود نظرية تستخلص الخبرات النضالية السابقة للطبقة لكي تكون بمثابة المرشد للعمل المستقبلي.

مثل هذا الحزب يجب أن تمتد جذوره داخل الطبقة العاملة بوصفه حزب طليعي بمعنى انه يدفع بأفضل الكوادر وأفضل الخبرات معا داخل الطبقة.

على الثوريين أن يناضلوا من اجل أفكارهم من خلال نشاطهم، لذا فعليهم أن يقاوموا النظام القائم عن طريق الإضرابات والاحتجاجات والمساجلات من يوم لآخر، ذلك لأن الحزب الثوري هو منظمة مقاتلين قادرين على العمل معا بهدف الوصول لأقصى تأثير سواء في أماكن عملهم أو في أي مكان آخر. بالإضافة إلى ذلك فالحزب الثوري عليه أن يكون بمثابة "ذاكرة الطبقة العاملة" أي المكان الذي يناقش فيه تاريخ الحركة العمالية وتُعلم فيه الدروس النضالية. 

ما هي الخبرة النضالية ؟

 

  نهض العمال في كل عقد من عقود هذا القرن لتحدى النظام ككل. في الأعوام ما بين 1917 و1923 حاول ملايين العمال في روسيا والمجر وإيطاليا امتلاك زمام معيشتهم عن طريق التحكم في وسائل الإنتاج في المجتمع، لقد نظموا المجالس العمالية وسيطروا على مصانعهم واسقطوا النظام القديم، وفى أواخر العشرينات ثار العمال الصينيين ضد حكامهم، واشتعلت الحرب الأهلية في أسبانيا 1936- 1939 عندما قام العمال وفقراء الريف بالتصدي لمحاولة الانقلاب اليميني وقرروا السيطرة على المجتمع وتسييره لصالحهم.

بعد الحرب العالمية الثانية حوّل العمال في إيطاليا واليونان القتال ضد الاحتلال النازي إلى قتال من اجل العدل والمساواة، والعقود التي تلت تلك الفترة مرت بها العديد من اللحظات الثورية، فلقد شهدنا نضالات من أول حركات التحرر الوطني ضد المستعمر السابق كما حدث في فيتنام حتى الكفاح ضد الستالينية في المجر، وأيضاً نضالات باريس في مايو 1968، والثورة البرتغالية 75- 1976، ومنذ وقت ليس ببعيد شهدنا خبرة سلطة العمال في القرى على اختلافها كما حدث في بولندا وإيران، طوال هذه الفترة مرة واحدة فقط نجحت ثورة العمال في تولى السلطة في ثورة أكتوبر 1917 في روسيا. 

هذا التباين الحاد في النتائج لم يعتمد على ظروف تاريخية أو قومية خاصة، على العكس من ذلك فقد نبع من قدرة الحزب الروسي الثوري (حزب لينين البلشفي) على قيادة الطبقة العاملة على طريق تولى السلطة. في بداية 1917 كان الحزب البلشفي حزب أقلية ضئيلة داخل الطبقة العاملة أما بين السكان ككل (الذي كان أغلبهم من الفلاحين) فقد كان أقلية أصغر، وعندما نهض عمال بتروجراد في ثورة فبراير فاجئوا البلاشفة تماما، الثورة في البداية لم يكن هدفها حصول العمال على السلطة بل كانت موجهة لمطالب اكثر محدودية مثل القضاء على  الأوتوقراطية القيصرية وإقامة ديمقراطية حقيقية ونهاية الحرب الدامية في أوروبا.

بعد سقوط القيصرية  كانت الحكومة الجديدة ضعيفة ومذبذبة والمجتمع كله يعانى من أزمة عميقة وسرعان ما ظهرت أشكال الحكم الجديدة كالسوفييتات أو مجالس العمال. في البداية كان البلاشفة معزولين داخل السوفييتات ولكنهم استطاعوا في وقت قصير كسب مساندة كبيرة لأفكارهم ولنشاطهم وبدأت الأغلبية العظمى من العمال تنجذب لشعاراتهم، فقد فهم العمال أن الطريقة الوحيدة للتقدم هي تحطيم آلة الدولة القديمة (التي دعمت الجيش ودافعت عن نظام الملكية الخاصة) وتأسيس دولة جديدة يكون أساسها سلطة العمال.

فهم البلاشفة الواضح للموقف وجذورهم الممتدة داخل الطبقة العاملة كان نتيجة لشكل حزبهم وطريقة بنائه. لقد كان حزبا مبنيا على عنصرين هامين هما الفاعلية والأفكار، نجاحهم كان ثمرة قدرتهم على اختبار الموقف والنقاش حوله والوصول إلى نتيجة موحدة كانت هي التي يتم وضعها موضع التنفيذ. من هنا نبعت قدرتهم على النقاش بين اكثر العمال المسيسين من اجل إسقاط آلة الدولة القديمة وإنشاء أول دولة عمالية. جانب آخر من نجاح الحزب البلشفي كان أساسه بنائه التنظيمي، ذلك البناء الذي ناسب وجود السوفييتات والحاجة إلى تحطيم الدولة القديمة.

هذه النقطة الجوهرية - تحطيم آلة الدولة القديمة- هي ما ميز الحزب البلشفي، فالأحزاب الاشتراكية التي سبقته كان هدفها مجرد التغلب على المؤسسات القائمة دون تغيير علاقات السلطة الجوهرية في الرأسمالية.

وبصرف النظر عن روسيا 1917 ففي كل الأحداث الثورية التي حدثت في العالم يبدأ الثوريين كأقلية ضئيلة ولكن مع استمرارها ومع تعمق أزمة المجتمع فان أفكارهم تحدث الصدى المطلوب لدى اكبر عدد ممكن من الناس، وتظهر بشكل حاد تساؤلات حول إصلاح النظام القائم أو إسقاطه. الكثير من العمال متعطشون للثورة ولكن غياب البديل يدفعهم لاعتبار قادتهم القدامى وسيلة لتحقيق مطالبهم، في مثل هذا الموقف فان وجود حزب ثوري متماسك قبل حلول الطوفان هو أمر في غاية الأهمية، مثل هذا الحزب يجب أن يشتمل على منظومة من الأفكار ويضم الآلاف (إن لم يكن اكثر) من الأعضاء والمؤيدين الذين قضوا أعواما في النقاش والمساجلات حول الاستراتيجية والتكتيكات في الوقت نفسه الذي يقومون فيه بالاشتباك في النشاطات اليومية من خلال آلاف القضايا المختلفة.

لا يعنى ذلك بأي حال أن هذا الحزب معصوم من الأخطاء خلال مشوار الثورة بل يعنى انه سيكون على استعداد تام للتعامل مع تغيرات وتحولات المواقف بصورة افضل من أن يتم ذلك فجأة في أثناء الصراع.

هذا ما يجعل تأسيس حزب ثوري ذو مبادئ أمرا هاما اليوم، وعلى الثوريين أن يستلهموا معظم نظرية حزبهم من خبرة لينين والبلاشفة، فالأعوام التي أنفقت لبناء الحزب البلشفي حتى في أحلك الظروف لم تضيع هباء، والسبب الرئيسي لذلك كان اختلاف مبادئ حزب لينين عن كل المبادئ التنظيمية السائدة في عصره، لقد طالب أعضائه بمستوى من الالتزام والفاعلية وكان ما سمح لقراراته أن تكون بهذه الفاعلية هو اعتماد الحزب الأساسي على فكرة المركزية الديموقراطية.

ما هي المركزية الديمقراطية ؟

 

رغم أن مصطلح "المركزية الديموقراطية" يبدو للوهلة الأولى متناقضاً إلا أنه ليس كذلك في الواقع. فالمركزية هي النتاج المنطقي للحوار الديموقراطي الحقيقي؛ فالقضايا تدار حولها المناقشات بل والمعارك أحياناً. وحين يُحسم الأمر فإن كل فرد -بصرف النظر عن موقفه في عملية الحوار- عليه أن يلتزم بالقرار ويعمل بموجبه.

هذا ما يعد متناقضاً مع الديموقراطية المزعومة في المجتمع الرأسمالي، فنحن نملك حق التصويت في الانتخابات المحلية والقومية ولكن علاقة ما نريد من مطالب بذلك الشخص الذي منحناه أصواتنا علاقة لا تمت بصلة لما يحدث على أرض الواقع فمعظم القرارات يتم وضعها بواسطة أناس لا نملك عليهم أي نوع من السيطرة، وبالتالي فنحن لا يد لنا في تلك القرارات التي تسير حياتنا، نحن لا نمتلك حق التصويت حول ما إذا كان يتوجب إغلاق مصنع أو بناء محطة للطاقة النووية أو ما إذا كان يجب وقف خط  أتوبيس مثلاً، ذلك لان الأقلية (أصحاب المال والجاه والنفوذ) وليس الأغلبية هي التي تقرر ما الذي يجب عمله في معظم الأشياء الهامة، ولان الديموقراطية تصبح غير ذات قيمة بدون اتخاذ قرارات ديموقراطية لذا فانه في ظل الرأسمالية لا وجود للديموقراطية الحقيقية.

الأحزاب أمثال حزب العمال البريطاني ربما تدار لديهم بعض الحوارات الفردية والسجالات ولكن نادراً ما يلتزم أعضاء الحزب بنتائجها إذ ليس هناك صلة بين ما يتم قوله أو فعله وبين هؤلاء الذين يمضون في طريقهم من خلال مواقعهم لصنع القرارات هذا ناتج من حقيقية أن قادة الحزب والأغلبية من أعضاء البرلمان يجهلون تماما قرارات مؤتمر حزب العمال من دون أن يوجه لهم أي لوم.

إن التكوين الحزبي لمنظمة ما ينبع من حقيقة الدور الذي تلعبه في المجتمع، أحزاب مثل حزب العمال البريطاني ترى أن دورها "على أحسن تقدير" هي تسيير أمور المجتمع القائم من خلال البرلمان والمجالس المحلية وما إلى ذلك، لهذا فان تكوينهم الحزبي يتناسب تماما مع ما يقومون به من مهام على الأقل كما يرونها هم.

أما الحزب الثوري فله دور مختلف تهيئه له المركزية الديموقراطية فهو مبني على مهمتين أساسيتين، أولهما هو أن الطبقة العاملة لا يمكنها تولى السلطة وتسييرها لأجل صالحها بسهولة، والثانية هي حقيقة أن الأفكار السائدة في أي مجتمع هي أفكار الطبقة الحاكمة، يعنى هذا أن الحزب يجب أن يُنظم للقتال من أجل سلطة العمال من أسفل وذلك في سبيل بناء المجالس العمالية وإسقاط الدولة لذا فإن على الأقلية المنظمة في الطبقة العاملة عبء النضال ضد أفكار الطبقة الحاكمة ولأن وجود حزب ثوري مرتبط بفكرة التغلب على التفاوت داخل الطبقة العاملة فإن عليه تعميم خبرة هؤلاء الذين يفهمون طبيعة المجتمع الرأسمالي ووسائل القضاء عليه بشكل أفضل إذ لا يمكن للحزب الثوري أن يكون مجرد انعكاس لمستوى الفهم السائد وسط العمال في وقت بعينه بل عليه أن يكافح بشكل واعي ضد هذه الأفكار نظريا وعمليا.

ومن أجل التغلب على التفاوت في وعى الطبقة العاملة على الحزب أن يتبع طريقين اثنين، أولهما أن يكون "ذاكرة الطبقة" فكل تاريخ نضال العمال في الغالب غير ظاهر لنا حتى في الصحف ومراكز الأبحاث والمدارس والجامعات نحن لا نتعلم الكثير عن الإضرابات وانتصارات العمال، حتى عندما نعلم عن هذه الإضرابات فإن القصص تصل إلينا بشكل مشوش وبالتبعية فإننا نجهل كل شيء تقريبا عن كفاح العمال في البلدان الأخرى، لذا فإن من أهم المهام الملحة للحزب أن يتأكد من أن تاريخ الطبقة العاملة قد تغلغل في وعى العمال و أن دروسه قد تم استيعابها على نحو تام.

الطريق الثاني الذي يجب على الحزب الثوري أن يسلكه هو أن يتعلم من الطبقة العاملة. هذه المعادلة الصعبة تحدث نوعا من الحيرة إذ إنه لو كان الحزب هو حزب الطبقة العاملة وذاكرة الطبقة أليس على العمال أن يتعلموا منه وليس العكس؟! المشكلة تحدث عندما يتم اعتبار الطبقة العاملة مجموعة من المتلقين السلبيين لتعاليم الحزب حيث أن هذا يرسخ مبدأ النخبوية ويترك الفرصة لتساؤل مفاده من الذي يعلم المعلمون إذن؟

إن حقيقة العلاقة بين الحزب والطبقة هي علاقة مرنة تعتمد على تعلم الحزب من الخبرات الحية للطبقة، وهذا يستلزم أن يبذل الحزب كل جهد لخلق صلات مع العمال والحفاظ عليها، وهذا لا يعد صحيحا فقط في الأوقات التي يشارك فيها العمال في الصراع عن طريق الإضرابات والاستيلاء على المصانع وخلافه بل هو بنفس الدرجة من الأهمية عندما يكون مستوى كفاح الطبقة منخفضا (حالات الجزر).

الحزب الثوري الحقيقي هو الذي يحافظ دائما على صلاته بالعمال لهذا فإن قدرا كبيرا من الأهمية يلقى على إنتاج المجلات والنشرات والتقارير والكتيبات عن القضايا المختلفة داخل المصانع و توزيعها، وإصدار كتيبات للعمال عن قضايا أخرى كالحركة النقابية أو أزمة السكن. بهذه الطريقة فقط يمكن للحزب أن يصبح ذاكرة للطبقة العاملة و في الوقت نفسه يتعلم من نضال العمال. 

القيادة 

 

أحد الملامح الرئيسية لنظرية لينين حول الحزب هو مفهوم القيادة هذا المفهوم الذي يحدث أيضا نوعا من الحيرة لدى هؤلاء المعترضون على اللينينية إذ يقولون أن القيادة هي نوع من الكهنوتية والنخبوية. مثل هذه الأفكار خاطئة تماما، فالقيادة ضرورية في الحزب الثوري تحديدا بسبب التفاوت في الطبقة العاملة ولان الأفكار السائدة في مجتمعنا هي تلك الأفكار الخاصة بالطبقة الحاكمة. إن كل عضو من أعضاء الحزب يجب أن يعتبر نفسه أو نفسها كقائد سواء في موقع العمل أو في مكان السكن، القيادة يجب أن توجد بكل المستويات محليا وقوميا وأن تنبع بشكل طبيعي من المركزية الديموقراطية، يعنى هذا أن الذين يبنون الحزب هم أنفسهم الذين يقاتلون من أجل أفكارهم وتكتيكاتهم في الحزب ومع الطبقة العاملة، لهذا فان الحزب الثوري لا يضم قيادة محددة هي بالضرورة التي تعرف اكثر من الجميع.

المفهوم اللينيني للقيادة مختلف تماماً عن الرؤى النخبوية المعتادة للقيادة في ظل الرأسمالية، فالقيادة تعنى معرفة كيف نواجه أفكار الطبقة الحاكمة التي يقبلها معظم العمال في أغلب الأحيان، وتعنى أيضاً معرفة كيف يمكننا العمل لتحدى سلطة الطبقة الحاكمة سواء عن طريق إضراب أو تمرد.  أعضاء الحزب الثوري يجب أن يكونوا متأهبين تماماً أكثر من غيرهم للقيادة بهذه الطريقة، لا يعنى ذلك أنهم دائماً ما يفعلون هذا أو أنهم دائماً على صواب، فأحياناً في أوقات ارتفاع درجة النضال الطبقي "المد" يمكن لهؤلاء الثوريين الذين قضوا الأعوام الطوال في النقاش حول السياسات الاشتراكية يمكن أن يكونوا أبطأ من أن يدكوا حالة أو درجة الكفاح داخل الطبقة العاملة. 

كان هذا صحيحا حتى بالنسبة لحزب البلاشفة عام 1917. يصف تروتسكي في كتابه (دروس ثورة أكتوبر) كم أن أكثر القادة البلاشفة خبرة كانوا في حالة من البطيء والحذر عند قيام الثورة ويشرح السبب في ذلك، قائلاً: "كل حزب بما في ذلك اكثر الأحزاب ثورية يجب أن ينتج وسائل محافظة تنظيمية وإلا فإنه سوف يفقد استقراره الضروري ولكن لهذه المسألة درجتها، ففي الحزب الثوري الضرورة الحيوية للمحافظة يجب أن ترتبط بتحرر تام من الروتين بمبادرة في التوجه وجرأة في الفعل". ويمضى تروتسكي قائلاً: "كلاً من المحافظة والمبادرة الثورية تكون موجودة بشكل أكثر كثافة  لدى الكوادر القيادية في الحزب". 

ولكن بصفة عامة فإن الثوريين من المأمول تواجدهم في صدارة كل صراع، يقاتلون من اجل الوصول بالصراع إلى نهاية ناجحة، تلك هي الطريقة الوحيدة التي بها يمكن للأفكار الثورية أن تختبر بشكل عملي، فالقيادة داخل الطبقة تسير يدا بيد مع القيادة في الحزب، ويطرح البعض أحيانا أنه ليس هناك وقاية ضد القيادة السيئة في الحزب اللينيني الأمر الذي بإمكانه أن يقود البعض لتخليد القيادة المخطئة سياسيا بحجة كونها (القيادة)، ويدعمون رأيهم بما حدث في روسيا الستالينية، غير أن الحزب الشيوعي الذي حكم بقيادة ستالين كان النقيض التام لكل ما كان البلاشفة ولينين يناضلون من أجله فقد ألغى ستالين الحوار الديموقراطي ومجالس العمال الحقيقية والحرية لم يكن هذا نتاج حتمي لفكرة القيادة بل هو نتاج لذلك الاتجاه الذي أتبعه ستالين في حكمه لروسيا.

القيادة الحقيقية في المنظمة الثورية تعنى أن القرارات المتخذة يمكنها أن تكون أحيانا خاطئة، في خطبة لينين الأخيرة للأممية قبل وفاته قال "لقد ارتكبنا كومة من الحماقات".

القادة الحقيقيون ليسوا منزهون عن الخطأ ولكنهم قادرون على إدراك الخطأ وقبوله والتعلم منه، وهذا لا يمكنه أن يحدث إلا بالتعلم الدائم من الطبقة العاملة وباختبار نظرياتها وأفعالها بصورة عملية، القدرة على ذلك تمنح الثوريين الحق في القيادة داخل الحزب والطبقة، لهذا فإنه ليس هناك أي نوع من الكهنوتية في الحزب الثوري.

هناك أناس من خلال المعرفة والخبرة والقدرة على التوجيه يرون في أنفسهم القدرة على القيادة إلا أنهم لا يعرفون كل شئ، على العكس من ذلك أنهم يقترفون العديد من الأخطاء لأنهم يواجهون بشكل دائما موقف ومشاكل جديدة.

كلما امتدت جذور الحزب داخل الطبقة العاملة كلما ارتبط أكثر بالصراع الحقيقي وكلما زادت نسبة حدوث الأخطاء، ولكن نسبة التعلم من الأخطاء ومعرفة احتمالات تكرار الخطأ في المستقبل تزيد هي الأخرى، أنه من السهل جدا أن تبقى ذو مبادئ ثابتة عندما لا تفعل شئ، الأصعب  أن تثبت على هذه المبادئ حين تنغرس يوما بعد يوم في الصراعات الطبقية.

لهذا فالاختبار الدائم وإعادة التقييم والحوار حول التكتيكات يعد أمرا جوهرياً لتطوير أي حزب ثوري، وهذا ما تؤكده خبرة النشاط والاشتباك مع مختلف قضايا الطبقة العاملة، فهذه الخبرة أثبتت أن عملية الحوار الديموقراطي المركزي هي أمر جوهري للانغراس في الصراع الطبقي.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Repost 0
Published by تيار اليسار الثوري في سوريا
commenter cet article
24 janvier 2013 4 24 /01 /janvier /2013 17:35

الحركة الطلابية في سوريا

 

الكاتب: جوزف ضاهر

مقدمة
تظهر المجزرة الأخيرة ضد الطلاب من جامعة حلب مرة أخرة وحشية هذا النظام الذي لا يوفر أحداً. أكدت مصادر متقاطعة بأن طائرة من سلاح الجو السوري كانت تحلق فوق المدينة الجامعية بحلب خلال طلعة جوية معتادة على حي بني زيد شمال المدينة وترمي بالونات حرارية لحمايتها من الصواريخ الحرارية التي قد تستهدفها، دوي اثرها صوت انفجارين كبيرين وبشكل متتالٍ ومباشر عند دوار كلية العمارة أثناء خروج الطلاب من امتحاناتهم. وتسبب الانفجارين في إصابة مئات الطلاب واستشهاد العشرات منهم إضافة إلى وقع عدة ضحايا بين النازحين المقيمين في السكن الجامعي، وأكد شهود عيان بأن عدد الشهداء بحسب الجثث والأشلاء المنتشرة التي رأوها في مكان الحادثة، يتجاوز الـ 80 شهيدا.ً

هذا المقال هو تكريم لجميع الطلاب الذين يكافحون واستشهدوا من أجل إسقاط هذا النظام الإجرامي ولبناء سوريا حرة وديمقراطية.

لأن تركيز وسائل الاعلام من كل الأطراف هو على النزاع المسلح بين النظام السوري المجرم والمعارضة المسلحة التي على الرغم من شجاعتها ولكنها غير مجهزة بشكل جيد. كما توصف الثورة السورية بأنها حرب أهلية أو حرب بين الأقليات الدينية والأغلبية. وعبر ذلك تساوي وسائل الإعلام في نهاية المطاف بين النظام والحركة الشعبية. هذه الصورة للثورة السورية بعيدة عن  الواقع والتحركات الشعبية لا تزال هي الشكل الرئيسي لمعارضة الشعب ضد الحكم الاستبدادي.
نحن لا ننكر أهمية المقاومة المسلحة، ولا ندينها، بل على العكس تماما، لأنها تعبر عن حق الشعب السوري في الدفاع عن نفسه ضد النظام القمعي. معظم مجموعات المقاومة المسلحة بسوريا تمثل فعلا مقاومة شعبية، ومن الخداع تماما إظهارها كأداة بيد قوى امبريالية عالمية أو إقليمية. كما أنها ليست مجموعات إسلامية فاعلة بكل استقلال عن الحركة الشعبية. في الواقع، أن تكون مسلما لا يعني أن تكون اسلاميا. في الوقت عينه، إن المعارضة المسلحة تعبر عن حقها المشروع في الدفاع عن نفسها ضد القمع، وقد سمحت باستمرار المقاومة الشعبية السلمية في بعض المناطق في وجه هجمات النظام. كما جرى تشكيل مجالس ثورية في أنحاء مختلفة من سوريا، بالإضافة إلى لجان تنسيق للحراك السياسي والمسلح. وبالطبع فقد انضم عدد من الطلاب لهذه المقاومة الشعبية المسلحة.

والغرض من هذه المقالة، هو الحديث عن الاّلاف من الطلاب السوريين الشجعان، الذين ينزلون إلى الشوارع في جميع أنحاء البلاد، مما يدل على مطالبتهم بالعدالة والحرية والكرامة، والتي غالبا ما تكون منسية من قبل وسائل الإعلام، نظرا لاستمرار القمع والعنف من قبل النظام، فالمجتمع الدولي ككل، وبدون استثناء، لا يزال يحاول تنفيذ الحل على غرار اليمن في سوريا،  الحل اليمني ينطوي على إزالة رئيس النظام، كذلك في سوريا إزالة الديكتاتور بشار الأسد، والحفاظ على بنية نظامه. لا تزال نقطة الخلاف الوحيدة اليوم الموقف الروسي الذي يحاول بكل الوسائل الحفاظ على بشار الأسد في السلطة، و لكن ستتمكن من أن تضحي الحكومة الروسية ببشار الأسد في المستقبل لحماية مصالحها في سوريا. وقد أعربت الولايات المتحدة مرارا رغبتها في الحفاظ على البنية العسكرية والأجهزة الأمنية للنظام.

إن القوى الكبرى لا ترى في الواقع أي ميزة في هذا النظام لو انهار. الشعب السوري يعول على شجاعته والتضامن مع الشعوب الأخرى.

المثال الأخرالأكثر حداثة من ذلك الرغبة للحفاظ على النظام، حين اقترح المبعوث الخاص للأمم المتحدة الأخضر الابراهميي في نهاية تشرين الثاني الخطة الأخيرة ”لضمان السلام في سوريا” وتهدف إلى تشكيل حكومة انتقالية التي تتمتع “بالسلطة التنفيذية الكاملة” لقيادة سوريا حتى 2014 حيث تجرى الانتخابات البرلمانية والرئاسية تحت إشراف الأمم المتحدة، وأثناء هذه الفترة يستمر بشار الأسد رئيسا للبلاد.

الطلاب والمجتمع
ازداد عدد الطلاب في التعليم على نطاق واسع خلال السنوات الثلاثين الماضية، وهذا يعني أن الطلاب يمثلون اليوم قوة إجتماعية كبيرة ومتميزة داخل المجتمع. يجد الطلاب في مرحلة انتقالية في المجتمع، بين الطفولة والإدماج الكامل في عالم العمل. يحتل الطلاب موقعا غامضا في المجتمع الرأسمالي، بدون علاقة مباشرة لوسائل الإنتاج وعدم استغلالهم بشكل مباشر مثل العمال. من ناحية أخرى، وتوسع التعليم الشامل يعني أنه لا يمكن أعتبار الطلاب اليوم كما في السابق قسما مميزا أو طبقة عليا في المجتمع. فالامتحانات، والديون، ورداءة المسكن وعوامل أخرى كثيرة تخلق الكثير من الصعوبات للطلاب. يؤثر هذا الموقع الغامض على كل من وعي الطلاب وإيقاع نضالهم. في الحالة السورية، سوف نرى كيف أدت الظروف المادية للمجتمع السوري إلى مشاركة الغالبية من الطلاب في العملية الثورية.

الحركة الطلابية، في قلب المقاومة الشعبية
ومن بداية الثورة السورية، لعب الطلاب دورا مهما وأساسيا بالحركة الشعبية. وكانت الجامعات مركزا للمقاومة ضد إستبداد النظام. ولطالما شاهدنا عن الطلاب في جميع أنحاء سوريا، يخرجون من مهاجعهم الجامعية للتظاهر ضد النظام ويواجهون قوات الأمن، بينما استخدمت ميليشيات النظام “الشبيحة” العنف والقوة لتفريق المجموعات الطلابية.

ومن ألأمثلة البارزة لتعبئة الطلاب هذه، التظاهرات الحاشدة في جامعة حلب، الَتي نشطت منذ اندلاع الانتفاضة، التي كانت في شهر حزيران 2012، ورمزاً لهذه المقاومة الطلابية، التي جمعت الطلاب السوريين المسلمين والمسيحيين، من العرب والأكراد، من حلب ومن كل أنحاء سوريا، داخل أكبر حرم جامعي في البلاد.

وقد قمعت هذه المظاهرة بعنف، وكما قمع الكثير منها في جميع أنحاء البلاد في الجامعات الأخرى، على أيدي قوات الأمن.
في حلب وخلال هذه التظاهرة قتلت قوات الأمن أربعة اشخاص واعتقلت المئات من الطلاب، في الفترة نفسها، قررت إدارة الجامعة إغلاق الجامعة وإرسال قوات الأمن إلى داخل المجمع السكني.

قمعت قوات الأمن المظاهرات الطلابية في الجامعات الأخرى في جميع أنحاء البلاد أيضا بقوة وقمع رهيبين.
بالرغم من الاغتيالات، والاعتقالات، والمداهمات والتهديدات بالطرد، استمر الطلاب بالاحتجاج. ومن وقت قريب جدا، لا يكاد يمر أسبوع من دون أن تسمع أصوات وأغاني الطلاب في جامعة دمشق بالقرب من قصر الرئاسة، في حين تجري مظاهرات شبه يومية في جامعات درعا ودير الزور. وعلقت جامعة حلب الدروس خوفاً من انتفاضة أخرى، أكبر وأهم من التي سبقتها، في حين صارت كمية الرصاص المستخدم أكبر بكثير من عدد الكتب في جامعة حمص.

موجز تاريخ الحركة الطلابية
للحركة الطلابية تاريخ قديم وعريق في المقاومة والإحتجاجات في البلاد. فمنذ الإحتلال الفرنسي وحتى نهاية القرن الماضي، كانت الحركة الطلابية السورية في كثير من الأحيان في أصل العديد من الأنشطة ضد المحتلين والأنظمة الأستبدادية. وكانت الحركة الطلابية قد تمردت ضد الحكم العسكري في عام 1954 قبل إعلان الجيش السوري الإنقلاب ضد النظام العسكري من حلب وتسليم السلطة للمدنيين. في عام 1955، حينها نظمت انتخابات حرة وانتخب شكري القوتلي رئيسا للجمهورية.

كما لعبت الحركة دورا رئيسيا في مواجهة حلف بغداد في الخمسينيات، التي ضمت أولا العراق، وإيران وتركيا وإنكلترا عام 1955 وانضمت الولايات المتحدة إلى هذا الحلف في عام 1958. وكان الهدف الرئيسي من حلف بغداد احتواء النفوذ السوفياتي في الشرق الأوسط من خلال إنشاء “حاجز وقائي”. وأدانت الأحزاب اليسارية والحركة الطلابية وهذه المعاهدة وينددها كإمبريالية. هكذا، لعب الطلاب دورا هاما برفض معاهدة بغداد في التعبئة في جميع أنحاء البلاد وأيضا من خلال مظاهرات داعمة للوحدة بين سوريا ومصر في عام 1957-1958.

الطلاب ضحايا سياسة النظام البعثي
تطور هذا الدور إلى أن وصل حزب البعث الى السلطة وسحق الحركة الطلابية. لم تحترم حصانة الحرم الجامعي في كل جامعات سوريا بأي شكل من الأشكال، ولا للمدارس ولا للطلاب. واعتقلت الأجهزة الأمنية الطلاب داخل قاعات المحاضرات وداخل الجامعات.

ومن المهم أيضا ذكر أن الجامعات كانت من بين قطاعين اساسيين من المجتمع، بالإضافة إلى الأجهزة العسكرية والأمنية، كان النظام يريد السيطرة الكاملة. وقد تم منع كل نشاط سياسي باستثناء أنشطة حزب البعث. وكان البعث، هو الحزب الوحيد الذي يتمتع بحق التنظيم المناسبات، والمحاضرات والتظاهرات في حرم الجامعة والثكنة العسكرية وإصدار صحيفة في الجامعة والجيش.

اضطرت الجامعات إلى تعليم مبادئ البعث حتى عام 2003، بينما لا تزال المدارس مستمرة في تعليمها.
وحتى الأحزاب الحليفة لنظام الجبهة التقدمية، والداعمة النظام، لم تتمتع بالحق في التنظيم و لم يكن لها أي وجود رسمي في هاتين المؤسستين.

النظام وضع يده على قطاعين اساسيين هما الجيش والحركة الطلابية. حيث تشير فقرة من ميثاق الجبهة الوطنية التقدمية الملحقة بالسلطة ان احزاب الجبهة ممنوعة من العمل السياسي في قطاعي الجيش والطلاب.

وكما وضع يده على بيروقراطية اتحاد العمال، الأمر الذي أدى إلى منع النضال العمالي ضد سياسات الليبرالية الجديدة للنظام. منذ عام 2002، تراجع مستوى المعيشة لأغلب الشعب، وبالإضافة إلى القمع السياسي، فاندلعت موجة احتجاجات، غالبا حول المسألة الاقتصادية. وفي أيار من العام 2006، تظاهر المئات من عمال شركة البناء العامة في دمشق، حيث اشتبكوا مع القوى الأمنية، وفي نفس الوقت نفذ سائقو سيارات الأجرة إضرابا في حلب.

استهدف النظام العمال مرة أخرى خلال الثورة، وخاصة أثناء الإضرابات العامة والعصيان المدني في سوريا خلال شهر كانون الأول من عام 2011، التي شلت أجزاء واسعة في انحاء البلاد، تثبت أنّ حركة الطبقة العاملة والمستغَلين هم في صلب الثورة. لهذا السبب، طرد النظام الديكتاتوري أكثر من 85 ألف عامل من الخدمة بين كانون الثاني 2011 وشباط 2012، وأغلق 187 مصنعاً (بحسب الأرقام الرسمية)، وذلك بهدف ضرب دينامية الحركة الاحتجاجية.

وضحايا السياسات الاجتماعية الاقتصادية الليبرالية الجديدة
كما كان طلاب الجامعات ضحايا للنظام ولكن أيضاً في ظل السياسات الليبرالية الجديدة، الَتي تركت العديد من الخريجين بدون فرص عمال بعد نهاية دراستهم.

انخفض النمو الحقيقي للناتج الداخلي الخام والدخل الفردي الحقيقي منذ مطلع التسعينيات 1990. وخلقت سيرورة التحرير الاقتصادي تفاوتا أكبر على الدوام بسوريا. وجد الأكثر فقرا صعوبة في التكيف مع الاقتصاد الجديد بسبب انعدام فرص العمل، فيما هوت «الطبقة الوسطى» نحو عتبة الفقر لأنّ مواردها لم تواكب التضخم الذي بلغ 17% عام 2008.
في عام 2010 تراوح معدل البطالة بين 25-20% ليصل الى 55% للذين أعمارهم 25 عاما، في حين بلغت 65% لمن هو تحت 30 سنة من مجموع السكان. وكان سوق العمل غير قادر على استيعاب الناس الباحثين عن عمل في كل سنة والبالغ عددهم 380000 شخص الذين ينضمون إلى صفوف العاطلين عن العمل، في حين وعدت الحكومة بخلق 250000 وظيفة سنويا في الخطة العشرية، التي تبين أنّها غير قادرة على تنفيذها. بالإضافة إلى ذلك، اعتمد قانون جديد للعمل في سوريا في نيسان عام 2008 حيث فضّل أصحاب العمل بشكل واضح على العمال.

قبل الثورة، ارتفعت فعلا نسبة السوريين الذين يعيشون تحت خط الفقر من 11 ٪ عام 2000 إلى 33٪ في عام 2010. هذا يعني، أن حوالي 7 مليون سوري يعيشون حول خط الفقر. دمرت السياسات الليبرالية الجديدة النظام، تسارع مع وصول السلطة بشار الاسد، المجتمع، قبل بداية الثورة 60٪ من السكان السوري عاش تحت خط الفقر أو تماما فوقه، كما أضعف الاقتصاد السوري، وخاصة قطاعي الزراعة والصناعة. ومن الضروري أن نتذكر أن عشيرة الأسد، وخصوصا المرتبطة برامي مخلوف، من خلال عملية الخصخصة، تمثل امبراطوريته أكثر من 60٪ من الاقتصاد السوري.

في قطاع الزراعة، يجب عدم اعتبار عملية خصخصة الأراضي التي عانى منها مئات الآف الفلاحين بالشمال بسبب الجفاف من عام 2008، مجرد كارثة طبيعية. إن تنامي استغلال الأراضي وتكثيفه من قبل كبار المقاولين الزراعيين (الصناعة الزراعية)، حتى الأراضي المخصصة سابقا للرعي، وكذا الحفر غير القانوني للآبار وإقامة أنابيب مياه انتقائية تلبية لمتطلبات كبار الملاكين الجدد –بتسهيل من فساد الإدارة المحلية- كل ذلك فاقم الأزمة الزراعية. «وفقا للأمم المتحدة، هاجر ما يفوق مليون شخص من الشمال الشرقي نحو المناطق الحضرية. ولم يعد المزارعون يحصلون على الموارد ولا على ما يكفي من الطعام. ويقدر هذا العام إنتاج القمح، الذي يعتبر موردا استراتجيا بسوريا، بـ 2.4 مليون طن مقابل 4.1 مليون طن عام 2007. سنستورد القمح للعام الثالث على التوالي». وبلغ الاستهلاك الوطني من القمح نحو أربعة ملايين طن سنويا، بحسب جريدة «البعث» اليومية في حزيران عام 2010.

إنّ خريطة الثورات في إدلب ودرعا، وكذالك بمناطق قروية أخرى، وفي معاقل تاريخية لحزب البعث، التي لم تسهم إلى حد كبير كما اليوم في انتفاضة سنوات 1980، بما في ذلك ضواحي دمشق وحلب، يبين انخراط ضحايا السياسة النيوليبرالية في هذه الثورة.

تأسيس إتحاد طلبة سوريا الأحرار
منذ بدء الثورة، كانت أشكال التنظيم الرئيسية هي التنسيقيات الشعبية على صعيد القرى، والأحياء، والمدن والمناطق. وتمثل هذه اللجان الشعبية رأس حربة الحركة المعبئة للشعب من أجل التظاهرات. كما طورت أشكال تسيير ذاتي قائمة على تنظيم الجماهير في المناطق المحررة من نير النظام. وظهرت مجالس شعبية منتخبة لتسيير المناطق المحررة، مبرهنة بذلك على أن النظام هو مسبب الفوضى وليس الشعب.

كما أقيمت إدارات مدنية بالمناطق المحررة من قوات النظام المسلحة بسبب غياب الدولة للاضطلاع بمهامها في مجالات عديدة، مثل المدارس والمشافي والطرق وخدمات المياه، والكهرباء والاتصالات. وتعين هذه الإدارات المدنية بالانتخاب والإجماع الشعبيين ومهمتها الرئيسية التزويد بخدمات الوظيفة العمومية والأمن والحفاظ على السلم الأهلي. كما كانت الجامعات أماكن هامة للمقاومة الشعبية.

في شهر حزيران 2012، كان ربع الوفيات من الطلاب في الاحتجاجات في سوريا منذ أن بدأت الثورة في أذار 2011، وفقا لإتحاد طلبة سوريا الأحرار. أسس اتحاد طلبة سورية الأحرار في 29 ايلول 2011 للنضال ضد النظام وليكون محطة ديمقراطية وسياسية ونقابية في حياة الحركة الطلابية السورية الحرة.

في سوريا خمس جامعات حكومية في دمشق وحمص وحلب واللاذقية ودير الزور، ولها فروع إقليمية في درعا، سويداء، إدلب، طرطوس، حماه، الحسكة والرقة.

وتوسع الاتحاد في نيسان 2012 مع انضمام ائتلاف طلبة جامعة دمشق إلى اتحاد طلبة سوريا الأحرار. أعلنوا توحيد جهود الاطارين بانضمام ائتلاف طلبة جامعة دمشق الاحرار الى اتحـاد طلبة سوريـا بهدف تأطير الحـراك الطلابي الجــامعي في دمشـق.

كان المؤتمر التأسيسي الاول لفرع اتحاد جامعة حلب بتاريخ 5/3/2012 وكذلك لجامعة ادلب في 10/3/2012 وبحضور الهيئة التنفيذية المنظمة للمؤتمر المشكلة من ذوي الخبرة السابقة في مجال العمل الاتحادي من طلاب واساتذة ودكاتره من جامعتي حلب وادلب وبعد انتخاب اعضاء ورئيس فرع اتحاد طلبة سورية الاحرار في الجامعتين تم الخروج بالتوصيات التالية:
- توحيد طاقات طلبة سوريا الأحرار في كافة الجامعات السورية.
- العمل على تنظيم المظاهرات والاضرابات العامة في داخل الجامعات و المدارس وخارجها بشكل حضاري وانساني والتزامي بمبادئ السلمية.
- العمل مع قوى الثورة الأخرى على اسقاط النظام الفاقد شرعيته في ظل الحفاظ على الوحدة الوطنية.
-السعي لإقامة دولة مدنية ذات نظام ديمقراطي تعددي يكفل الحرية والعدل والمساواة لجميع المواطنين.
وأسس أيضأ اتحاد أساتذة الجامعات السورية الأحرار في 21 كانون الثاني 2012..

أنشطة  طلبة سوريا الأحرار
أعلن الاتحاد مرارا رغبته مواصلة المقاومة الشعبية ضد النظام منذ بداية الثورة، بالرغم من القمع واستبداد النظام. أكد وكرر اتحاد طلبة سوريا الأحرار في تاريخ 8 شباط 2012 على نشاطات محورية للطلاب في سبيل اسقاط النظام:
- الدعوة الى الإضراب عن حضور كافة المحاضرات النظرية والعملية في الفصل الثاني من العام الدراسي الحالي.
 بالتوازي مع الاضراب عن حضور المحاضرات ندعو الطلبة الأحرار الى التواجد في الجامعات والمعاهد سواء في جامعاتهم المسجلين فيها او في الجامعات في مناطقهم مشاركين في تحويل الجامعات الي نقطة توتر دائمة ومنطقة تظاهر واعتصام مستمرة والتحضير للعصيان المدني في حرم الجامعات والمعاهد على امتداد الوطن، تخفيفا للضغوط على المناطق والأحياء السكنية التي تتعرض للقصف والحصار في معظم المدن السورية.

- على اعتبار أن الكتلة الطلابية في الجامعات تشكل ما لا يقل عن 800 ألف طالب وطالبة، في المدارس والجامعات، فإن مشاركتنا في خطوات إضراب الكرامة بفاعلية والمشاركة في مقاطعة الشركات الداعمة للنظام والتي تمول جرائمه يعجل في الانهيار الاقتصادي للنظام المتداعي أصلا. إن الانهيار الاقتصادي يسقط النظام بأياد سورية ودون انتظار استيقاظ الضمير العالمي وفقد المزيد من الأبطال في ثورة الكرامة.

تواصل الحركة الطلابية، وكما الشعب السوري، تجديد رفضها للطائفية، رغم كل مساعي النظام لإشعال هذه النار الخطيرة التي استخدمها تحت أشكال مختلفة منذ استيلاء آل الأسد على السلطة. أكدت الحركة الشعبية، بما فيها الحركة الطلابية، نضالها الموحد، بتطوير حس تضامني وطني واجتماعي يتجاوز الانقسامات الاثنية والطائفية، أيضا في سبيل تحقيق الكرامة والحرية والمساواة والعدالة.

الاتحاد نشر على سبيل المثال بيان بمناسبة نوروز حيث اعتبرها بمثابة عيد للحرية، ودعا على امتداد البلاد لإشعال الشموع على النوافذ والشرفات، رمزا لقدوم عهد جديد لسوريا لا مكان فيه إلا للمساواة والعدالة .

أطلق و/أو شارك الاتحاد في العديد من الحملات التي نظمتها منظمات شعبية كما لجان التنسيق المحلية وغيرهم، على سبيل المثال في تاريخ 26/11/2012 أطلق اتحاد طلبة سوريا الاحرار – عددًا من طيور الحرية التي تحمل أسماء الطلبة المعتقلين في جامعات دمشق، وأكد أيضا على استمراره ضد هذا النظام الفاسد حتى زواله وتحرير جميع الأسرى .

اتخذ الاتحاد موقفا في مختلف القضايا، مثلا استنكار سلسلة التفجيرات التي استهدفت بعض المدن في سوريا في الآونة الأخيرة والتي أودت بحياة بعض المواطنين الأبرياء التي لا تخدم أحد سوى النظام، وأعلن في بيان ”استنكار التفجيرات وخصوصاً تفجير الحرم الجامعي في حلب” 31-5-2012 . أدان تحاد طلبة سوريا الأحرار بشدّة هذا الفعل غير الإنساني وغير الأخلاقي.

الاتحاد ينشر على المستوى الوطني مجلة تسمى “صوت الأحرار“. صدر العدد الأول منها في حمص في حزيران 2012.

حتى الجامعات الخاصة شهدت مظاهرات ضد النظام، مثل جامعة الخاصة اليرموك وجامعة القلمون. نظم الطلاب في هذه الجامعات العديد من الاحتجاجات داخل الحرم الجامعي، مطالبين بالحرية وتضامنا مع المدن الثائرة. وجرى تعليق الشعارات والنشرات في ممرات الجامعة مطالبين بإسقاط النظام، وتعرض الطلاب إلى حملة قمعية من قبل قوات الأمن، وفي بعض الحالات أجبروا على النوم على الأرض والهتاف لحياة الرئيس بشار الأسد.

في عدة تصريحات، أكد هؤلاء الطلاب بأنهم ” جزء من الجسم الطلابي من الجامعات الخاصة التي تم تأسيسها من قبل النظام السوري الفاسد” حيث أنهم يعاملون “كزبائن، و ليس كطلاب”. و يضيفون أن الثورة هي من أجل مستقبلهم.

رخص النظام السوري لجامعات خاصة في عام 2001، وبلغ عددها عام 2009 عدد الجامعات الخاصة 15، التي شملت بين 16000 و22000 طالب. وصلت الرسوم في بعض جامعات خاصة إلى 10870 $ سنويا، وهذا المبلغ لا تستطيع للغالبية العظمى من الطلاب دفعه، عندما كان الراتب المتوسط بين 15000 (370$) و 20000 ليرة سورية (500$). في الوقت نفسه لم يقدم النظام السوري أي استثمارات مهمة في النظام التعليم الجامعي العام الذي كان يفتقر لمرافق جديدة بحالة جيدة ال 264550 طالب للسنة الدراسية 2008-2009 وفقا لوزارة التعليم العالي.

جامعة حلب، أو جامعة الثورة
لعبت جامعة حلب، كما كتبنا، دورا طليعيا في المدينة. نظم الطلاب المظاهرة الأول خارج الحرم الجامعي في 13 نيسان 2012، وهتفوا "الشعب سوري واحد". بعد 10 إلى 20 دقيقة، وصلت قوات الأمن واضطر الطلاب إلى الهرب. من المهم أن نذكر أن مدينة حلب لم تشهد مظاهرات هامة قبل بداية عام 2012، في حين أن الطلاب كانوا يكافحون بالفعل منذ بداية ثورة. في 11 تشرين الثاني 2012، كان بلغ عدد الشهداء في جامعة حلب 99 حسب توثيق الجناح الحقوقي في المكتب الإعلامي لجامعة حلب.

وتحتوي جامعة حلب على طلاب من أماكن عديدة ومن خلفيات متنوعة، ولكن أيضا من الريف. كانت المساكن الطلابية في جامعة حلب هي الأكبر في سوريا، مع حولي 10000 طالب من جميع أنحاء البلاد، وشارك العديد منهم في الإحتجاجات.

ونظمت احتجاجات في 18 أيار 2012 في جميع أنحاء سوريا تحت شعار “أبطال جامعة حلب” ، بالتضامن مع طلاب حلب الذين تظاهروا لأيام قبل على الرغم من القمع الوحشي. في اليوم نفسه، كانت المظاهرات في حلب الأكبر المدينة شهدت حتى هذا ذلك اليوم، وفقا لعدة نشطاء. احتج أكثر من 10000 شخص في منطقتي صلاح الدين والشعار، وشارك الآلاف في مناطق أخرى من المدينة. كما شارك في تظاهرة 17 أيار حوالي 10000 طالب، أو أكثر وفقا لبعض النشطاء، خارج بوابات جامعة حلب في وجود مراقبين للأمم المتحدة، قبل أن تفض قوات الأمن الاحتجاج. و ألقت قوات الأمن الطلاب وممتلكاتهم من المهاجع. تظهر مقاطع الفيديو على موقع يوتيوب نهب غرف الطلاب، نوافذ محطمة وجدران متضررة. وأغلقت جميع فروع الجامعة للمرة الأولى منذ عام 1980. كما توقفت جامعة حلب عن التدريس مرة أخرى بعد أسابيع قليلة خوفاً من انتفاضة أخرى، أكبر وأهم من تلك التي سبقتها.

ومنذ ذلك الوقت، وفي كثير من الأحيان في الجامعة، يفرض رجال الأمن طوقأ كبيرأ داخل وفي محيط الحرم الجامعي ويقومون بالتشديد على الطلاب والموظفين وحتى المسؤولين داخل الجامعة من خلال التفتيش الدقيق لجميع الداخلين والخارجين من الجامعة.

لعبت أيضا جامعة حلب دورا هاما في استقبال، داخل الحرم وفي المهاجع، الآلاف من الأسر السورية المهجرة، وساعدهم طلاب الجامعة بطرق مختلفة. وأنشئ سوق للنازحين من الأحياء المنكوبة داخل الحرم الجامعي في أوقات مختلفة، ويشارك فيها الطلاب.

ولكن حتى بالنسبة لتقديم المساعدات الإنسانية للاجئين، اعتقلت الأجهزة الأمنية الطلاب الذين يعملون في هذا المجال، فعلى سبيل المثال اعتقل النظام ظلال الصالحاني، طالبة سنة أولى في قسم الكيمياء في كليَّة العلوم في جامعة حلب، بتاريخ 28/7/2012 من قبل قوات الأمن السوريَّة في مدينة حلب، وكانت تهمتها مساعدة الجرحى والنازحين المدنيين ودعمهم بالمعونات الغذائيَّة والطبيَّة وتأمين أماكن لإقامتهم كنازحين.

في أيلول، ندد نازحون المدينة الجامعية بحلب بغياب المساعدات الغذائية وضعف الخدمة الطبية وإتهموا إدارة المدينة الجامعية بسرقة جزءٍ من المساعدات المخصصة لهم. في هذه الفترة، كانت المياه مقطوعة منذ ثلاثة أيام مع تزايد أعمال السرقة وسوء تعامل من عناصر الحراسة في المدينة الجامعية.

في أيلول عام 2012، ارتفع عدد النازحين في المدينة الجامعية إلى 30 ألفاً وأكثر من 6 آلاف منهم يبيتون في الحدائق.
وزع أيضا طلاب الجامعة الهدايا، بفضل تبرعات جمعوها بأنفسهم، للأطفال النازحين المقيمين في الحرم الجامعي بمناسبة عيد الفطر.

ينشر طلاب جامعة حلب مجلة “جامعة الثورة “. كان وصف هدف المجلة على النحو التالي : ”جامعة الثورة نثبت للعالم وللشعب السوري أننا أهل علم وثقافة وأدب ندعو للحرية بجميع أشكالها بما فيها الأدبية والإعلامية وهذه مجلتنا الخاصة بنا وأدبائنا ومثقفينا تعبر عنا“ .

تسجل جامعة حلب، كما غيرها، اعتقال العديد من الطلاب وينظم الطلاب عدة تحركات بهدف الضغط للإفراج عن رفاقهم، على سبيل المثال نظم طلاب وناشطون اعتصاما من أجل المعتقلين في حي الأشرفية في يوم 9 تشرين الثاني 2012، ونظم الطلاب مظاهرة أخرى في 17 تشرين الأول للإفراج عن المعتقلين في حي الأشرفية أيضا. الحملات الضاغطة للإفراج عن المعتقلين عديدة ودائمة. وعانى طلاب جامعة حلب، بسبب نشاطهم، من القمع الشديد الأجهزة الأمنية.

لعبت وتلعب حتى اليوم جامعة حلب، جامعة الثورة، دورا رئيسيا في تعبئة شعبية في المدينة وكان مركز المقاومة الشعبية ضد النظام في مدينة حلب منذ بداية الثورة.

الخاتمة
في إطار هذا النضال تعلن الحركة الشعبية، بما فيها الطلاب، مرارا وتكرارا عن تمسكها بتحقيق الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية. ما انفك الوعي السياسي والنقدي والتجارب النضالية تتزايد وسط الحركة الشعبية، ما يعزز كل يوم تحرر الشعب من نير النظام الاستبدادي ومن تأثير إيديولوجيته الشمولية.

إن تشكيل منظمات شعبية مستقلة بجميع أنحاء البلاد بما هي مراكز شعبية بديلة عن السلطة نمّى أيضا الوعي السياسي وجذّر الشعب السوري في نضاله.

إن نضال الشعب السوري صدى لهذه الجملة من البيان الشيوعي: “لن يخسر البروليتاريون سوى أغلالهم. وسيكسبون عالما“.

ويشارك الطلاب في هذه العملية بشكل كامل وتام، كما رأينا من خلال النص، كما كانت ولا تزال الجامعات في تونس و مصر. فقد أغلق النظام التونسي الجامعات أيام قليلة قبل سقوط بن علي بسبب دورها النشيط في الإحتجاجات والثورة.
في مصر، أسس الطلاب الإتحادات المستقلة الجديدة في جميع أنحاء البلاد وشاركوا ونظموا الكثير من الإحتجاجات.
في البلدين، كما في سوريا، الطلاب هم في طليعة الكفاح والنضال إلى جانب العمال لمواصلة تحقيق أهداف الثورة.
وقد أعلن و تعهد العديد من الطلاب بأنهم لن يواصلوا دراستهم قبل أن يكملوا ثورتهم. رفع الطلاب الشعار “لا تعليم بدون الحرية” في مظاهرات كثيرة.

الشعار هو بالتأكيد: ثورة مستمرة حتى النصر!
من دون أي شك، إنها ثورة حقيقية منذ بدايتها.

 

Repost 0
Published by تيار اليسار الثوري في سوريا
commenter cet article
24 janvier 2013 4 24 /01 /janvier /2013 17:25

الثورة السورية بين العمل الشعبي والعمل المسلح

حوار دينا عمر
في حوار مع الناشط الماركسي غياث نعيسة
الثورة السورية بين العمل الشعبي والعمل المسلح
الأربعاء 23 يناير 2013
الاشتراكي الثوري غياث نعيسة القيادي بتيار اليسار الثوري السوري

 

 

 تغير التوازنات على الأراضي السورية بتصاعد العمليات العسكرية واشتداد القوى المسلحة، كان من أهم الأسباب التي أثارت العديد من الأسئلة الحائمة حول طبيعة الصراع، والتي ازدادت هي الأخرى مع تواصل الحركة الشعبية لنقاط تظاهر كثيفة. جريدة "الاشتراكي" أجرت حوارا مع الناشط الماركسي السوري غياث نعيسة لتوضيح المزيد حول مدى توازن الحراك على أرض الواقع.

 بعد شهرين ستكمل الثورة السورية عامها الثاني منذ أن انتفض أحرار درعا مطالبين بالحرية والعدالة. وبعد سقوط أكثر من 50 ألف شهيد وآلاف المعتقلين والمفقودين وملايين المهجرين. ما هو تقييمك حول تصدر المطالب الاجتماعية في ظل الظروف الحالية؟

 على مشارف نهاية عامين من بدء الثورة الشعبية السورية، ومطلع العام الثالث لها، هذه الثورة التي طرحت، كشقيقاتها من الثورات في بلدان المنطقة، مطالب الحرية والمساواة والكرامة والعدالة الاجتماعية، دفعت الثمن الأكثر ارتفاعا في عدد الضحايا من الشهداء أكثر من 60 ألفا والجرحى يقترب من مائتي ألف ونحو أربع ملايين مواطن داخل البلاد في وطن إنساني سيء للغاية ومهجرين إضافة إلى ما يقارب مليون لاجئ في البلدان المجاورة ونتحدث عن تدمير أو تضرر حوالي مليون منزل. يمكن أن نتابع هكذا دواليك في سرد الخراب الفظيع الذي سببته وحشية النظام الدكتاتوري القائم لآل الأسد.

 و لكن الجماهير الشعبية الثائرة، رغم هول التضحيات، ما تزال تقاوم وترفع نفس الشعارات الأساسية للثورة، تلك منها التي حملت السلاح أو تلك التي لم تتوقف عن احتجاجاتها السلمية رغم آلة القتل والدمار للدكتاتورية البرجوازية الحاكمة.

 تشهد المدن السورية مظاهرات يومية وخاصة أيام الجمع الذي أصبح تقليدا، رغم أن المظاهرات لم تعد تخرج من الجوامع منذ نحو عام، ويتراوح متوسط عدد المظاهرات يوم الجمع إلى 250 مظاهرة، ما يعني أن الحراك الشعبي الذي ما يزال يرفع مطالب الثورة المذكورة لم ولن يتوقف حتى تحقيق أهداف الثورة الشعبية في إسقاط نظام الطغمة وتحقيق الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية. قد يكون مطلب إسقاط النظام والحرية هو المتصدر في هذه اللحظة للمشهد العام للثورة، وهو أمر مفهوم نتيجة وحشية السلطة وضرورة إسقاطها لوقف الدمار والقتل المتواصلين، ولكننا نعرف أن الديناميات الدافعة للاحتجاجات هي اقتصادية –اجتماعية، وأن القوى الاجتماعية الأساسية المحركة للثورة هي الطبقات الشعبية من العمال والكادحين والعاطلين والمهمشين والطلبة. وبالتالي لن تتوقف السيرورة الثورية على إسقاط النظام، بل ستستمر حتى تلبية المطالب الاقتصادية والاجتماعية للطبقات الشعبية.

 ومن اللافت للنظر، هو العديد من اللافتات التي تشير إلى أن هذه الثورة هي "ثورة الفقراء" ونجد، في المقابل، العديد من تصريحات البرجوازيين التي تعبر عن نفورهم من الثورة "لإنها ثورة الرعاع والفقراء".

 تختلف الثورة السورية في حدة صراعها عن ثورات المنطقة في تنوع المجموعات المسلحة، سواء بجنود منشقين وأهالي مدنيين حملوا السلاح، أو تسلل جماعات تكفيرية جهادية عبر الحدود لتنفيذ مخططات القاعدة والإرهاب العالمي، أو بجيش نظامي مازال يمتلك الخيار التدميري بمخزون أسلحة كيماوية وأخرى محظورة دوليا تم استخدامها بالفعل. من وجهة نظرك كيف سيكون أفق العمل المسلح؟

 لقد أوصل عنف النظام و وحشيته الفظيعة قطاعات من الجماهير الشعبية الثائرة إلى حمل السلاح للدفاع عن ذاتها وعن أحيائها وبلداتها وأهلها، وحصل هذا التحول مع نهاية عام 2011 مترافقا مع حصول انشقاقات في صفوف الجيش النظامي، وأغلب هؤلاء الجنود هم من الطبقات الشعبية نفسها، فتشكلت حالة نسميها المقاومة الشعبية المسلحة ( تحمل أسماء عديدة منها الجيش السوري الحر وأسماء كتائب معروفة أو غير معروفة) ، لا يشكل الجنود المنشقين أكثر من 30% من المقاومة المسلحة، فالغالبية العظمى هم من المدنيين (المتظاهرين) الذين قرروا حمل السلاح. ويقدر عدد المقاتلين بنحو مائة ألف مقاتل أو أكثر.

 وكما حصل في كل الثورات الشعبية والاجتماعية في تاريخ البشرية الحديث، فلا توجد ثورات اجتماعية نقية "وفق مزاجنا وتصورنا تماما" فالثورات تخرج إلى السطح كل ما يحمله المجتمع المعني في أحشائها، من دعاة الحرية والمساواة والعدالة ودعاة الاشتراكية، وحتى دعاة شكل من أشكال الفاشية أو الرجعية. وأيضا، وكما حصل في ثورات اجتماعية أخرى، فإن البلدان التي تشهدها، لا يمكن أن تكون بمنأى عن تدخلات دول اقليمية وإمبريالية لها مصالحها و أحيانا أتباعها، وغالبا ما تتدخل بهذا الشكل أو ذاك في البلد المعني. ألم تشهد ثورة اكتوبر العظيمة في روسيا 1917 تدخلا، مباشرا، للدول الإمبريالية؟ وألم تشهد هي نفسها بروز جيوش بيضاء وغيرها بل وعصابات متعددة؟

 هذا هو حال الثورات الاجتماعية. فالجماهير لا تنتفض بوعي ثوري كامل، كما نأمل، بل وعيها هو الوعي المباشر لها بشروط محددة  وتبحث في مخيالها الجمعي لما يمكن أن يعطيها قوة وعزما في متابعة ثورتها، من هنا نجد أن المخيال الديني لعب دورا ما في قدرة بعضها على مواجهة الموت اليومي، فهتافات الله أكبر التي نسمعها هي صرخة شجاعة واندفاع للنضال وليست دعوة سياسية دينية. المهم أن تكون المطالب الاجتماعية والسياسية والاقتصادية العامة والمباشرة للطبقات الشعبية هي الأبرز والمهيمنة وأن تبقى القوى الاجتماعية القائدة للثورة هي هذه الطبقات الشعبية نفسها، بهيئات تنظيمها الذاتي و هيئات إدارتها الذاتية، وهو ما يميز السيرورة الثورية الجارية في سوريا، وإن كانت ما تزال تفتقر، كما هو الحال في البلدان العربية الأخرى التي تشهد مسار ثوري، إلى قيادة سياسية ثورية بديلة عن القيادات السياسية الليبرالية الهزيلة القائمة الآن، وتفتقر أيضا إلى برنامج واستراتيجية ثوريين بأفق اجتماعي، ولكن هذه الشروط المفتقرة الآن تتشكل في خضم الصراع الطبقي العنيف الدائر في بلداننا.

 في هذا الإطار، يمكننا القول إنه  توجد مجموعات مسلحة جهادية في سوريا، وبخطاب سياسي واجتماعي شديد الرجعية، ولكن عددها ما يزال هامشيا (من 5-10 آلاف مقاتل وفق التقديرات)، رغم الضجيج الإعلامي حولها، وليس لها نفوذ جماهيري يذكر. لا يجب المبالغة بتأثيرها، كما إنه لا يجب التقليل من أن تزايد أثر خطابها الرجعي والعديد من ممارساتها  المدانة سيسيئان بشدة لمسار الثورة الشعبية وآفاقها، وعلينا أن لا نتردد، ولا للحظة، في فضحها ونقدها في أوساط الجماهير الشعبية، وعند الضرورة مواجهتها بكل حزم. وهذا يتطلب، بشكل أخص، انخراط أوسع للقوى الثورية الديمقراطية وخاصة لقوى اليسار الثوري في الحراك الشعبي وزيادة نفوذها فيه.

 وبالعودة إلى السؤال، فإن العمل الشعبي المسلح أصبح من مكونات الثورة ولكنه لا يكفي وحده لتحقيق انتصار الثورة الشعبية بأفضل الشروط الاجتماعية، و هو ليس كذلك، و لا يجب أن يكون المكون الأساسي الوحيد في دينامية الثورة، بل إن إنهاض الحراك الشعبي الجماهيري هو شرط أساسي لانتصار الثورة الشعبية.

 اعتمد النظام الأسدي مؤخرا وبشكل أساسي على الطيران الحربي لإحداث أكبر قدر من التدمير، كما شهد العمل العسكري للقوات المعارضة أوسع الخيارات من مجرد الدفاع إلى معارك السيطرة على أهم المواقع الاستراتيجية والأمنية. في ظل الصعود الملحوظ واشتداد العمل المسلح كيف ترى العمل الشعبي؟ وما هي أهم التحديات التي تواجهه؟

 بالطبع، نلاحظ إنه مع توسع وتفاقم الحرب التي يشنها النظام ضد الشعب، يتوسع ويزداد دور المقاومة الشعبية المسلحة، التي تمزج بين العديد من التكتيكات العسكرية الهجومية والدفاعية، وحرب عصابات مع حرب مواقع. ومن الواضح أن الخراب الناتج عن تدمير المدن والأحياء والبنية التحتية للعديد من المناطق أثًر على حجم ووتيرة الحراك الشعبي، ولكنه، كما ذكرت أعلاه ، ما يزال قائما وفعالا رغم كل المعوقات.

 إضافة للمعوقات المذكورة، نجد أن التشتت المناطقي للتنسيقيات الثورية وعدم التوصل، بعد، إلى تشكيل هيئات مركزية منتخبة لها، تسمح بقيادة الحراك الشعبي وتنظمه على الصعيد الوطني، يصبح هو أيضا عائقا هاما في تطويره. علاوة على أن الحراك الشعبي ما يزال ضعيفا في عدد من المناطق السورية، وإنه لأمر جوهري إقناع ودفع كل الجماهير الشعبية السورية وفي كل المناطق للانخراط في الحراك الشعبي، واقناعها ليس بالقول فقط بل أيضا بالأفعال، إن مصلحتها الحقيقية هي في التخلص من دكتاتورية آل الأسد.

 لقد أوضحت جماهير الشعب السوري الثورية من خلال هيئات تنظيمها الذاتي و هيئات إدارتها الذاتية قدرات وإبداعات نضالية هائلة، وإمكانيات مهمة للرد على ومواجهة الكثير من التحديات والصعوبات التي واجهتها، وهي قادرة على تجاوز الصعوبات المذكورة، وستنجح أكثر بحلها بشكل تقدمي بقدر ما يكون للقوى الثورية الديمقراطية العلمانية و لليسار الثوري حضور ونفوذ متزايد في الحراك الشعبي المستمر. فالسيرورات الثورية المستمرة مفتوحة على العديد من الآفاق الممكنة التي ستعتمد على موازين القوى الاجتماعية والسياسية وخياراتها. لكنها بسبب الديناميات الاقتصادية- الاجتماعية العميقة الدافعة لها، لن تتوقف في منتصف الطريق، لإن ذلك يعني موتها.

 لوحظ منذ بدء الثورة الدور الفعال لمناطق الأرياف من حيث تسجيل نقاط تظاهر، واعتبارها حاضنة للجنود المنشقين، كذلك تحديدها أولى الخيارات لارتكاب الآلة العسكرية النظامية أبشع المجازرعند اشتداد المعارك بالمدن. كما لوحظ تحررها تقريبا بالكامل من سيطرة القوات النظامية مع انتقال المعارك شمالا، في حين لوحظ تراجع لكلا من العمل الشعبي والمسلح بمناطق أخرى كالسويداء والقنيطرة.  كيف تصف اختلاف نفوذ العمل الشعبي والمسلح بالمناطق؟

 لم تشهد مناطق السويداء والقنيطرة تراجعا في الحراك الشعبي أو المسلح، فالمظاهرات ، وأيضا الاعتقالات التي تمارسها أجهزة أمن الدكتاتورية، قائمة على قدم وساق في هذه المناطق. كما أن السويداء شهدت في بداية شهر يناير الجاري معارك طاحنة بين مقاتلي المقاومة الشعبية وقوات النظام.

 لقد قام النظام برسم استراتيجية عنيفة وخبيثة لمواجهة الثورة، من بين مكوناتها أنه  فعل كل ما في وسعه للحفاظ على حياة هادئة للمناطق التي تقطنها البرجوازية السورية الكبيرة، تلك الطبقة التي يعبر عن مصالحها، كما قام بسحق الضواحي الشعبية المحيطة بالمدن الكبرى، مما دفع بالجماهير الشعبية إلى الهجرة إلى مناطق أبعد وهي إلى حد ما ريفية، وهذا فاقم من صعوبة حياة المهاجرين مثلما فاقم من صعوبة حياة المناطق التي استقبلتهم. ولم يتوانى النظام الدكتاتوري منذ اليوم الأول من الثورة إلى اتهامها بأنها مسلحة وإسلامية، في محاولة منه إلى تطييف الصراع وتخويف وتحييد الأقليات الدينية  في البلاد، وعلينا القول أن تفاهة خطاب المجلس الوطني السوري، ساهمت في نجاح جزئي للنظام على هذا الصعيد، وأيضا استطاع النظام أن يحظى بدعم المؤسسات الدينية الرسمية لكل الأديان والمذاهب. وكان مفهوما أن تجد المقاومة الشعبية المسلحة تواجدا أكبر لها في المناطق الحدودية مثل الشمال والشمال الغربي للبلاد أو المناطق الشرقية والجنوبية، ولكننا لا يمكن أن ننكر أن ضواحي دمشق نفسها تشهد حضور واسع للمقاومة الشعبية المسلحة. لا توجد منطقة في سوريا خالية من حضور المقاومة الشعبية المسلحة أو الحراك الشعبي، لكن حجمهما و وتيرة نشاطهما مرهون بعدد من العوامل منها تلك التي ذكرتها أعلاه. بمعنى ، إنه في المناطق الحدودية، نجد أن وتيرة العمل المسلح هي أعلى مما هي عليه في المناطق الأخرى.

 بعض المزاعم سيقت حول التحول الكامل لطابع الثورة السورية حيث يتصدر الجانب المسلح المشهد بما يعني تراجع الثورة الشعبية من وجهة نظرهم، في حين راهن البعض الآخرعلى القدرة النوعية في الإدارة الذاتية التي اتضحت بلجان الإعاشة والإغاثة ثم تطورت لمجالس شعبية ناجحة. كيف ترى انعكاس كلا من العمل الشعبي والعمل المسلح على سوريا ما بعد الأسد؟

 تلك المزاعم التي تدعي بتحول الثورة السورية إلى ثورة مسلحة فحسب هي مزاعم ظالمة وتتجنى على الثورة، وهي لدى البعض من اليسار التقليدي حجة لتبرير تقاعسهم إن لم يكن لدى بعضهم خيانتهم لقضايا الطبقات الشعبية ومصالحها المباشرة والعامة. لدينا في الحالة السورية ثورة تمشي على قدمين، العمل الشعبي السلمي والعمل المسلح الذي دفع إليه عنف النظام و وحشيته. بالتأكيد إننا نرى أن سقوط النظام بالعمل المسلح وحده مع غياب للعمل الشعبي، والأمر ليس كذلك الآن في سوريا، سيكون إيجابيا في خلاص البلد من الدكتاتورية. ولكنه، في الوقت عينه، قد يدفع بالبلاد إلى آفاق أكثر صعوبة ومجهولة الآفاق، لأنه سيكون لحملة السلاح كلمة الفصل، وهذا ما لا نريده. إننا نريد إنهاض حراكا شعبيا واسعا يكون هو الأساس الكفاحي في إسقاط النظام الدكتاتوري، وإعادة هيكلة العمل المسلح ليتوافق مع متطلبات العمل الشعبي وليس العكس. وفي كل الأحوال، فإن أحدا لن يستطيع، أن يفرض على الجماهير الشعبية السورية، التي قدمت تضحيات هائلة في ثورتها، دكتاتورية جديدة تحت أي اسم كان. ولن تتوقف السيرورة الثورية بمجرد إسقاط النظام ، فالمسألة ليست تغيير هذا الحاكم أو ذاك، بل إنها تتعلق بأعمق التغييرات السياسية والاجتماعية التي ثارت الجماهير من أجلها، ولن تتوقف قبل تحقيقها، حتى ولو شهدنا فيها- أي في السيرورات الثورية- في هذه اللحظة أو تلك، تراجع هنا ، أو منعطف هناك . إنها، كما سبق أن قلت، ثورات دائمة. ولأنها كذلك فإن بناء الحزب العمالي الاشتراكي الثوري والجماهيري في خضم هذه الثورات هي المهمة الأساسية لليسار الثوري.

Repost 0
Published by تيار اليسار الثوري في سوريا
commenter cet article
23 janvier 2013 3 23 /01 /janvier /2013 19:59

المعارضة تتهم النظام بتدمير البنى التحتية وقتل الماشية وحرق المحاصيل

تقرير أممي: تراجع الإنتاج الزراعي السوري إلى نصفه.. والوضع صعب

صبري عبد الحفيظ حسنين

أكد تقرير أممي أن أحوال الزراعة في سوريا يرثى لها، إذ تدهور الإنتاج الزراعي السوري إلى نصفه تقريبًا، بسبب أزمة دموية مستمرة منذ عام تقريبًا. وقد اتهمت المعارضة النظام بتعمّد إحراق المحاصيل وتخريب البنى التحتية انتقامًا من الشعب الثائر.


صبري عبد الحفيظ من القاهرة: كشفت بعثة خاصة من الأمم المتحدة أن الصراع في سوريا دمّر قطاعها الزراعي، وأنهك دورات إنتاج الحبوب والخضر والفاكهة، مشيرة إلى تراجع الإنتاج المحصولي النباتي إلى النصف تقريبًا، إلى جانب دمار هائل لحق بنظم الريّ وغيرها من البنى التحتيّة.

وقال تقرير منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، حصلت "إيلاف" على نسخة منه عبر مكتب المنظمة في القاهرة، إن البعثة الدولية زارت العديد من المناطق المتضررة في دمشق وحمص ودرعا، بين 18 و22 كانون الثاني (يناير) الجاري، بتنسيق مع الحكومة والمعارضة. وقد تألف فريق البعثة من مدراء الطوارئ نيابة عن سبع وكالات إنمائية وإنسانية تابعة للأمم المتّحدة برئاسة جون جينج، مدير العمليات في مكتب الأمم المتّحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية.

تراجع الحصاد
ووفقًا للتقرير، هبط إنتاج الشعير والقمح إلى أقل من مليوني طنّ في السنة الماضية، في حين كان يبلغ 4 إلى 4.5 مليون طنّ في السنوات الطبيعية. كما أشار إلى تراجع إنتاج الخضر والفاكهة بشدة في محافظتي حمص ودرعا، بما في ذلك انخفاض بنسبة 60 بالمئة في الإنتاج النباتي بحمص، و40 بالمئة في إنتاج زيت الزيتون في درعا.

ولم يتمكن سوى 45 بالمئة من المزارعين من حصاد محاصيل الحبوب بالكامل، بينما عجز 14 بالمئة عن الحصاد كليًّا، بسبب انعدام الأمن وشح الوقود، وندرة المدخلات الزراعية الضرورية، بما في ذلك البذور والأسمدة الممتازة.

ولفت التقرير إلى تضرر قنوات الريّ الرئيسة، خصوصًا في حمص وندرة الوقود لمضخات الريّ،  وقلة الرعي للماشية وشح العلف الحيواني والعقاقير البيطرية، إلى جانب قيود الاستيراد بسبب العقوبات الدولية المفروضة. وأشار إلى تضرر إنتاج الدواجن، كمصدر تقليدي للبروتين الحيواني الرخيص، مع دمار المزارع الكبرى في حمص وحماه وإدلب.

أضاف التقرير: "من بين 10 ملايين سوري يقيمون في المناطق الريفية في سوريا - أي نحو 46 بالمئة من مجموع السكان - يعتمد 80 بالمئة في معيشتهم على الزراعة.

الحاجة ماسة
يتزامن هذا التقرير مع ترؤس الأمين العام للأمم المتّحدة بان كي مون مؤتمرًا إنسانيًا دوليًا رفيع المستوى للتعهدات المالية لسوريا، في مدينة الكويت في 30 كانون الثاني (يناير) 2013.

وقالت دومينك بورجون، مدير شعبة الطوارئ وإعادة التأهيل في منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة FAO، إن "البعثة هالها محنة الشعب السوري الذي تقوضت قدراته على التحمّل إلى أقصى الحدود تحت وطأة 22 شهرًا من الأزمة".

أضافت: "تكشف المناقشات مع المنظمات غير الحكومية والمسؤولين التقنيين من وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي عن أن الظروف الأمنية لها دور حاسم في تمكين المزارعين من المكوث في أراضيهم، وتوليد الدخل لتلبية أكثر الاحتياجات الماسة، وهؤلاء في أمسّ الحاجة إلى الدعم الزراعي العاجل من البذور والأسمدة والعلف الحيواني والعقاقير البيطرية والدواجن وإعادة تأهيل بنى الريّ التحتيّة".

تعمد نظامي
تتهم المعارضة السورية نظام بشار الأسد بتعمد حرق المحاصيل الزراعية وتدمير البنية التحتية، عقابًا للشعب السوري على ثورته ضده. 

Repost 0
Published by تيار اليسار الثوري في سوريا
commenter cet article
21 janvier 2013 1 21 /01 /janvier /2013 16:48
 
2،365  مليون بيت متضرر
 
 
 
ولم يعد خافياً على أحد حجم الأزمة الاقتصادية التي تمر بها سوريا وهنا بيّنت مجموعة عمل اقتصاد سوريا عبر جملةٍ من الأرقام بعض الحقائق ، حيث أشارت إلى تراجع قوى الإنتاج بشكل مباشر نتيجة انعدام الاستقرار الداخلي وتراجع عرض السلع والخدمات، كما ارتفعت تكاليف الإنتاج، وفقدت الليرة السورية أكثر من 50% من قيمتها، في حين وصل معدل التضخم إلى نسبة تتجاوز 32% حسب الأرقام الرسمية. وتقدر خسائر الاقتصاد السورية منذ مارس (آذار) 2011 بنحو 50 مليار دولار. لكن الدمار والخراب الذي لحق بالبنى التحتية للاقتصاد والمباني المدمرة يتجاوز بكثير هذه الآثار نتيجة القصف والتدمير الممنهج للمدن والقرى، حيث يقدر عدد المباني المدمرة حسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان 2.365 مليون مبنى تضررت بدرجات متفاوتة. وتقدر الشبكة تكلفة إعادة إعمار هذه المباني بمبلغ 35 مليار دولار، وتحتاج إلى ثلاث سنوات على الأقل لإعادة البناء. بينما تقدر التكلفة الإجمالية لإعادة إعمار سوريا وتعويض المتضررين بحسب اقتصاديين سوريين بمبلغ يتراوح بين 60- 200 مليار دولار.

بلقيس أبوراشد - زمان الوصل
Repost 0
Published by تيار اليسار الثوري في سوريا
commenter cet article
17 janvier 2013 4 17 /01 /janvier /2013 10:21

إلى الأستاذ ياسين الحاج صالح

من مظاهرة 15 آب 2011 تضامنا مع الثورة السورية- بيروت|بعدسة نضال مفيد
الكاتب: د. باسل ف. صالح

 

يبدو أن الأستاذ ياسين الحاج صالح -من خلال اتهامه لليساريين على صفحته على الفايسبوك "بقلة الشرف وانعدام الضمير والخسة" ويعتبر أنهم لم يتضامنوا مع الثورة السورية ولم يوقعوا على بيانات مناهضة للعنصرية، كما يدعي الحاج صالح وأن اليساريين في لبنان لم يساعدوا المهجرين السوريين على عكس ما قام به أصدقائه "الليبراليين"، كل ذلك على حد قول ياسين الحاج صالح- ينسى أو يتناسى العديد من التفصيلات والمواقف، ويبدو أن أحكامه مبرمة كأحكام أي طاغية آخر، لدرجة أنه يذهب بعيداً في الاتهامات بحيث لا يترك لنفسه مكاناً للعودة، أو حتى للتفكر قليلاً قبل إبتداع الحلول الجاهزة والأقوال التي تتأتى عن منهجية شمولية عهدناها مع الأنظمة القمعية وأنظمة الطغيان والفاشية.

لذلك، يتفاجأ الإنسان من سرعة اطلاق الاحكام الجاهزة، والتي يبدو أن بعض اعداء النظام باتوا يتمتعون بها، وانطبق عليهم قول نيتشه نفسه: "على من يحارب الوحوش الاحتراس من أن يصبح واحداً منهم"، أو قوله الآخر "من ينظر إلى الهاوية كثيراً فإن الهاوية تنظر إليه أيضاً".

لذلك، وليس في سبيل مجاملة الثورة نقول:
أولاً: بما أن الاستاذ صالح توقف عند مبادرة بعض الليبراليين على توقيع البيانات التي تعارض ممارسات الطاغية أو ممارسات القوى الفاشية العنصرية اللبنانية (وبالمناسبة أكثر كلام عنصري شوفيني صدر عن الليبراليين الوزير جبران باسيل والنائبة "تأنيث للموقع دون المعنى الآخر في العربية أي المصيبة، علماً انها كذلك" نايلة تويني وهي عدوة للنظام السوري "كما تقول")، يتوجب علينا أن نذكره بأن أول من أقام تحركاً في بيروت ضد ممارسات النظام القمعي المجرم هم مجموعة من الشباب اليساري، والذين تنادوا الى الاعتصام امام السفارة السورية في بيروت، وتعرضوا يومها لأشرس هجوم يتعرض إليه أي لبناني ضد النظام السوري، ووقع يومها العديد من الجرحى وبعضهم كانت اصابته خطرة، فلم تقف الأمور عند هذا الحد إذ لم تتوان بعض الاجهزة الأمنية عن تتبعنا في الاحياء والشوارع وصولاً الى بيوتنا.

ثانياً: يا ليت الاستاذ صالح يراجع الأسماء ليعرف أن عدداً كبيراً من موقعي البيانات التي يحيل إليها هم من الناشطين اليساريين والذين وقفوا إلى جانب الثورة منذ يومها الاول، وتعرضوا في مظاهرات حملة اسقاط النظام الطائفي، وغيرها، الى اشرس الهجمات التي وصلت لحد الضرب، بسبب حمل يافطات داعمة للثورة السورية الى جانب يافطات دعم الثورات المصرية والتونسية والبحرينية واليمنية والليبية.

ثالثاً: يبدو أن السيد صالح ينسى، او لعله لا يعلم، أن أول حملة للمساهمة في دعم الشعب السوري اللاجئ الى الاراضي اللبنانية كانت عبر مجموعة يسارية داعمة للثورة السورية، ومن بينهم بعض الأصدقاء من الحزب الشيوعي نفسه (وبتعارض مع توجهات القيادة إلى حد كبير)، وبعضهم فتح منزله ليأوي ما يستطيع من الأشقاء السوريين، بعد أن رفض أولئك الاصدقاء الطريقة التي يتعامل بها البعض مع هذا الامر.

رابعاً: لا نعلّق على كلمة الممانعين التي وردت في الجملة الاخيرة، لأن الامر لا يعنينا. بل ومن المعروف جيداً أن عدداً كبيراً من اليساريين اللبنانيين يدعمون كافة الثورات العربية (ومنها السورية) ويعرفون مدى كذب ونفاق وعقم الخطاب "الممانع"، أو الذي يدّعي مناهضة ومقاومة العدو الاسرائيلي بالعلن وهو يقف إلى جانب الأنظمة القمعية العربية التي تصب في خانة هذا العدو إن بشكل مباشر أو غير مباشر، متناسين أن تحرير فلسطين لا يمكن أن يأتي إلا من شعوب حرة، ومتناسين أيضاً ان حرية الشعوب لا يمكن تتجزأ. لكن ما يلفت النظر هو مصطلح اليساريين الذي استُخدم، وكأنه يرى الى العناوين ويقصف خبط عشواء دون التريث أو التمهل قليلاً علّه يصيب من يدعم الثورة السورية من الداخل. وعليه، لا نعلم هذا القنص المقصود على اليساريين، لدرجة الذهاب إلى الاعتقاد بأن من يقوله شخص له ميول يمينية او ليبرالية، او لعله كذلك.

لكن لا يا عزيزي، اخطأت كثيراً في التوصيف، أخطأت لدرجة كبيرة عندما اطلقت الرصاص بشكل عشوائي، واعتمدت منطق نظام البعث نفسه (وأي طاغية آخر، لاسيما الرئيس الاميركي الذي وضع المعادلة الاشهر إما معي أو مع الإرهاب)، مميزاً بين متبنٍ لخطابك وبين عدو غير متبنٍ لهذا الخطاب. لا بل أخطأت عندما استهدفت التسمية، إذ بات هذا الكلام وكأنه رفع لخطاب بعض الجماعات الإسلامية المتطرفة المدعومة من النظامين السعودي والقطري، الذين لا يتوانون عن ترديد شعارات إسلامية ضد كل من ليس "سنياً" بحجة أن أغلبية الثوار هم من هذه الطائفة (كما وجملتك التي تظهر وكأن كل من اليساريين اللبنانيين مع النظام)، فبات الامر وكأنه دعوة لحرب أهلية وتطهير عرقي لكل سوري مختلف دينياً وطائفياً، متناسين أن النظام اضطهد وأساء إلى هؤلاء كما أساء إلى جميع الشرائح (الفقيرة والمضطهدة) الأخرى.

أخطأت، لا بل أسأت للثورة السورية العظيمة في هذا الخطاب، وهذا التوجه، وأخطأت كثيراً في هذا التوصيف، وبيّنت بما لا يقبل الشك، كيف أن الثورة السورية تعرّي الكثير الكثير...

عاشت ثورة الشعب السوري العظيمة
عاشت سوريا حرة أبية
بيروت في 14\1\

Repost 0
Published by تيار اليسار الثوري في سوريا
commenter cet article
17 janvier 2013 4 17 /01 /janvier /2013 10:12

وزارة النفط تفصح عن خسائر تتخطى 6.3 مليارات دولار

  

957ec052907d4f81d6e55325

ربما لا تنطبق عبارة على واقع قطاع الطاقة في سوريا أكثر من عبارة “السر المعلن”، فـ”المعلن” هو المعاين والمعروف لدى سواد السوريين من شح خطير أطبق على مختلف أنواع الطاقة (كهرباء،غاز، ديزل…) مجتمعة، وأما “السر” فهو حجم الخسائر الحقيقية التي أصابت وتصيب هذا القطاع، وانعكاسات هذه الخسائر على تدهور مجمل النشاط الاقتصادي والاجتماعي في سوريا، وهو “سر” لا تستطيع أي جهة أن تدعي الإحاطة بكامل أبعاده، حتى ولو كانت تمتلك قدرا مهماً من الإحصاءات والأرقام، كما هو حال وزارة النفط والثروة المعدنية.

 وتشير آخر تقديرات وزارة النفط السورية إلى خسائر تخطت 6.3 مليارات دولار خلال ما مضى من عمر الأزمة، نجم القدر الأعظم منها عن تعطل أو تأخر إنتاج النفط، فيما بقي حجم الأضرار التي لحقت بالمباني والآليات والخطوط متواضعا نوعا ما، حيث لم يتجاوز 133 مليون دولار، دون أن تبين الوزارة ما إذا كانت الخسائر المفصح عنها مؤخرا تتضمن الـ4 مليارات دولار، التي قالت سوريا إنها لحقت بقطاعها النفطي جراء العقوبات الأوروبية والأمريكية المفروضة منذ أيلول/ سبتمبر 2011، كما صرح بذلك وزير النفط السابق سفيان علاو، قبل سبعة أشهر تقريبا.

 ويأتي هذا الإفصاح الأخير، في ظل نقص حاد يكتنف سوق المشتقات النفطية، لاسيما المازوت (الديزل)، حيث لا حديث يسبق جملة “عبيت مازوت”، لاسيما في المناطق الساخنة بأحداثها الباردة بأجوائها، فيما كادت مفردة الغاز تغيب عن قاموس معظم السوريين. 

 وليست الكهرباء أفضل حالا، حيث تعاني عجزا يقدر بـ4 آلاف ميغاواط يوميا، هي الفارق بين إجمالي الطاقة المولدة (5500 ميغاواط) والحاجة الفعلية (9500 ميغاواط)، بحسب ما عرضته صحيفة رسمية سورية.

وأصبحت 3 آلاف ميغاواط خارج الخدمة منذ نحو عام، وهو ما تعزوه وزارة الكهرباء السورية إلى نقص في كميات الفيول والغاز اللازمة لتشغيل عنفات التوليد؛ عطفا على تعذر نقل المادتين من مناطق الانتاج إلى محطات التوليد.

 وتعيش عموم المحافظات السورية حالة من التقنين العبثي، ففضلا عن انقطاع الكهرباء لساعات طويلة، فإن الانقطاع عشوائي وغير محكوم بأي برنامج في كثير من المناطق، ناهيك عن مدن وبلدات وأحياء هجرها التيار منذ أشهر أو أسابيع.

 إن الأرقام التي تم استعراض بعضها أعلاه، تكشف أن قطاع الطاقة في سوريا وبالأخص إنتاج النفط، أصيب بخسائر ربما تعد الأكثر كارثية في تاريخ الدول المنتجة، قياسا إلى القدرة الإنتاجية المتواضعة نوعا ما، وإلى تحول النفط من رافد لواردات الخزينة إلى عبء ثقيل على مصروفاتها، في وقت من أحلك أوقات البلاد.

وتزداد سوداوية المشهد، إذا علمنا أن أرقام الخسائر تبقى تقديرية، باعتراف وزارة النفط نفسها، وأن رقم الأضرار بالذات قابل للتضخم؛ حيث إن هناك مناطق ما تزال تنتظر ورود تقارير حصر الضرر الذي لحق بها، كما إن تقييمها بـ133 مليون دولار، فيه مجانبة للواقع، حيث تم التقييم على أساس كلفة تلك المواد والآليات وقت شرائها، لا بالأسعار الرائجة حاليا.

 لعقود مضت، بقي النفط في سوريا -بإنتاجه وعائداته- أشبه بشبكة ألغاز، بل بحقل ألغام، يمنع الاقتراب منه بتاتا، ولم تعرف الشفافية إليه طريقا، إلا عندما قررت السلطات قبل سنوات أن تدندن على وتر تراجع الإنتاج، لتبرر قطع الدعم عن المحروقات ورفع أسعاره، كما يردد مراقبون ومهتمون، وهم يتساءلون باستهجان عن تلك الشفافية التي هبطت على وزارة النفط فجأة؛ لتطرح ملف الخسائر والأضرار على الملأ، كما فعلت مؤخرا عبر جريدة “الثورة” الحكومية، وكأن الوزارة ومن وراءها يريدون إقناع السوريين بتطبيق شعار “كلنا شركاء”.. ولكن في الخسارة والهم فقط!

 

عن موقع اقتصاد.. مال وأعمال السوريين
Repost 0
Published by تيار اليسار الثوري في سوريا
commenter cet article
17 janvier 2013 4 17 /01 /janvier /2013 10:05

اتفاق لاقتراض النظام من ايران مليار دولار بفوائد ميسرة 

 

 

 

 

 وقعت سوريا وايران اليوم الاربعاء اتفاقية تتيح لدمشق الاقتراض من طهران حتى سقف مليار دولار بفوائد ميسرة، وذلك خلال زيارة يقوم بها رئيس الوزراء السوري وائل الحلقي الى ايران، بحسب ما افادت وكالة الانباء الرسمية السورية (سانا).

وقالت الوكالة بعد ظهر اليوم ان "سوريا وايران وقعتا اتفاقية خط التسهيل الائتماني بقيمة مليار دولار بين المصرف التجاري السوري وبنك الصادرات الايرانية، وعقودا عدة في مجال انتقال الطاقة والمعدات الكهربائية". وهي المرة الاولى يعلن رسميا عن فتح ايران خطا مماثلا لصالح سوريا. وترجح معلومات غير مؤكدة رسميا، ان تكون طهران وفرت سرا العديد من المساعدات المالية لدمشق التي تعاني من انخفاض حاد من احتياطها بالعملات الاجنبية منذ بدء النزاع على ارضها قبل 22 شهرا.

وقال جهاد يازجي، مدير المجلة الاقتصادية الالكترونية "سيريا ريبورت"، ان الاتفاق "هو بالدرجة الاولى خطوة ذات دلالة سياسية من ايران لصالح سوريا، ويظهر ايضا انه على رغم العقوبات الدولية، لم تستنفد ايران مواردها في شكل كامل".

وكان حاكم المصرف المركزي السوري اديب ميالة اعتبر في آب/اغسطس 2011 ان الشائعات التي تحدث عنها دبلوماسيون غربيون عن تحويل ستة مليارات دولار من ايران لدعم الليرة السورية، هي مجرد "مزحة". وبعد نحو عام على ذلك، سرت شائعات جديدة عن اتفاق مقايضة بين سوريا وروسيا، اضافة الى قرض ميسر بقيمة مليار دولار من ايران، دون اي تأكيد رسمي لذلك. وتعد روسيا وايران، اضافة الى الصين، ابرز حلفاء نظام الرئيس السوري بشار الاسد.

وبدأ الحلقي الثلاثاء برفقة وفد سياسي واقتصادي زيارة لطهران تستمر يومين يلتقي خلالها المرشد الاعلى للجمهورية الاسلامية آية الله علي خامنئي. والتقى الحلقي امس الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد الذي اكد استمرار التعاون بين البلدين. من جهته، اتهم الحلقي "اعداء" سوريا باستهداف "البنى التحتية والمنشآت الاقتصادية في بلاده" وذلك من اجل "الضغط اقتصاديا على الشعب".

 

 الفرنسية

Repost 0
Published by تيار اليسار الثوري في سوريا
commenter cet article